أميركا تنتظر <<استفزازاً>> عربياً يبرر ضرب العراق

 

 

بقلم : مسعود ضاهر 

 

حفلت الصحافة العربية والدولية بتعليقات لا حصر لها حول ما يمكن ان تولده الضربة الاميركية للعراق من مخاطر وتعقيدات على جميع الصعد، داخل الولايات المتحدة الاميركية وفي العالمين العربي والاسلامي. لذا، فالانتظار سيد الموقف، لكنه لن يطول كثيرا لأن التحضيرات الاميركية لضرب العراق تجري بشكل مكثف، وتعمل مصانع الأسلحة بأقصى طاقتها منذ عدة شهور. بعبارة اخرى، يبدو ان القرار الاميركي بضرب العراق قد اتخذ، وان الضغط الاسرائيلي يتزايد لإخراج شارون من مأزقه في فترة حرجة تحتاج فيها الولايات المتحدة الى آلة الحرب الاسرائيلية في معركتها المفتوحة ضد <<محور الشر>> الذي يمتد ليشمل غالبية الدول العربية والاسلامية. وقد أوردت بعض التعليقات الصحفية مقولة مهمة تعبر بدقة عن طبيعة المرحلة الراهنة في صراع الولايات المتحدة الاميركية مع العرب، وذلك انطلاقا من معركتها ضد النظام العراقي. يمكن تلخيص تلك المقولة على الشكل التالي:

1 ان تقوم الولايات المتحدة الاميركية بأعمال استفزازية لدفع النظام العراقي الى القيام بعمل أحمق يبرر إعلان الحرب عليه.

2 أن تكثف الولايات المتحدة الاميركية من جهودها الدبلوماسية مع الدول العربية لفك ارتباطها بالنظام العراقي، ثم اخراجها من دائرة الممانعة الى دائرة تأييد الضربة العسكرية، ثم المشاركة في الحرب الاميركية على العراق بمستويات مختلفة، كما حصل في معركة تحرير الكويت.

تجدر الاشارة هنا الى ان هذا المخطط قد أخذ طريقه للتنفيذ العملي منذ 26 آب 2002 حين قامت الطائرات الاميركية والبريطانية بغارة استفزازية لا مبرر لها على منطقة البصرة فأوقعت ثمانية قتلى وعشرات الجرحى من المدنيين العراقيين. وبعد يوم واحد على الغارة، استقبل الرئيس بوش في مزرعته السفير السعودي في الولايات المتحدة الاميركية الامير بندر بن سلطان مع أفراد عائلته، وكال له المديح العلني، وأشاد بالصداقة <<الأزلية>> بين الولايات المتحدة الاميركية والمملكة السعودية، وندد بمقالات بعض الاميركيين التي تشكك بتلك الصداقة واعتبرها لا تعبر الا عن رأي كتابها فقط. في الوقت نفسه، وجه الامير الوليد بن طلال، من على شاشة الفضائية اللبنانية للإرسال، تحيات حارة الى الولايات المتحدة الاميركية، وأشاد بالصداقة الدائمة معها، ونفى سحب ودائع السعوديين منها واعتبره سلاحا فاشلا كسلاح النفط لأنه يصيب العرب أكثر مما يصيب الاميركيين او الاوروبيين وغيرهم، ونصح بعدم استخدامهما، لا في المعركة الراهنة ولا في المستقبل.

كانت الولايات المتحدة قد اتخذت قرارا سابقا يقضي بإرسال عدد من باحثيها الى منطقة الشرق الاوسط لشرح <<ثوابت الديموقراطية الاميركية>> التي تعرضت <<للتشويه>> في الآونة الاخيرة، وان على العرب الركون الى تلك الثوابت، والاعتماد الدائم على الولايات المتحدة الاميركية لبناء أنظمتهم الديموقراطية العصرية التي تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة بزعامة أميركية(!).

هنا تبرز مسألة نظرية بالغة الاهمية. اذ ليس من شك في ان الادارة الاميركية قد اتخذت هذا القرار بعد دراسة معمقة للذهنية العربية، او بالأحرى لردود فعل العرب على الاحداث الكبرى، ومنها الحدث العراقي المرتقب. من خلال تلك الدراسة تأكد الاميركيون ان العرب الآن في حالة ممانعة لضرب العراق، وهو موقف عاطفي يرضي الضمير لكنه لا ينقذ العراق من الضربة العسكرية، كما لم تساهم جميع المظاهرات والمؤتمرات العربية في وقف العدوان البربري الاسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني. وتدرك الولايات المتحدة جيدا حالة التفكك العربي لأنها هي التي حضرت لها منذ زمن طويل.

وأشارت بعض الدراسات العلمية الاميركية الى ان علاقة العرب بالخارج، الاوروبي والاميركي، تميزت بما يلي:

أولا: الركون الى الوعود الاجنبية.

قادت هذه العلاقة الى نهاية مأساوية لغالبية مشاريع النهضة العربية التي اقتبست مقولات التحديث عن الغرب مع إغفال تام لمقولات التجارب الاخرى الناجحة خارج المركزية الاوروبية، وتحديدا تجربة التحديث اليابانية. وقد شكلت سياسة <<الركون الى الوعود الاجنبية>> العمود الفقري للسياسات التي اعتمدتها غالبية الانظمة العربية منذ قيام أول دولة عربية حديثة في مصر أيام محمد علي حتى الآن. فقد استند محمد علي الى دعم الدول الاوروبية في حربه ضد السلطنة العثمانية، وهي الحرب التي خططت لها تلك الدول لضربهما معا، فانتهت التجربة بخضوع مصر للاحتلال البريطاني، ثم تفكيك السلطنة واقتسام ولاياتها. واعتمد الشريف حسين على الدعم البريطاني لإعلان الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين فانتهى معزولا بعد فرض الانتداب على المشرق العربي. وولى العرب الجنرال الانكليزي غلوب باشا قيادة القوى العربية لاسترجاع فلسطين فعمل على ضياعها. وبعد ان بشّر الرئيس أنور السادات طويلا بأن 99% من أوراق اللعبة في الشرق الاوسط هي بأيدي الاميركيين، اندفع على طريق اتفاقيات كامب دافيد التي انتهت بإخراج مصر من الصراع العربي الصهيوني، وتهميش دورها الى الحدود الدنيا في المرحلة الراهنة، بحيث لم يعد لديها حضور فاعل في كل ما يجري في جوارها، اي فلسطين، والسودان. ووثقت القيادة الفلسطينية بالراعي الاميركي لاتفاقيات السلام في مدريد وأوسلو، فأمعنت في التنازلات السياسية والجغرافية على حساب القضية الفلسطينية لتصحو على رفض الرئيس جورج بوش لاستقبال الرئيس ياسر عرفات، وإصرار الادارة الاميركية على عزله او إبداله. وهناك أمثلة لا حصر لها في هذا المجال.

ثانيا: استراتيجية الممانعة.

في الفترة الاولى، تبدو هذه الاستراتيجية مفيدة جدا لانها تمنع قوى عربية مرتبطة بالخارج من الاندفاع في تأييدها للمشاريع الاجنبية بشكل متهور. لكن حالة الصمود المؤقت سرعان ما تتآكل من الداخل بفعل مرور الزمن. هكذا تبخرت لاءت القمة العربية في الخرطوم (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض)، وتحولت الى نقيضها بعد سنوات قليلة من الاعلان عنها. كما ان استراتيجية رفض الاعتراف بإسرائيل والممانعة في ذكر اسمها في وسائل الاعلام العربية وكتب التدريس لم تنقذ ارض فلسطين التي بقي اسمها حبرا على ورق البيانات العربية.

ثالثا: سياسة التفرد باتخاذ قرارات خاطئة تقود الى انتحار جماعي.

تنبع هذه السياسة من تغييب الديموقراطية وحقوق الانسان في جميع الانظمة العربية. فقد أجمعت تقارير منظمات حقوق الانسان، العربية والدولية، الرسمية منها وغير الرسمية، على ان الممارسة الديموقراطية مغيبة بالكامل في جميع الدول العربية. وتتساوى في هذا المجال الانظمة الملكية ذات الطابع الوراثي، والانظمة الجمهورية التي تحولت الى <<جملكية>> او جمهوريات ملكية تعتمد البيعة، والعمل على توريث الأبناء او الاخوة او النساء مختلف المراكز السياسية، بدءا من رئاسة الجمهورية وصولا الى التمثيل الشعبي على مختلف المستويات.

اللافت للنظر ان هذه السياسة الخاطئة جملة وتفصيلا ادت الى انهيار مريع في مستوى الممارسة السياسية على امتداد العالم العربي، خاصة بعد ان انتقلت عدوى تغييب الديموقراطية الى الاحزاب والمنظمات السياسية العربية التي تنادي بتغيير النظام، فاذا بها عاجزة عن احداث تغيير بسيط في قياداتها المترهلة منذ عقود طويلة.

لكن أخطر ما نتج عن تغييب الديموقراطية هو التفرد بقرارات خطيرة يتخذها بعض قادة العرب، وتقود الى نتائج سلبية للغاية على مختلف الصعد، وفي أكثر من دولة عربية. في هذا المجال لا بد من إبعاد المقولة السطحية التي تستخدم في تبرير عمل الانظمة الاستبدادية العربية وتحميل المسؤولية للعامل الخارجي، الاميركي والاسرائيلي والامبريالي و... فاذا كان الخارج يتآمر على العرب ويدفعهم الى الانتحار الجماعي فذلك لا يبرر اندفاعهم الطوعي لتنفيذ رغبة الاجنبي وتنفيذ مؤامراته على العرب، وبأيدي العرب.

اذا أبعدنا مقولة <<تآمر الغرب الدائم على العرب>>، وهو يعمل لمصالحه على كل حال، نجد ان النماذج التي شارك فيها قادة العرب في الانتحار الجماعي لبلدانهم هي أكثر من ان تحصى. فغياب الديموقراطية في الجزائر أضاع تضحيات مليون ونصف مليون شهيد من الجزائريين الذين دفعوا حياتهم لتحرير بلادهم من الاستعمار الفرنسي، فاذا بهم محاصرين منذ أكثر من عشر سنوات في حرب اهلية عبثية بين الجيش والأصولية الاسلامية، وبسبب غياب الحلول الديموقراطية ما زال السودان يعاني حربا أهلية عبثية ذهب ضحيتها أكثر من مليوني سوداني، وقادت الى تدمير الاقتصاد والمجتمع في السودان. ومع تغليب الديموقراطية الطوائفية الشكلية على الممارسة الديموقراطية الصحيحة بأبعاد وطنية لا طائفية وقع لبنان في حرب أهلية أودت بحياة أعداد كبيرة من اللبنانيين خلال خمسة عشر عاما، وما زالت نتائجها السلبية تتفاعل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية. كما ان تغييب الديموقراطية في اليمن الجنوبي قاد الى صراع مرير على السلطة داخل رفاق الصف الواحد وذهب ضحيته آلاف اليمنيين وانتهى بالرجوع عن الافكار الماركسية اللينينية الى أحضان القبيلة والعشيرة. وتغييب الديموقراطية في العراق قاد الى ديكتاتورية فردية وحروب خاطئة ضد إيران والكويت، اودت بحياة آلاف العراقيين وانتهت بحالة الحصار المريع الذي يعيشه الشعب العراقي منذ أكثر من عشر سنوات. نخلص الى القول ان الادارة الاميركية تدرك جيدا ان الركائز الثلاث المشار اليها أعلاه هي الاستراتيجية الثابتة لدى غالبية الانظمة العربية والتي ما زالت مستمرة بأشكال عدة. وهي تعلم جيدا ان تلك الركائز عاجزة عن توليد استراتيجية صمود فاعل وطويل الامد ضد السياسة الاميركية على امتداد الوطن العربي. مع ذلك، بقدر ما تراهن الولايات المتحدة على هشاشة مواقف الانظمة العربية، فهي تخشى غضبة الشارع العربي الذي بات مشبعا بالعداء للولايات المتحدة الاميركية بسبب انحيازها الدائم الى جانب اسرائيل وضد العرب.

من نافل القول، ان لدى الباحثين الاميركيين معرفة عميقة بالتاريخ العربي، وبشكل خاص بقيام الثورات الوطنية والتحررية العربية ضد قوى الاستعمار الاجنبي. فقد درسوا جيدا هزيمة نابوليون بونابرت في مصر، وخروج الأتراك مهزومين من بلاد العرب، والثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، وثورة الجزائر ضد فرنسا، وثورة اليمن ضد بريطانيا، وهزيمة حلف بغداد المدعوم أميركيا، وهزيمة العدوان الثلاثي على مصر، وهزيمة اسرائيل في جنوب لبنان، وصمود الانتفاضة الفلسطينية التي ستقود حتما الى هزيمة مشروع شارون المدعوم أميركيا، وكثير من الامثلة الاخرى التي تثبت استعداد الشعوب العربية للنضال الطويل ضد السيطرة الاجنبية.

ختاما، تتهيب الولايات المتحدة الاميركية الآن القيام بعمل عسكري مباشر ضد العراق او ضد اية دولة عربية اخرى بعد تصاعد موجة التحذير من نتائجه السلبية جدا على المصالح الاميركية في العالمين العربي والاسلامي. وهي تنتظر ان يقوم أحد قادة العرب، ومن موقع بارز ومؤثر في العلاقات الاقليمية والدولية، <<بعمل أحمق>> يبرر ضرب العراق وسط تغطية اعلامية مكثفة تحت شعار <<انقاذ الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري>> على غرار ما قيل في <<انقاذ الشعب الأفغاني من ديكتاتورية جماعة طالبان>>. لكن الضربة العسكرية قد أعدت لأهداف اخرى تطول مستقبل جميع العرب. ولن يكون بمقدور الانظمة العربية ان تنقذ عرش ملوكها ورؤسائها الا بالانتقال من استراتيجية الممانعة التي تقود ال صمود مرحلي فقط، الى استراتيجية التصدي للهجمة الاميركية التي تؤسس لقيام نهضة عربية جديدة تعيد العرب الى موقع الفعل التاريخي بعد ان ابتعدوا عنه لعقود طويلة.