اتجاهات تطور المسألة العراقية

 

 

بقلم : ياسين الحاج صالح 

 

ليس ثمة من يعارض توجيه ضربة الى العراق في أوساط النخبة الاميركية اليمينية الحاكمة. فالكونغرس والسلطة التنفيذية والرئيس بوش متفقون على ضرورة تغيير النظام في العراق، كما قال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد في اليوم الاخير من شهر تموز. المشكلة ليست في اتخاذ القرار بل في إيجاد قاعدة للعمليات الاميركية، وخصوصا ان الضربات الجوية لا تفي بالمراد في العراق كما كان شأنها في أفغانستان في ظل غياب <<تحالف شمال>> عراقي فعال. اذ حتى لو أمكن لإيران ان تلعب حيال العراق الدور الذي لعبته حيال أفغانستان (ثمة تعادل هنا: ما توجبه شراكة إيران في <<محور الشر>> مع العراق يزيله كره الايرانيين العميق لنظام بغداد) فانه يصعب على تركيا ان تلعب هنا الدور الذي لعبته روسيا هناك نظرا لمخاوفها من الاستقلال الكردي المتزايد في شمال العراق، ولا يبدو حتى الآن ان هناك دولة مستعدة للعب دور الباكستان كقاعدة أساسية للعمليات.

ثم ان افتقار الادارة الاميركية لذريعة مقنعة يزيد من تردد الاطراف الدولية والعربية التي شاركت الاميركيين حرب <<تحرير الكويت>> عام 1991. طوال الشهور المنقضية من العام الحالي والاميركيون يبحثون عن علاقة ما بين تنظيم القاعدة والعراق، ومن هذا الباب كان الكلام عن لقاء محمد عطا قائد المجموعات التي نفذت هجمات 11 أيلول مع دبلوماسي عراقي في العاصمة التشيكية قبل ان يتكشف ان الخبر غير صحيح. ثم كانت مفاوضات الأمم المتحدة مع العراق حول عودة المفتشين الدوليين الذين غادروا العراق آخر عام 1998، ممهدين الطريق لهجمات ما عرف وقتها بعملية <<ثعلب الصحراء>>. لكن رفض العراق العودة غير المشروطة للمفتشين لا يبدو انه أقنع الاطراف العربية والاوروبية، اضافة الى أصوات تزداد عددا داخل النخبة الاميركية نفسها، بأنه ذريعة كافية نظرا الى فصل كوفي أنان في المفاوضات التي جمعته مع ناجي صبري وزير الخارجية العراقي في جنيف في تموز الماضي، فصله بين الجوانب القانونية لعودة المفتشين الى عملهم والجوانب السياسية التي تخص إنهاء العقوبات على العراق في أمد زمني محدد او تجنيبه ضربة عسكرية في حال موافقته على عودتهم. كان فشل أنان في تقديم اجابة وافية عن هاتين النقطتين سبب انتهاء المفاوضات بنتيجة سلبية، لكن السجل السابق لهيئة المفتشين الدوليين ينتقص كثيرا من قوة وشرعية تذرع الاميركيين برفض العراق عودتهم. وآخر المعطيات في هذا السجل هو اتهام رالف أيكيوس بالذات، وهو رئيس فرق التفتيش بين عامي 1991 و1997، اتهامه الولايات المتحدة وقوى اخرى لم يسمها باستغلال تلك الفرق لمصالحها، بما في تلك المصالح رصد تحركات الرئيس العراقي. وحسب ما أورده موقع قناة الجزيرة على الانترنت في 31 تموز الفائت فان إيكيوس أضاف ان الازمات كانت تفتعل أحيانا مع بغداد من أجل استخدامها كمبرر لعمل عسكري.

لقد جعل تواتر معلومات كهذه في بضع السنوات الاخيرة من منع بغداد عودة المفتشين حجة أضعف من ان تؤمن لواشنطن تعبئة حلف مماثل لحلف 1990 و1991 ضد بغداد. كما ان الافتقار الى حجة كافية يجعل موقف الحكومات العربية أصعب من ان تنضم طواعية، فكم بالحري بحماسة، الى إدارة بوش و<<محور الشر>> في أروقة ادارته المكون من صناعة النفط والمركب الصناعي العسكري والشركات الاخرى العابرة للقوميات واليمين المسيحي وكل المساهمين الهامين في <<انقلاب>> بوش، بعبارة إدوارد هرمان، بمن فيهم تشيني ورامسفيلد وأونيل وأشكروفت (إدوارد هرمان، محور الشر في واشنطن، موقع مجلة <<زد>> الاميركية <<المنشقة>> على الانترنت، 16 آذار 2002).

لم يعد هدف واشنطن من إثارة قضية عودة المفتشين الكشف عما يخفيه العراق من أسلحة الدمار الشامل، بل دفع العراق الى عدم القبول بعودتهم بعدم تقديم اي سقف زمني لمهمتهم وبفصل نتائج التفتيش عن خيارات السياسة الاميركية ضد العراق، ان في مجال المقاطعة الاقتصادية أم في مجال الضربات العسكرية. بعبارة اخرى لم يعد هدف التفاوض ولم يكن يوما منذ تورط العراق في 2 آب 1990 نيل موافقة العراق على دخول المفتشين بل إثبات عدم موافقة العراق على دخولهم، وبالتالي وجود ما يخفيه عن <<المجتمع الدولي>> المكون من بوش وبلير وشارون واضرابهم. لذا تبادر واشنطن دائما الى وضع شروط تعجيزية للحصول على النتيجة المطلوبة.

بصرف النظر عن مسألة المفتشين فان قضية أسلحة الدمار الشامل هي أحد المحاور الثابتة للسياسة الاميركية في <<الشرق الاوسط>> منذ نهاية الحرب الباردة على الاقل. واستخدامها كحجة ضد العراق دون توفر أدلة قاطعة تقنع أحدا غير طوني بلير الذي تميز دائما بانخفاض عتبة الاقتناع لديه بما تروّجه أية إدارة في البيت الابيض، أقول ان استخدام هذا البند الثابت على الاجندة الاميركية كحجة ضد بغداد تعترضه ما تعترض اتهامات الارهاب ومنع عودة المفتشين من مطاعن وضعف في الصدقية. وليس ثمة تعبير اوضح عن التشكك بوجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراق مما عبر عنه لورنس أيغلبرغر، وزير الخارجية الاميركي الأسبق، حين طالب بربط ضرب العراق بتقديم الادارة أدلة على ان صدام حسين قد <<وضع إصبعه على زناد نووي او بيولوجي او كيميائي ينوي إطلاقه>>. (<<السفير>>، 19/8/2002).

قد يقال ان اليمين الاميركي المتطرف لم يعد في حاجة الى ذرائع بعد 11 أيلول. هذا صحيح جزئيا فقط. فلا شك ان العتبة المطلوبة للاقتناع بالحجج الاميركية انخفضت منذ 11 أيلول، وصارت الحكومات في الغرب والجنوب <<تقتنع>> بسهولة أكبر بما يصدف ان تقرره واشنطن. لكن هناك طرفا في المعادلة لا تستطيع واشنطن ولا حكومات العالم الاخرى ان تصرفه من الحساب هو شعوب العالم وقوى الاحتجاج التي تعاود لملمة اوضاعها خلال بضع السنوات الاخيرة. تدرك واشنطن ان الشعوب العربية الواقعة منذ عقود بين مطرقة الاذلال الاميركي والاسرائيلي المتمادي وسندان أنظمة القهر والإفقار لا يزال من الممكن ان تؤذي مصالح الولايات المتحدة وان تشوش من ترتيباتها شبه المخبرية لأوضاع المنطقة. بل ان الدول العربية بالذات، سواء <<دول الواجهة>> ام <<دول المواجهة>>، تتردد كثيرا في مجاراة واشنطن في خطط تزيد من انكشاف اوضاعها ولا تعدها بأي شيء على الاطلاق.

بالفعل بلغ من تطرف ادارة بوش انها تتوقع من هذه الدول الانصياع لأوامرها من دون مقابل ومن دون أخذ بالحسبان للرأي العام فيها، مدركة بالنسبة لهذه النقطة الاخيرة ان لا رأي ولا عام في هذه الدول. لكن مع ذلك يلعب التأثير المتضافر لضعف حجج واشنطن ضد بغداد وتردد الحكومات العربية وعدم تحسس دول الاتحاد الاوروبي، بمن فيها انكلترا التي تبدو مشوشة الرأي، يلعب دورا في إرجاء انتقال خطط ادارة بوش الى التنفيذ. ولا جدال في ان الحاجة الى قاعدة ارضية واسعة للقوات البرية الاميركية، ثم الالتهاب المستمر للوضع في الاراضي المحتلة، وأخيرا عدم اليقين بشأن رد الفعل العراقي المحتمل، كلها من عوامل التأخير الملحوظ حتى الآن.

لكن من غير المرجح ان يؤثر كل ذلك على قرار إدارة بوش إسقاط نظام حكم الرئيس العراقي، وان أخّر تنفيذ خططها او دفعها الى سيناريوهات مختلفة عن سيناريو حرب الخليج الثانية الحرب ضد أفغانستان الطالبانية. من الاحتمالات الواردة محاولة اغتيال الرئيس العراقي، وهو ما لم تخف الادارة الاميركية إصدارها الأوامر بشأنه. هناك ايضا احتمال تحريض المعارضة العراقية على الاغراء بتمرد ما.

لم يعد تغيير النظام العراقي خيارا بين خيارات متعددة للادارة الاميركية لانه <<فاتحة خير>> على واشنطن من وجوه كثيرة. فوضع اليد مباشرة على البترول العراقي الوفير بما يسهم في إبقاء أوروبا واليابان في القبضة الاميركية، والاحتواء القريب للضلع الشرق أوسطي الثاني في <<محور الشر>> الذي نفضت ادارة بوش يدها مؤخرا من اي رهان على معتدليه، والانتقال الى تعامل أكثر أوامرية مع السعودية ومصر وسورية... فضلا عن الدوافع <<المبدئية>> التي يمتزج فيها الدين والعنصرية والنزعة الامبراطورية وإرادة الانتقام، والتي تحرك معسكر اليمين الاميركي <<الملتزم>> الى تحقيق بداية قوية لقرن اميركي جديد، كلها عوامل ترجح ان تنتقل الخطط الاميركية الى حيز العمل في وقت غير محدد.

هل يعني كل ذلك انه لا راد لقضاء أميركا؟ الحكومات العربية لن تفعل شيئا، والارجح انها ستخضع في النهاية حين يحزم الاميركيون أمرهم. هل يمكن للقوى الديموقراطية العربية ان تبادر الى تنظيم الرأي العام في مجتمعاتها لملء الفراغ الناجم عن انسحاب الحكومات وتنظيم المقاومة الوطنية والديموغرافية؟ هل يمكن لها على الاقل ان تطلق نقاشا عاما حول النفق الذي توشك المجتمعات العربية ان تضيع فيه وتحدد السياسات المسؤولة عن هذا التيه وسبل البحث عن مخارج منه؟ ان لم نمنع الكارثة او نحد منها حسب الاحتمال الاول فقد نتخذ منها منطلقا لإعادة ترتيب ساحتي الوعي والسياسة حسب الاحتمال الثاني. تفاءلوا بالخير.