العراق وايران

 

 

بقلم :حياة الحويك عطية

 

  

هل كان من الحكمة استفزاز العراق لايران في هذه المرحلة بالذات؟

واذا كان التحدي الاول امام الديبلوماسية العراقية هو التنافس مع الاميركيين على آخر عاصمة من عواصم العالم، في عملية شد حبل صعبة ستحسم امر توجيه ضربة قاصمة الى العراق، فهل يعقل ان تتسرع بغداد في استعداء اقرب العواصم جغرافيا، واكثرها تأهلا للوقوف في المعسكر المعادي لواشنطن؟

وفي الوقت الذي كان المراقبون فيه يتوقعون زيارة مسؤول عراقي رفيع المستوى الى طهران، خاصة بعد سوريا، وبعد الجولة الاسيوية، فاجأنا نائب الرئىس العراقي بالهجوم الحاد على الجار الشرقي الجنوبي الذي يمتلك معه اطول خط في حدوده.

صحيح ان مرارات حرب الثماني سنوات لا يمكن ان تمحى بمسحة رسول.

وصحيح ان مرارات اخرى قد اضيفت اليها عندما دعمت ايران التسلل والتمرد في جنوب العراق بعد وقف اطلاق النار في حرب الخليج الثانية، تلك الغوغاء التي اوقعت بالعراق ما لم يوقعه العدوان الاميركي.

لكن بغداد كانت تعمل في الاونة الاخيرة على خط التطبيع الذي يتجاوز جميع هذه المرارات.

كما ان الظرف الحالي الحرج لا يسمح بفتح ملفات كانت في طريقها الى المعالجة ان لم نقل الى الاغلاق.

اذن، فلا بد من توقع وجود معلومات ما لدى القيادة العراقية دفعتها الى اتخاذ هذا الموقف المعلن.

معلومات قد تتعلق بالمعارضة العراقية الشيعية التي تستظل مظلة طهران، وقد تتعلق بالعلاقة الايرانية الاميركية، خاصة بعد زيارة خاتمي الى افغانستان، تلك الزيارة التي توجت حيادا ايرانيا من الحرب الاميركية ضد كابول، حينما لم يكن لكلمة الحياد معنى الا معنى الموافقة على الضربة وتسهيلها، خاصة وان ايران تمتلك علاقة خاصة مع تحالف الشمال، الذي شكل الاداة التنفيذية للخطة الاميركية. كما تمتلك حدودا برية طويلة مع البلد.

فهل تخشى بغداد موقفا مشابها من قبل ايران، او بالاحرى موقفا يتجاوز ذلك في ضوء علاقتها الاوثق بالمعارضة العراقية، بجنوب العراق؟

هل ان لدى بغداد معلومات عن استعدادات ايرانية للتدخل على غرار ما حصل في التسعين، او عن تنسيق ما مع الاميركيين عبر بعض رموز المعارضة العراقية او عبر اطراف اخرى؟

وهل ان اعلان ايران عن معارضتها للحرب ثم اعلانها لاحقا عن وقوفها على الحياد - في حال حصولها - مؤشر ذو دلالة؟

لنقلها بصراحة واخلاص:

لن يصب هذا الشد بين الجارين في مصلحة اي منهما، ولا في مصلحة المنطقة كلها.

لن تستفيد منه الا اميركا واسرائيل.

لن يعفي التليين الايراني طهران من تصنيفها على قائمة محور الشر، حيث لم يكن من قبيل الصدفة الكلامية وضعها ثانية بعد العراق.

وسينطبق عليها كما على الدول العربية مثال: »اكلت يوم اكل الثور الابيض« عاجلا ام آجلا.

واذا كان ثمة حديث عن سايكس بيكو جديدة للمنطقة في الذهن الاميركي - الصهيوني فإن هذا الذهن لن يسمح بقيام دولة انفصالية شيعية في جنوب العراق، مرتبطة بايران، وذات منفذ على المنطقة الشرقية الشيعية في العربية السعودية، وبالتالي على البحرين.

قد يتم التلويح بذلك لاستخدام بعض الطموحات محركا لعملية تخريب كبيرة تدمر الجميع وتعيد خلط الاوراق بحيث تنثرها شتاتا امام اللاعب الذي ينتظر اعادة ترتيبها.

وستكون هناك طموحات طائفية اخرى كثيرة: طائفية، دينية، وعرقية، جاهزة للعب دور العصا التي تحرك النار، لكنها لن تكون الا عصا خشبية لا تلبث ان تحترق بها وتحرقنا كلنا.

الوضع خطير، ويتطلب الكثير، الكثير من الحكمة، من بعد النظر من الوعي، من العمل على الالتفاف على الاخطار في اطار اساليب التصدي لها.