المطلوب الآن أن تلعب مصر دورا غير دورها بحرب الخليج
الثانية
التحفظات التي وردت علي لسان الرئيس حسني
مبارك، في الأيام الأخيرة، أثناء لقائه بالطلاب والشباب في الاسكندرية، حول ضرب
العراق، تستوجب التشجيع، وإن كانت ما زالت أقل من المطلوب لمواجهة الصلافة
الأمريكية، وما زالت التجارب السابقة مع مثل هذه التصريحات تدعو إلي الحيطة
والحذر، بعد أن تعودنا أنه مع أول ضغطة من الادارة الأمريكية تُبتلع الكلمات
وتُنسي، وتستمر السياسة المصرية في مسارها الذي تحدد لها منذ أن وقعت في براثن
العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وابتزازات معاهدة كامب ديفيد،
ويحدونا الأمل، هذه المرة، إلي رؤية موقف جديد، وإلي قدر من التفاؤل بسبب الظروف
التي تحيط بهذه التصريحات.
فقد جاءت بعد قرار الرئيس الأمريكي بحرمان
مصر من معونة اقتصادية اضافية، قيمتها مئة وثلاثون مليون دولار، وكانت مقررة بعد
أن حصلت الدولة الصهيونية علي معونة إضافية قدرها مئتا مليون دولار، وقرار الرئيس
الأمريكي هو للضغط علي الحكومة المصرية، بعد حكم قضائي صدر ضد سعد الدين ابراهيم،
رئيس مركز ابن خلدون للدراسات والتنمية، بالسجن لمدة سبع سنوات، وهي المرة الأولي
التي تأتي فيها التصريحات الرسمية تالية لهذا النوع من الضغط، وبعد أن اختفي ظهور
الرئيس حسني مبارك من علي شاشات التليفزيون، وصفحات الصحف والمجلات، لمدة اسبوع،
في منتصف هذا الشهر، وقطع اختفاءه أثناء زيارة فاروق الشرع نائب رئيس الوزراء
ووزير الخارجية السوري لمصر، حاملا رسالة من الرئيس بشار الأسد تساند الرئيس مبارك
في مواجهة الضغوط الأمريكية، وجاءت هذه التصريحات بعد خلوة أعطت انطباعا بأنها قد
تكون مدروسة.
من ناحية أخري فإن هذه التصريحات تأتي في
سياق حديثه إلي الشباب والطلاب، في بداية فترة اهتمامه بهم، بعد اهمال طال مداه،
وهو اهتمام فرضه وضع جديد بدا فيه أبناء المسؤولين وشباب رجال الأعمال وقد كبروا
وشبوا عن الطوق، ويطمحون إلي دور سياسي، يزيد من نفوذهم المالي والاقتصادي
والتنفيذي والتشريعي والأمني، وأصبح هذا غير ممكن إلا بافساح المسؤولين الأباء
الطريق أمام أبنائهم لممارسة هذا الدور، ونلاحظ أن لهجة الرئيس مبارك ولغته قد
تغيرت، في الأشهر الأخيرة، استجابة لهذا المطلب. وقد أصبح واضحا أن جمال مبارك
يتولي قيادة جيل أبناء المسؤولين ورجال الأعمال، ويتقدمهم لتسلم مهام المسؤولية في
المرحلة القادمة.
التقي الرئيس بطلاب وشباب. تولت اعدادهم
جمعية جيل المستقبل ، غير الحكومية، وغير الحزبية، والتي، حسب نص مواد قانون
الجمعيات غير الحكومية، لا يحق لها العمل بالسياسة أو النشاط الديني، ولكن لأنها
جمعية لأولاد المسؤولين والمستثمرين الكبار جدا فمن حقها أن تعمل في أي شيء وكل
شيء!!. يأتي اللقاء قبل أيام من انعقاد مؤتمر الحزب الحاكم، الذي سوف يدشن المرحلة
الجديدة بقيادتها الشابة ، ويأتي - كذلك - قبل بدء السنة الدراسية، بما يحيطها من
قلق، حيث تتنبأ أوساط شديدة القرب من صناع القرار، بان الخريف القادم سوف يكون
خريفا ساخنا، بفعل استمرار الانتفاضة، واستمرار تخاذل الموقف العربي الرسمي، تجاه
ما يجري علي أرض فلسطين. المهم أن هذه التصريحات في النهاية وجدت هوي لدي الرأي
العام، الكاره بشدة للسياسة الأمريكية، والرافض لضغوطها.
مشكلة هذه التصريحات أنها جاءت وسط ركام شديد
العفن، لسياسة الانكفاء والعزلة، المستمرة لأكثر من ربع قرن، ووسط مشاعر بالخطر
الشديد في أعقاب توقيع اتفاق ميشاكوس الأخير، بين حكومة السودان وقائد الجبهة
الشعبية لتحرير السودان، وضمن حالة من حالات احكام الحصار حول مصر، بفعل العدوان
المستمر علي الشعب الفلسطيني، والنزوع العدواني البالغ في مضمون وشكل الحملات
السياسية والاعلامية علي مصر والسعودية، ودلالاتها المتعلقة بأهداف العدوان القادم
ومداه، وهو العدوان المتوقع ضد أصدقاء ممن أدوا خدمات كبري للادارة الأمريكية، ولم
يكونوا يوما متهمين بالعداء للمصالح الأمريكية، أو مناهضين للتطبيع مع الدولة
الصهيونية، أو ممن يتولون رعاية الارهاب !!.
ونحن، في هذه الظروف، عندما نخفف انتقاداتنا
للسياسة الرسمية المصرية، فذلك علي أمل إتاحة الفرصة للمراجعة، وإعادة النظر في
مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلي هذا المستوي من التأثير السلبي علي مجريات أحداث
المنطقة، من حدود إيران شرقا، وتركيا شمالا، إلي عمق أفريقيا جنوبا، عند منابع
النيل، حتي طنجة وبحر الظلمات غربا. وكنا مع طلعة كل شمس نجد أن مصر تزداد انكماشا
وانكفاء. فمصر ـ الدولة ـ أورثها السادات وضعا صعبا، لم تتزحزح عنه، وصارت
كالمعلقة ، لا هي استمرت تتحمل مسؤوليتها العربية، لها التزامات توفي من أشقائها،
وعليها واجبات ومسؤوليات تجاههم، ولا هي كانت فاعلة ضمن نطاق الجغرافيا السياسية
لاقليم وادي النيل، ولا دامت تمد بصرها عبر المشرق، لتصبح جزءا منه، ولا تمكنت من
الالتحاق بالمغرب العربي كدولة من دوله، وبعد أن كانت تقاوم الانكفاء والانعزالية
وتنشر روح الوحدة والتضامن، قادت التقوقع والعزلة، واعطت مبررا لكل من يريد أن
ينسلخ عن الأمة أن يقتدي بها، وها هي الحكومة السودانية تتخذ هذا ذريعة في اتفاقها
الأخير مع جون قرنق!!.
دفعت مصر ثمنا باهظا لالتحاق نخبتها الرسمية
بالمنظومة الغربية الصهيونية، ولكي تغطي مصر - الدولة - علي خطايا سياستها وجهت
سهامها إلي صدور العرب، رفضت منهم ما لم تتمكن من الحصول عليه من الولايات المتحدة
والدولة الصهيونية، ولم تكن المصلحة الوطنية وراء هذا التردي، لأن قربها من واشنطن
وتل أبيب كان قرارا سياسيا لم تكن مضطرة إليه، وكان بعدها عن العرب قرارا سياسيا،
كذلك، كانت في غني عنه، وكانت النتيجة هو ما نحن فيه. نكتوي جميعا بنار الحروب
والشرور الأمريكية والصهيونية.
ونأمل أن تكون تصريحات الرئيس مبارك مقدمة
لتغيير كامل في النهج الرسمي المصري. وألا تتحطم علي أول صخرة تهديد صهيوأمريكي
متوقع، وعليه فإن الأيام القادمة قد تزيد هذا الأمل، أو تقضي عليه نهائيا. المطلوب
الآن أن تلعب مصر - الدولة - دورا مغايرا لدورها الذي لعبته في حرب الخليج
الثانية، عندما أغلقت الأبواب أمام امكانية الحل العربي، ولولا دور مصر وسورية ما
كان للتحالف الذي قادته الولايات المتحدة، وتولي تحرير الكويت واستدار لتدمير
العراق أن يقوم. فالتحالف الذي تسعي الولايات المتحدة إلي تشكيله الآن، يستهدف
المنطقة بأسرها، ومهمته هي مهمة اعادة رسم خرائط نفوذها وهيمنتها علي الوطن العربي
باعتباره قلب العالم الاسلامي، ولن يسلم من عدوانها أحد، لأنها تستعد لاستكمال
حلقة العدوان مع الآلة العسكرية الصهيونية، فتطبق علي البلاد الواقعة ما بين إيران
وفلسطين، بما فيها السعودية والأردن ولبنان وسورية، بكل ما في هذا من خطر علي مصر.
هذا التحالف من الصعب أن يقوم دون دعم ومشاركة دول عربية. تعطيه شرعية كاذبة،
وتغطي به جرائم متوقعة ضد المدنيين والأبرياء.
أمريكا التي تدعي أنها قادرة علي العمل
وممارسة العدوان وحدها، تكذب، وهذا الكذب هو للتهويش لزوم ردع المستسلمين
والمتهافتين والانعزاليين. في المقابل فإن مصر تحديدا، إذا ما استردت دورها قادرة
علي منع العدوان ووقف تداعياته، فليس مطلوبا منها سوي موقف شبيه بمواقف دول أوربية
عديدة، كبيرة أو صغيرة، استشعرت الخطر ولم تستسلم لغشم القوة، واعتمدت علي قوة
الرأي العام لديها، حتي وإن كانت غير قادرة علي تحدي القوة الأمريكية الغاشمة.
الهموم العربية، فرضت نفسها علي مصر بعد غياب
طويل، فإذا اصبح هم تقسيم السودان هما مصريا، فإن هم تقسيم العراق الذي قطع أشواطا
بعيدة وله نفس تداعياته علي سورية، والأردن ولبنان وفلسطين، هو هم عربي ولمصر فيه
نصيب، أما الهم الأكبر القادم فهو هم ما يطلق عليه ساسة وخبراء أمريكيون تحرير
المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، وهنا علينا أن ندقق النظر في
المفردات المستخدمة أمريكيا وصهيونيا، فمعني التحرير المعتمد أمريكيا يعني
الاحتلال، فتحرير المنطقة الشرقية يعني فصلها عن المملكة والسيطرة عليها أمريكيا،
وكذلك فإن العمل وفق قانون تحرير العراق الذي أصدره الكونغرس الأمريكي لا يحمل إلا
إعادة احتلاله. وهكذا يحمل جيش تحرير السودان نفس الشبهة، فهذا الجيش سيحرر
الســـودان من من؟.
تدعو أوساط صهيوأمريكية، في واشنطن، إلي
الاستفادة من دروس حرب الخليج الثانية، وأهم درس تشير إليه تلك الأوساط هو ألا
تعود آبار النفط لمالكيها السعوديين الذين قد يرحلون إلي الريفييرا في فرنسا أو
إلي الدورشيستر في لندن!!. هذا يرجح ما ذهبنا إليه، من أن الحسابات السياسية
والعسكرية، من منظورها الأمريكي، ليست في صف ضرب العراق، وكل هذه الضجة هي
لأهــــداف أخري غير العدوان علي العراق، فعندما تتحول السعودية إلي دولة معادية،
حسب قول الباحث لورنت مورفيك، من مجموعة راند، (وهي مؤسسة دراسات بحث ذات تأثير
كبير علي القرار في البيت الأبيض)، فمن بقي صديقا إذن للولايات المتحدة في
المنطقة؟.
السعودية المتهمة بالتقصير وعدم التعاون في
محاربة الارهاب ، لا يخضع الموقف منها لقاعدة المصالح، البعيدة عن العواطف، وهي
قاعدة تحكم السياسة بين الدول، لأنه من الصعب أن نفهم انتفاء المصالح بين احتكار
النفط المتحكم في البيت الأبيض، وأكبر منتج للنفط في العالم. إذن المشكلة هي في
الادارة الأمريكية ذاتها التي تعيد صياغة المنطقة ورسم خرائطها من جديد علي غير
قواعد المصالح المشتركة، وعلي قاعدة انهاء أي شكل من أشكال التماسك السياسي، حتي
لو كان في حده الأدني، بجانب ضرورة المواجهة الشاملة مع الاسلام والعروبة،
باعتبارهما الخطر الحالي علي وجود الدولة الصهيونية، التي تحتل موقعا متقدما في
قائمة الأولويات الصهيوأمريكية.
الكل مستهدف، وإن لم تحدث حالة إفاقة، فعلي
هذه النظم ألا تلوم إلا نفسها، لأنها وهي تري هذا الخطر المحدق بها، ما زالت تقدم
القرابين للادارة الأمريكية، وعليه فإننا نأمل أن تكون تصريحات الرئيس مبارك
بداية، وليست شيئا عابرا لا وجود له علي أرض الواقع، وأثق أن القوي الوطنية
والقومية والاسلامية، في الوطن العربي، من أقصاه إلي أقصاه، سوف تقف داعمة لموقف
مبارك، وتعمل علي تعويضه ما يمكن أن يفقده نتيجة اتخاذه الموقف الوطني الصحيح.
ستعتدل الموازين المختلة، وترحل المعونة التي أذلت الشعب وقيدت حركته وألغت دوره.
ومن أجل أن تكون تصريحات الرئيس مبارك مقدمة
لاصلاح شامل، قبل انعقاد مؤتمر الحزب الحاكم في الخامس عشر من الشهر القادم، يا
حبذا لو بادر الرئيس المصري بالدعوة لمؤتمر قمة عربية طارئ، يعيد التضامن والتماسك
المفقود في هذه الأمة، وفي هذا مصلحة للجميع.