بقلم
:مها الشريف
من جنوب
افريقيا تلك الدولة التي كانت عنوانا ورمزا لأبشع تجارب التمييز العنصري في
التاريخ الحديث جاء نداء رئيس دولتها مبيكي من على منبر مؤتمر »قمة الأرض« بإنهاء
التمييز العنصري العالمي، الذي أصبح أعمق في زمن العولمة.
لقد رافقت
النزعة العنصرية الإنسان في رحلته الطويلة عبر التاريخ، وشواهدها ما زالت ماثلة
أمامنا، وخير مثال على ذلك السياسات العنصرية التي حكمت الولايات المتحدة منذ
نشأتها وكانت البداية في استئصال الهنود الحمر حتى لم يبق منهم إلاّ أقلية تعيش في
محميات معزولة للتسلية وجلب السياح، والعرق الأسود الذي جىء به من القارة
الافريقية ليعيش الاضطهاد بجميع أشكاله، أما في الألفية الثالثة فقد توجهت سهام
التمييز العنصري ضد المسلمين خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، حين أعطت أمريكا نفسها
الحق في أن تحدد مفهوم الإرهاب وبدأت في إلصاق التهم جزافا، فجاءت الحملة الطائشة
موجهة ضد بعض الدول العربية والإسلامية التي عرفت دائماً بالاعتدال، ونصرة القضايا
الوطنية، كما وطالت شخصيات ومنظمات إسلامية عرفت بالشفافية والالتزام بروح الإسلام
الصافية.
إن الأسلوب
الانفرادي في تحديد الإرهاب، وأساليب مقاومته واحتكار الحكم على الدور والمنظمات
التي ترعاه سوف يكون مثالاً لإدراج المقاومة الوطنية المشروعة في إطار الإرهاب
العالمي، ويمكن اعتبار القائمة العشوائية التي صدرت عن الأجهزة الأمريكية دليلاً
على هذا الميل، حيث اشتملت على مؤسسات خيرية عرفت ببعدها عن العنف والتفرّغ لأعمال
الخير بين المسلمين وغيرهم، فقد تجاوزت الحملة على الإرهاب لتصبح على كل ما هو
إسلامي.
وازدادت
النزعة العنصرية اشتداداً في الغرب وأخذت التيارات والأحزاب الشوفينية ضد الأجانب
عموماً تزداد قوة ووجوداً موجهة حقدها على الجاليات الإسلامية خاصة بعد الدور الذي
لعبته وما تزال تلعبه أجهزة الإعلام الصهيونية في تقديم هذه الجاليات كأبناء حضارة
غريبة وعنيفة تختلف مع الحضارة الغربية خلافاً حادا يستحيل معه الوفاق أو التعايش.
لقد اتخذ
الصراع في جنوب أفريقيا طول عقود عديدة شكل المواجهة بين بيض عنصريين وسود
مضطهدين، فما زالت أزقة وأحياء جنوب أفريقيا ملطخة بالدماء، بعد أن دفعت الأغلبية
المسحوقة حياتها ثمناً للديمقراطية غير العنصرية، فجاء العنف كرد فعل للاضطهاد
والعنف المقابل، بعد أن فشلت الطرق السلمية في إقرار حقوق السود على تراب وطنهم،
كما قال مانديلا أثناء محكمته عام 1983: »انني بطبيعتي أكره العنف.. لقد قضيت
عشرين سنة من عمري أقرع الباب المغلق باعتدال وتواضع، وفي تلك السنين كانت أكثر
حقوقنا الوطنية تداس بالأقدام، لقد كان أملي كله يتركز في إقامة مجتمع ديمقراطي
حر، لا زلت آمل في تحقيقه ولكني مستعد أن أموت من أجله«.
نحن ندخل
مرحلة خطيرة جداً هي إمكانية أن ينزلق الإنسان نحو حروب دينية وهذا ما يجب أن
يتحاشاه الساسة، خاصة ان الحرب الدينية هي أخطر الحروب على الاطلاق، فقد وصفها
أرسطو بالحرب الحقيقية معتبرا ما عداها سطحيا، لأنها تغيّر طبيعة البشر من التسامح
إلى الكراهية، ومن الحب إلى البغض، ومن الرحمة إلى الوحشية.
بعيدا عن
الدساتير والقوانين، ما زالت الروح العنصرية والتعصب كامنة في أعماق أمريكا، موجهة
سهامها نحو الإسلام هذه المرة، لتوجه العالم وتقحمه في صراع الحضارات هذه المرة،
وما ينتج عنه من فتن وحروب ليس لها ما يبررها،،، لتقحم العالم في فوضى واضطراب في
زمن انصهرت فيه الحدود على حساب الفلسفات العنصرية.