العالم كما يراه بوب : ضرائب وجيرمي سبرنغر!
بقلم : مالك العثامنة
بين معظم الأمريكيين، لا يمكن اعتبار محطة
السي إن إن تلك المحطة التي يرغب بوب (والذي يمثل هنا أغلب الأمريكيين العاديين من
دافعي الضرائب) بمتابعتها بعد يوم عمل شاق، فـ(بوب) الأمريكي العادي جدا، يفضل
متابعة تلك الفضائح الاجتماعية التي يبثها جيري سبرنغر عبر برنامجه الشهير، وزوجة
بوب مثل باقي الزوجات العاديات تحب متابعة أوبرا وينفري ، وخلال ذلك فلا بأس من
موجز بسيط للأخبار، يعرض في خمس دقائق لا أكثر أحوال العالم، والأولوية للأخبار
الأمريكية مثل حديث الساعة للأسبوع الماضي حول تفاصيل تشكيل هيئة المحلفين لمحاكمة
مجرم في كاليفورنيا قام بقتل الطفلة دانييل فان دام ، ولا عجب أن يأخذ هذا الموضوع
صفة الخبر العاجل إن جد جديد، وبلا شك ف بوب وغيره من ملايين الأمريكيين مهتمون
بهذا الخبر المزعج !!.
وعليه فالسي إن إن ليست أكثر من مزود للأخبار
التي تتلقفها المحطات الأكثر شعبية لتقوم بثها وتحت معالجة إخبارية للأولويات، حسب
الرغبة والمزاج العام!!
بوب ـ وهو هنا 200 مليون أمريكي تقريبا ـ لا
يرغب بأكثر من موجز إخباري مطبوخ بعناية، ويراعي الأربع والعشرين ساعة التي يملكها
يوميا في حياته، والتي تتوزع بين ثماني الي عشر ساعات عمل في النهار، وخمس الي سبع
ساعات حرة في يومه العادي مساءا، يحاول فيها التخلص من تعب يوم شاق، وله كافة
الخيارات في بلاد الحرية لممارسة ما يرغب وفعل ما يشاء لترفيه نفسه، ما دام لم
يخالف القانون، ويقوم بمراجعة فواتيره كل ليلة قبل النوم، ويضبط حسابات ضرائبه
التي يدفعها، والتي يكره أن يري أي زيادة في معدلها دون مبرر كاف يقنعه أن ذلك
سيكون في صالحه وصالح أولاده.
وبما أن الموجز الإخباري لا يتجاوز في أحسن
حالاته العشر دقائق، فإن المهمة التي يتولاها الطاقم الإعلامي في غرفة الأخبار
ليست سهلة وبسيطة، ما دام بوب!! يريد خدمة إخبارية موجزة ومكثفة، تجعله علي اطلاع
فيما يحدث حوله علي الأقل.
ومن هنا..
فإن اجتماع الرئيس الأمريكي بوش في مزرعته
التكساسية الفخمة، مع طاقمه العسكري من الصف الأول، لم يلق اهتماما يذكر بين
الأمريكيين بقدر ما كان الخبر العاجل من كاليفورنيا والمتعلق بالطفلة فان دام
مهما، لبشاعة الجريمة والتي لا تقل في بشاعتها عن جريمة قتل محمد الدرة في مكان ما
يدعي الشرق الأوسط، لكن بوب ومعظم الـ200 مليون أمريكي لم يسمعوا عن محمد الدرة،
ولا يعرفون عن الشرق الأوسط إلا ما يرغب طاقم الأخبار ببثه بدقيقة أو أقل، أو ما
علق في الذاكرة من لقطة عابرة من فيلم هوليودي يصور العرب في الشرق الأوسط
بمتوحشين يركبون البعير ويعشقون النساء!!
كل وسائل الإعلام العربية كانت منشدة وتتابع
حرفا بحرف كل ما ينطق به بوش في مؤتمره الصحفي، وغرف الأخبار العربية تبحث بين
السطور عن تلميح أو مانشيت أو ربما قراءة غير عادية لما يقوله الرئيس الأمريكي أو
وزير دفاعه المتحمس لضرب العراق، ولم تتردد معظم وسائل الإعلام العربية من بث أو
نشر كامل تفاصيل ما قاله بوش ـ بما فيها قفشاته المازحة ـ مع رامسفيلد (ربما كانت
تحمل شيفرة سرية بين الرئيس ووزيره)، لكن هنا في أمريكا حيث يستمد الرئيس كل
سلطاته من 260 مليون بوب، فإن غرف الأخبار المرئية والمكتوبة، لم تأخذ من المؤتمر
إلا ما يهم بوب شخصيا، ودائرة اهتمامات بوب تنصب علي ما يتعلق أو يمس حياته
اليومية، وخصوصا الضرائب، وبما أن الرئيس لم يذكر الكثير عن الضرائب فإن بوب
بصراحة غير مهتم بهذه البقعة من العالم، ما دامت تزوده بدون تعقيدات بالبنزين
اللازم لسيارته، والوقود الكافي للطاقة التي يتمتع بها في بيته.
وبتضليل بسيط، يناسب احتياجات بوب، فإن طاقم
غرفة الأخبار الأمريكي، لا يوضح لبوب أن فاتورة الحرب ستكون من جيب دافع الضرائب
الأمريكي، وإن حدث وانتبه بوب فإن الخبراء والمحللين جاهزون في حملة إعلامية مكثفة
وضخمة ومدفوعة التكاليف مسبقا!! لإقناع بوب أن كرامته وحياته في خطر، وأن الإرهاب
يوشك أن يصل باب بيته الآمن .
ولا يجد بوب ضررا حينها من قبول دفع فاتورة
الحرب التي ستنقذ حياته الوادعة، بل وربما يتبرع بعشرة دولارات زيادة، للأصدقاء في
إسرائيل، والذين يحملون نفس القيم التي يحملها بوب حسب ما تقول له وسائل الإعلام!
ولا يفوت وسائل الإعلام تلك أن تنبه بوب في
موجزها الإخباري وبلغة بصرية محترفة ـ فالصورة تساوي ألف كلمة ـ أن أعداء إسرائيل
يمثلهم أولئك ذوي الملامح السمراء واللحي الطويلة، وبأقل من دقيقة يري بوب
وأصدقاؤه في الحانة تلك الصورة البشعة لعملية قتل كلب في غرفة مغلقة وسط قهقهات
قاتليه، والذين يرغبون بقتل بوب وأمثاله من الأمريكيين بنفس الطريقة، ولا يتذكر
أحد في العالم كله ـ بما فيه العالم العربي ـ أن يقول لـ بوب أن امرأة دخلت النار
في هرة، فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها ولا هي جعلتها تأكل من خشاش الأرض!!
بصراحة..
فإن كل الشجب والشتائم في إعلامنا العربي لا
تضر ولا تنفع، وكل الدبلوماسية العربية المتمحورة حول زيارات مكوكية ومؤتمرات
صحفية وبيانات تنديد لا يمكن أن تجدي نفعا ما لم يدعمها إعلام عربي مدروس ومحترف،
يحاول ولو لمرة واحدة نبذ عقلية المؤامرة والتصفيات الداخلية، وأن يركز علي بوب
ويشرح له الصورة كما هي، وأثرها السلبي عليه، فبوب الذي تأثر بمقتل دانييل فان
دام، واقشعر لبشاعة الجريمة، غير مدرك أبدا أنه يدفع تكاليف جرائم أخري دون علمه،
ومن هنا فإن المليون دولار التي رصدتها الجامعة العربية لحملة إعلامية توضح
الحقائق للعالم الغربي لا تكفي، ولم تكف فعلا لأنها ضاعت علي عدة إعلانات في صحف
لندنية لا أكثر.
الحاجة أكثر من ملحة لتكاتف إعلامي عربي، وما
دمنا لا نملك الجيوش العسكرية فإن لدينا ما يكفي من الأقلام والحبر والعقول،
والمال أيضا!