الهجوم علي العراق وغزو آسيا العربية!
بقلم : طارق مصاروة
كان من المفترض نشر هذا المقال مكثفاً في
زاوية كل يوم في صحيفة الرأي ، لكن الرقابة الذاتية في التحرير ارتأت ان المقال
حام جداً و ... انهم لا يوافقون علي نشره ، ولذا قررت وقف نشره، وهي حالة تعرفنا
عليها اكثر من مرّة، وكلفتنا منعنا من العمل سنتين، كان آخرها عام 1996 حين قررنا
احتضان حسين كامل ومعارضته، لكن الله سلّم فقد انتهت أزمة العلاقات الاخوية مع
العراق بأقل الخسائر إذ انهت حياة حسين كامل وعائلته، وأصبح رئيس وزرائنا رئيساً
لمجلس ادارة البنك الاردني الكويتي!
وفي المرة الاولي عام 1989 إذ كان المطلوب
التغطية علي كارثة انهيار الدينار وبنك البترا، فصدر قرار الرقابة الذاتية بمنع
طارق مصاروة، وفهد الفانك، وخالد محادين، وفهد الريماوي من العمل الصحافي.. وسلّم
الله، ووجدنا ان الديمقراطية أفضل.. في توزيع دم الدينار علي القبائل، وفي جعل
الدين الخارجي صخرة سيزيف الاغريقي، فما نزال نحملها الي رأس الجبل وما تزال تسقط
الي الوادي.
كنا نقول: هذا الذي سمعناه من المصادر
الامريكية ـ البريطانية في موضوع العراق محسوب ومفهوم ولا علاقة له بتهدئة اللعب ـ
كما يقولون في كرة القدم ـ فهو تراجع تكتيكي لا يعني ابداً ان الادارة الامريكية
صبورة و عاقلة . وان بريطانيا خرجت من احقادها الاستعمارية القديمة!
الوزير سترو كان اذكي من الرئيس بوش في
التعامل مع هذا التراجع التكتيكي. فهو يقول: إن عودة المفتشين قد تقلل من احتمال
توجيه ضربة عسكرية. لكنه في المحصلة لا يقايض عودة المفتشين برفع شبح الحرب، طالما
أن الخطوة التي تلي عودتهم لا تعني تقريرهم بخلو العراق من اسلحة الدمار الشامل،
وانما هي البداية لمطالبات سمعناها الاسبوع الماضي في مجلس الامن ببعث الاسري
الكويتيين من قبورهم. او باقناع واشنطن ولندن بأنهم فقدوا كما فقد عشرات آلاف
العراقيين، والعرب، والهنود والسيرلانكيين في طريق الموت والدمار بعد المطلاع،
وهذا مستحيل من الناحية العملية. ثم وبعد الاسري يبرز تقرير فان دير ستويل مفوض
حقوق الانسان الذي شهد علي الحكومة العراقية من معسكرات حزب الدعوة الايرانية!
لا معني لقبول العراق بعودة المفتشين ولا
معني لمطالبة العرب السخيفة بعودتهم، وبالمرونة، والتعقل والانصياع للشرعية
الدولية. فواشنطن ولندن عازمتان علي مهاجمة العراق او التهديد بمهاجمته الي ان
يعلن استسلامه المطلق، وفتح حدوده واجوائه للغزو العسكري وتغيير بنية العراق
السياسية، والعبور منه الي اخضاع المنطقة كلها، وافراغ فلسطين من الفلسطينيين،
فالجميع في هذه المنطقة يخفي رأسه في الرمال، ولا يريد رؤية ما يجري، او يتعاملون
معه:
ـ فهل يضمن السوريون مثلا، بعد الانتهاء من
العراق، ان لا يتجه التهديد اليهم؟ وهل يصدقون ان اتهام حماس وحزب الله والجهاد
وبقية الفصائل الفلسطينية في دمشق بأنها منظمات ارهابية، هو مجرد ضغط علي سورية،
او ان واشنطن ستقبل الي ما شاء الله بالمناورات السياسية السورية في الموضوعين
اللبناني والفلسطيني؟! ثم ما الذي تملكه سورية اذ ما انهار النظام الاستقلالي في
العراق؟!
ـ وهل تضمن ايران حيادها الذي اعلنه وزير
الدفاع شمخاني، اذا وصلت جيوش الولايات المتحدة الي بغداد، ووقوع ايران بين
افغانستان والعراق المحتلتين؟! وهل يمكن ان يجد المعتدلون في طهران طريقاً سهلاً
لواشنطن حتي لو توقفت هتافات: الموت لامريكا الموت لاسرائيل؟!
وهل تتصور ان دور المجلس الشيعي الاعلي داخل
المعارضة، وفي السيناريو الموضوع للعدوان، سيشفع لها؟
ـ وهل ستملك السعودية اذا بدأ العدوان
استعمال قواعدها الجوية او البحرية او معسكراتها في حفر الباطن، او ترفض فعلا
تمويل المغامرة العسكرية او المساهمة بتمويلها، لمجرد ان الرياض اعلنت رفضها المشاركة
او القبول بمسؤوليات التحالف؟ وهل يمكن للحكم السعودي ان يضمن عدم وجود خطط
امريكية لاعادة تجزئة الجزيرة، وفصل غرب المملكة عن شرقها؟
ـ .. وفي الاردن، ومع كل الاحترام للذين
وقعوا معاهدة السلام لضمان حدود المملكة الغربية، وضمان بديل الوطن الاردني، فان
المعاهدة ليست كافية لمنع شارون من تهجير مئات الآف الفلسطينيين من ارضهم، ووضع
جدار أمني عال علي نهر الاردن؟!
ـ وهل ستملك مصر مساحة متر واحد من من
المناورة في حالة اجتياح العراق، والتمثيل بجثة المنطقة؟! هل سترفض التدخل
الامريكي في قضية سعد الدين ابراهيم! وهل ستبقي تحمل هم الموضوع الفلسطيني؟! وهل
ستملك ان تقبل او ترفض اتفاقات حكومة الخرطوم مع المعارضة؟!
المجموعة العربية كلها تعرف ان بداية الهجوم
العسكري علي العراق هو بداية تنفيذ مخطط متكامل للمنطقة.. لفلسطين وسورية ولبنان
والاردن والسعودية. فإذا كانت بريطانيا وفرنسا قررتا اثناء الحرب الاولي تجزئة
المنطقة العربية في آسيا، واعادة تشكيلها، وفرض الانتداب، ووعد بلفور عليها،
فلماذا لا تضع الولايات المتحدة شكلاً آخر لآسيا العربية يأخذ في الاعتبار لجم
القوة العراقية، وتجزئة السعودية، واعطاء حصة لتركيا، وافساح المجال لتوسع
اسرائيلي حاسم في اتجاه الغرب والشمال. وحل المشكلة الفلسطينية بحل مشكلة
الفلسطينيين خارج فلسطين، وانهاء زعامة مصر، ودورها الاقليمي. واخيراً لا آخرا
تجزئة ايران ذات القوميات الخمس او اضعاف سيطرة المركز الفارسي عليها، فقد كانت
قوة نظام الشاه في الجيش والنفط، وصارت قوة آيات الله بالجيش، والنفط، والمذهب،
واذا كان سقوط نظام الشاه قد بدأ باضراب عمال عبادان، وتحييد الجيش في التعامل مع
مظاهرات طهران، فان البداية هي انقسام قوي السطوة المذهبية بين المحافظين
والمعتدلين، وخلق معارضة شعبية في مواقع النفط. وتخلي البازار عن مساندة آيات
الله. وفتح ثغرة في علاقات الجيش والحرس الثوري.
ولنتذكر قصة عمليات الـ C.I.A وكيرمت روزفلت، في
اسقاط محمد مصدق وحكومته.. فالامريكيون اصحاب خبرة في ايران!
لكنا نعرف حجم الكارثة اذا انهار العراق تحت
ثقل العدوان العسكري الامريكي، والغريب اننا نداري منطق السياسة بالهرب من
استحقاقاتها. فما يزال هناك من يسأل: يا أخي هل تريدون محاربة امريكا؟ يا أخي اليس
لكم وطن يستحق الاهتمام به فالعراق قضية ميئوس منها؟ يا أخي ان الصوت العالي لا
يخلق قوة تواجه امريكا ومثل هذه الاسئلة والقواعد السياسية كثيرة، ونسمعها كل يوم
بطرق مختلفة. لكن احدا في العالم العربي لا يملك ان يعلق الجرس وان ينتقل من حالة
عدم الموافقة علي ضرب العراق، الي حالة الوقوف في وجه العدوان.
ليس من الضروري ان تحارب الولايات المتحدة،
فالموقف العربي المتماسك المطلوب يمنع الحرب، ويحمي العراق والمنطقة، ويشجع
الاوروبيين علي تبني الموقف الالماني، والروس علي حماية مصالحهم والصين علي
المقايضة لوحدتها. فالولايات المتحدة لا تستطيع تحدي العالم، ولا تستطيع اخضاع
المنطقة كلها بالتهديدات، اذا قررت هذه المنطقة رفض الخنوع، واذا استطاعت الوصول
الي العالم بما تقتضيه مصالح العالم مع العرب من احترام وتقدير.
لا معني لقمة ثلاثية مصرية ـ سعودية ـ سورية
لمواجهة الموقف، فالمطلوب الان قمة اوسع، ولا شيء يمنع عقد قمة طارئة تؤكد قمة
بيروت، وتضع بديلا للمبادرة السعودية ـ العربية المرفوضة. فقد اتضح الان ان واشنطن
وتل ابيب تعرفان ان العرب بلا اسنان وبلا اظافر وبلا ارادة.