هل يشجع العرب أخيراً علي استخدام أسلحتهم السلمية المعطلة؟

 

بقلم : مطاع صفدي

 

كما توقعنا في زاوية الرأي هذه، فإن العدوان الأمريكي علي العراق قد دخل أخيراً دائرة النقاش العالمي، حتي يكاد القرار التنفيذي عند أصحابه، يتحول إلي ضده تحت وطأة معارضة متعاظمة في الشكل والمضمون، بحيث تجد إدارة بوش نفسها وقد أضحت تواجه ما يشبه برلماناً دولياً يعارضها، وينتزع منها يوماً بعد يوم آخر براهينها الواهية، إلي أن يعريها تماماً من كل مقدرة علي الإقناع، أو علي التبرير والتسويغ للأسباب المختلفة والأهداف الخادعة، فتغدو هكذا مجرد قيادة منعزلة، ومتعطشة لسفك دماء الشعوب هدراً مباحاً علي مذبح شهوات النهب المطلق والسيطرة الطغيانية الحمقاء. وبينما راح أركان هذه القيادة يتوزعون أبواق الدعاية لمشروع العدوان، ويمطرون العالم صباح مساء بتصريحات التهديد والوعيد، وتسريب الخطط والسيناريوهات الموبوءة بالحقد علي الإنسانية واحتكار كرامات الأمم، والكذب العلني المهين لأبسط بداهات الرأي العام العالمي، فإن هذا الأسلوب الفظ والمتناقض في الآراء والتوجهات لم يخدم تسويق العدوان بقدر ما أثار حفيظة الأمم التي أجبرت ساستها المترددين والمتحفظين علي التخلص تدريجياً من عقدة الخوف من القطب العالمي الأقوي، ودفعتهم إلي تجاوز مرحلة الغموض والتلميح المتشكك إلي الجهر والتصريح بالانشقاق عن الحليف الأكبر، وتفنيد عقلانية المشروع العدواني الواهية. إلي أن انقلبت فلسفة الحرب علي أصحابها لتمسي مجرد اتهامات لأصحابها بكل صفات السياسة المتهورة والتفكير التبسيطي، واستفحال التناقض والضياع لدي مخططيه ومروجيه أنفسهم. فظهرت إدارة واشنطن أمام العالم أنها ليست منقسمة علي ذاتها إزاء قرار الحرب ومسوغاته الموضوعية، ما بين حمائم وصقور، فحسب، بل هي إدارة مبعثرة القيادة بين العديد من مراكز القوي.

وما كان لهذه المراكز أن تنشأ وتنمو باستقلال وتعارض فيما بينها إلا لضعف القائد الأعلي غير القادر أساساً علي الحسم في أي اتجاه، حتي لو كان مقتنعا به، إذ لا يلبث أن ينحرف عن خطه ويتراجع عن الرأي إلي ضده، وهكذا دواليك، فكأنما مصائر السياسة الكونية أضحت في العصر الأمريكي الرديء من لعب الأطفال الأغرار، ولكن المتوحشين المتجبرين. مع ذلك فإن هذه الخلافات العلنية بين أركان الحكم وما أثارته وتثيره من تعليقات الصحافة المحلية والدولية، لم تبعد الحلفاء التقليديين فحسب عن اتباع ذلك التضامن الآلي مع الزعامة الأمريكية علي الخطأ والصح، كما فعلت في الماضي، وخاصة إبان حرب الخليج الثانية والعدوان العالمي الظالم علي العراق، وذيوله في استدامة هذا الحصار المجرم للبلد الجريح، غير المسبوق في تاريخ العلاقات الدولية، وفي أظلم عصورها.

نقول إن انقسامات البنية القيادية، علي هذا الشكل المفرط في فوضاه الصارخة، والمدهش في نشر أزماتها الشخصية التافهة علي الملأ، قد تجعل أهم حلفاء أمريكا، كأوروبا، تتساءل في النهاية عمن يحكم هذه الإدارة حقاً. وهو التساؤل الذي دفع قادة الاتحاد الأوروبي إلي تجاوز عتبات التريث والتردد والانتظار، وانطلاق ألسنتهم من حال التأتأة والتمتمة إلي الإعلان الواضح الصريح عن الموقف الرافض للحرب، ولثقافتها التدميرية، وذخيرتها المتهافتة من الموجبات والذرائع المشبوهة بالمطامع الامبراطورية البعيدة المدي، والهادفة في حقيقة الأمر إلي تكريس التسلط الأمريكي علي الجميع، وفي المقدمة أوروبا نفسها وكل القوي العالمية الكبري معها. ما يجعل الاستراتيجية الكونية الشاملة مرتهنة كلياً لخيارالامبريالية المطلقة وحدها.

وهي تلك الامبريالية الأخري القادمة التي لا تكتفي بالسيطرة علي الأمم الصغري وشعوب العالم الثالث، بل تتعداها إلي كبارها، وخاصة تلك القوي المرشحة لأدوار المنافسات الحدية مع الزعامة الانفرادية الباحثة عن استثمار الإباحة الكاملة لثروات المدنية الآتية بدون أية مزاحمة أو شراكة من أحد، من بُناتها التاريخيين كالحضارات الشرقية والإسلامية والأوروبية علي الخصوص.

فلا عجب أن تحركت أوروبا أخيراً وراء قاطرتها الثقافية فرنسا، بعد أن أصابتها صدمة الوعي إزاء انكشاف الأبعاد الحقيقية لهذه الحرب التي ستحرق الشرق العربي لكي يختنق الاقتصاد الأوروبي بدخانها، وأفاعيلها المتصادية إلي آفاق العالم ومستقبله الملتبس.

فالصحوة الأوروبية كانت شعبية ومجتمعية قبل أن تنصاع لمعانيها الطبقات السياسية الحاكمة: في حين أن المجتمع المدني الأمريكي لا تزال اعتراضاته المكبوتة أضعف من أن تخترق أبراج المؤسسة المسيطرة. مع ذلك راحت تتعالي أصوات من أعضاء هذه المؤسسة نفسها التاريخيين من أمثال كيسنجر وبريجينسكي وصولاً إلي جيمس بيكر المقاول الأهم لعاصفة الصحراء الأولي، والمبتكر لصيغة العدوان الشمولي تحت عباءة (الشرعية الدولية). فهو الذي يخشي علي حرب بوش الابن أن تتعري من هذه العباءة التي وفرت لحرب أبيه غطاء الأمم المتحدة، وتغطية تكاليفها من جيوب التحالف الدولي، وبما يفيض منها إلي جيوب المقاولين الرئيسيين. فقد تنتهي حرب بوش الابن إلي مجرد مغامرة دموية رهيبة وفردية، وتتحمل مسؤولياتها أمريكا وحدها ثم تنصب علي رأس الإدارة وحزبها الجمهوري. إذ لن يكتب لتلك الحرب النجاح السريع والواضح المعالم. وربما كان لها مصير أسوأ بكثير من فيتنام القديمة وأفغانستان الراهنة. ثم إن المجتمع الدولي الذي رفض إلي درجة الإدانة، مشروع الحرب هذه قبل وقوعها، فإنه لن يتساهل مع مرتكبيها بعد أن ينطبق عليهم القانون الدولي كمجرمي حرب متلبسين بالجرم المشهود كونياً عبر الأهوال المريعة المترتبة عليه.

عندما يصر الرئيس الفرنسي شيراك ومعه المستشار الألماني، ثم الاتحاد الأوروبي عامة، علي إدانة التصرف الانفرادي للإدارة الأمريكية، ويلح الجميع علي العودة إلي كنف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فذلك ليس استنجاداً بالمؤسسات الدولية لتمنع العدوان المبيت فحسب، بل يعني هذا الموقف ماهو أهم من المنع لحالة واحدة، كالمسألة الأمريكية تلك، إنه دعوة لإحياء الشرعية الدولية وتنظيفها هذه المرة من كل ما علق بها من أدران استغلالها المشؤوم السابق عبر (عاصفة الصحراء) الأولي، واستثمارها في عكس أهدافها لنصرة القوي علي الضعيف، وليس لحماية ضعفاء الإنسانية من أعدائها وأشرارها الموصوفين.

فلقد أصبحت إنسانية اليوم في أمس الحاجة إلي مؤسسات شرعيتها الدولية كيما تصون حاضرها ومستقبلها من مغامرات الأقوياء الجدد المسلحين بالأرقام الفلكية من كل شيء.

فالتضامن المجتمعي المدني بين قبائل وشعوب الإنسانية هو رهان السلام العالمي. ويشكل الطغيان الأمريكي الراهن أول وأخطر مناسبة لولادة مشروع التضامن الجديد المنشود. فلا تعود حماية العراق من الطاغوت الأمريكي الفالت مسألة تخص هذه الضحية وجلادها، وتقع في زاوية من جغرافية الأرض. كما أنها ليست محنة عربية وإسلامية بقدر ما هي المفصل الحاد بين عودة البربرية الكلية، المدمرة للأخضر واليابس في المعمورة، وبين إمكانية المدنية المعاصرة علي الاستفادة من دروس الدكتاتوريات الامبراطورية قريبة العهد، والتصدي باكراً لمقدمات هذه العودة المفضوحة في نواياها الخبيثة والمبيتة ضد أبسط شرائع العدالة ما بين الأمم والثقافات.

من هنا تبرز الأهمية القصوي لضرب حصار عالمي حول المشروع العدواني الأمريكي. فالصحوة الشعبية والمجتمعية فرضت علي حكام الدول الكبري مبارحة الصمت والتمتمة الخجولة، ثم أمرتهم أن يرفعوا الصوت أعلي، فيعلنون منفردين أولاً عن استنكاف حكوماتهم في الانضمام إلي حلف جديد ضد بغداد، ثم تأتي الخطوة الثالثة في المجاهرة بضرورة العودة إلي مجلس الأمن، ثم رابعاً تجتمع حلقات المعارضة علي الموقف الموحد المطالب بامتناع أمريكا عن الحرب والعودة إلي أساليب الدبلوماسية مع المجتمع الدولي.

وهكذا تكاد تجد أمريكا نفسها قريباً في موضع المتهم الخارج علي الإرادة العالمية، والمرشح للعزلة خارج القانون الدولي نفسه، وذلك بدلاً من أن يظل العراق وحيداً مع هذه التهمة الباطلة أصلاً، والتي دفع أثمانها غالياً طيلة عقد ونيف من السنوات العجاف.

وفي هذه اللحظة من تطورات القضية العراقية في الوجدان الإنساني، وتسجيلها نقاطاً كثيرة متلاحقة لصالحها، بعد سنوات القهر الطويلة، من الصمم والعمي المتعمدين من قبل رموز القوة والسلطان في عالمنا، فإننا نسأل أنفسنا عن المساهمة العربية الرسمية أولاً في كسر الصمت والتجاهل. فهل فارقت كبري دولنا العربية المسؤولة سياسة الكيل بمكيالين، أحدهما في العلن وإلي عامة الناس، والآخر في السر ومع (البوش) الأمريكي.

هل يمكن الحسم مثلاً في مسألة حماية الجغرافية العربية ومنعها من أن تكون عتبات لجيوش العدوان كيما تقفز إلي العمق العراقي. ونصل إلي السؤال الأساسي: هل تطور مستوي التحسس (القومي) و(الإنساني) لدي قادة النظام العربي إلي درجة الخروج من حالة الامتناع السلبي عن المشاركة في العدوان إلي العمل علي منعه مقدماً، والسعي إلي تشكيل جبهة حقيقية تحت شرعية حق الدفاع عن الأمن القومي.

ألا نقول إن مثل هذه الجبهة التي لن تكون عسكرية ولا مقاتلة، ولكنها متضامنة سياسياً واقتصادياً مع المحكوم عليه بالإعدام من أعضائها قبل أن يستفرد به الجلاد ويلوغ في دمائه دون أن يخشي لومة لائم من أحد من أهله وعشيرته. هل يمكن أن يذهب بنا التفاؤل إلي رؤية موقف عربي يهدد علي الأقل بالمقاطعة الاقتصادية والنفطوية خاصة، إن ركب الجلاد رأسه وهجم بعدة التدمير الشيطانية مصحراً الوطن العراقي للمرة الثانية.

نعم، يقول أبسط مراقب أجنبي إن العرب وحدهم فقط يمكنهم أن يوقفوا الجنون الأمريكي الزاحف إلي عقر دارهم إذا ما تجرؤوا علي استخدام نفطهم كسلاح إنساني لمنع الجريمة الكبري، قبل أن يكون سلاحاً سياسياً. فإن أحداً من رموز الرأي العام العالمي لن يلومهم علي استخدامهم لأبسط حقوق الدفاع عن النفس، إن لم يحتقرهم الجميع إن تقاعسوا عن ذلك، وتخلوا عن غوث الأخ لأخيه في ساعة المحنة وهو القادر والمتملك من أخطر أسلحة السلم لوقف الحرب والعدوان.

فما دامت النفوط وأرصدتها الفلكية مرشحة للزوال والسرقة الأمريكية العلنية، لماذا لا تُستعمل لمرة واحدة علي الأقول في سياق الدفاع عن بقاء الأمة، إن كان تبقي ثمة معني لهذا البقاء!