حنجرة الارض!
الصوت الجميل هبة إلهية تمسح عتمة التعب،
و»الحداء« بالتعبير التراثي، لون من المتع الروحية، لكن حين يصبح »الفن« على اتساع
مفهومه مستنقعا للرذيلة يقتضي الامر وقفة تساؤل!
في المشهد العربي البانورامي، ثمة انحطاط في
كل شيء، اقتصاديا وسياسيا وحضاريا، اما على »الجبهة الفنية« فالامر مختلف تماما،
فهذا القطاع »مزدهر« على نحو لم يسبق له مثيل، وتجارة »الفيديوكليب« منتعشة، وهناك
»منجم!« عربي نشط يـُفرخ »الاصوات الشابة« بكثافة تكاثر الفطر، فلا تكاد تشرق شمس
على الوطن الكبير، دون ان تتحفنا الشاشات الفضائية، بحنجرة جديدة، او قل »قد
ميّاس!« مكتنز تتطاير صـُوَرُه او صـُوَرُها كالمطر، مستقرة على »فاترينات« دكاكين
الفن والاشرطة والسيديات، وتغدو او يغدو، مثلا أعلى للمراهقين والمراهقات ومصدر
»إلهام« لهم!!
بالامس راقبت على احدى الشاشات العربية مشهدا
يـُلهب الخيال، كان ثمة »حنجرة« من تلك الحناجر الحداثية، قامة ممشوقة، وتسريحة
شعر معولمة، وملابس من دنيا أخرى، واغنيات، وكان ايضا جمهور كثير متنوع الاعمار..
يستمع في انفعال لافت.. بعضهن نط وهاج ورقص بجنون.. والبعض الآخر بكى بحرقة، وفئة مزقت
الصالة بصراخ هستيري.. وثمة »بؤر« ساهمة سارحة هائمة في ملكوت آخر، كأنها تستمع
لحنجرة الارض تثغو بنشيد الانشاد ..
كان مشهدا..
اعتقد بلا مبالغة، لو أمَـرَهم صاحب الصوت
بارتكاب اي حماقة لما تأخر منهم احد. حتى لكأنه ساحر.. وهم قوم مسحورون او
مُنوّمون مغناطيسيا، هائمون في عالم آخر، وكان أيضا حاجز بين »حنجرة الارض«
وجمهورها وحرس، مخافة ان ينفلت العشاق على المعشوق فيقطـّعونه حُبا، ويأخذ كل واحد
منهم »تذكارا« من جسده!!
المشهد يتكرر..
والوطن الكبير كله مُقطـّع اربا، كما أجساد
الفلسطينيين التي تمزقها قذائف دبابات اليهود وطائرات الاباتشي الاحتلالية..
فتتناثر »التذكارات« على الحيطان!
أحقا هو »الفن«؟!
فان كان ذلك كذلك.. لماذا يزدهر هو فقط،
وينهار كل شيء؟!
في عصور الانحطاط التي تمر بها الامم.. ينحط
كل شيء.. الا الانحطاط ذاته!!