هل يستطيع العرب فعل شيء تجاه غزو
العراق؟
يتزايد كل
يوم فيض المقالات والمقابلات الاذاعية والتلفزيونية التي تناقش الموقف العربي من
القرار الامريكي بشأن العراق. ويتحدث الجميع عن هجوم امريكي او ضربة امريكية او
حملة عسكرية... الخ. والم الحظ ـ فيما تيسر لي قراءته ـ الا مقال يوسف ابراهيم في
الواشنطن بوست (11/8/2002) الذي استخدم تعبير غزونا للعراق ، محاولا التأكيد علي
هويته الامريكية كي لا يتذكر احد اصله العربي (للأسف طبعا). وفي ظني المتواضع ان
هذا هو التعبير الدقيق لما يتحدث عنه الامريكيون علنا وبوضوح، ودع عنك التصريحات
الرسمية العربية من قبيل: اننا لم نتلق شيئا رسميا بهذا الخصوص، او اننا سمعنا
بذلك من وسائل الاعلام ولا يعتد به، او انه من المبكر تفسير التصريحات بهذا
الشكل... الي آخر تلك الكليشهات المقززة التي تصدر عن مسؤولينا العرب من الرؤساء
حتي صغار المتحدثين الاعلاميين والكتاب الرسميين وشبه الرسميين.
ويميل
المرء الي الاعتقاد بان الامريكيين اتخذوا قرارا بغزو العراق، بغض النظر عن
التوصيف الرسمي في البيان الذي سيعلن من واشنطن او من نيويورك حيث الامم المتحدة
او من بروكسيل حيث المفوضية الاوروبية. وحجة تغيير نظام الحكم العراقي لانه غير
ديموقراطي، وبالتالي فهو معاد لامريكا الديمقراطية! ليست مختلفة عن مبرر غزو
غرينادا وخطف نورييغا من بنما واحتلال افغانستان ... الخ.
واشد ما
يعجب له المرء ان الكتاب والمعلقين العرب انما يتبعون خط الحكومات الرسمي عند
مناقشة الغزو الامريكي بالتعرض كذلك لمسألة تغيير النظام. وينصب هؤلاء انفسهم ـ
ربما في محاولة منهم ليثبتوا للغرب انهم ليبراليون وديمقراطيون مثله ـ قضاة
ومستشارين في محكمة الديموقراطية والديكتاتورية للفصل بين النظام والشعب والمعارضة
العراقية. قد تكون الانظمة العربية بحاجة لابعاد نفسها عن النظام العراقي لاسباب
عديدة، ترجع بعضها الي غير الموقف الامريكي. لكن ما حاجة الكتاب والمعلقين لذلك،
ولماذا نخجل من قول الحقيقة كما هي مجردة ان كان اعداؤنا يتبجحون علينا بما نستحق
ـ للأسف.
وعودة لما
يحاول البعض تصويره علي انه عجز النظام العربي عن تغيير موقف الادارة الامريكية
بسبب انتصار الصقور علي الحمائم في تلك الادارة. وينطوي هذا التصوير علي خط مفاده
ان الادارة الامريكية انما تزيد ضغوطها علي السعودية ومصر بسبب مواقفهما المعارضة
للغزو الامريكي للعراق. ولكن للأسف الشديد قناعة الغالبية من الشعب العربي غير
ذلك، تلك الغالبية الصامتة التي لا تعبر حتي عن رأيها في مساحات فتحت مؤخرا في بعض
منافذ الاعلام العربية لتعكس رأي الجماهير الصامتة.
اولا، ليس
صحيحا ان القيادتين السعودية والمصرية تعترضان علي تغيير حكم صدام حسين، فالقاهرة
والرياض علي قناعة من قبل الحرب السابقة ضد العراق بان نظام صدام حسين يشكل تهديدا
لريادتها الاقليمية وربما استقرارها السياسي الداخلي. حتي سورية لم تشارك في
التحالف العدواني الامريكي ـ البريطاني ضد العراق عام 1990 فقط لحاجتها لثمن مادي
من السعودية، ولا لإرضاء حليفها ايران، ولا لخطب ود الامريكان فحسب؛ بل ايضا
لموقفها المعادي للنظام العراقي الحاكم.
ما تعترض
عليه الرياض والقاهرة هو الطريقة التي ستغزو بها امريكا العراق، فبالنسبة للقاهرة
ـ وغيرها من العواصم العربية المعتدلة والمتشددة ـ لا ترغب النخب السياسية في
ترسيخ مبدأ التدخل العسكري الامريكي المباشر لتغيير انظمة الحكم اذا لم ترض عنها
واشنطن. والمسألة انانية صرف ولا مجال فيها لحسابات امن قومي ولا استراتيجي ولا
يحزنون. ان الامور في بلادنا انما تحسم في العلاقات الاقليمية علي طريقة (تجار
المواشي في سوق الاثنين) ثم يأتي الكتبة واشباه المثقفين ومحترفو التحليل
الاستراتيجي لتصويرها علي انها سياسات سيادية مبنية علي محددات استراتيجية منبثقة
من طبيعة هذا النظام او ذاك وشكل تحالفاته الاقليمية والدولية، الي اخر تلك
المصطلحات المترجمة عن الانكليزية ولا تعني شيئا لحكامنا العرب الاشاوس.
اعلم ان
كلامي هذا سيغضب مثقفينا ومفكرينا العرب الافاضل، باعتباره كلاما شوارعي لا يليق
به ان ينشر، لكنه للأسف اقرب للحقيقة. ومن لا يصدق عليه بسماع الاعلان (البرومو)
الذي تبثه اذاعة سوا الامريكية عن نفسها وفيه مقطع من رد للرئيس مبارك علي سؤال
يقول فيه: اعملكوا ايه اذا كان رئيسكم بيتصل بي وبعد دقيقة ينهي المكالمة، انا
عايز حد لما أكلمه أخد وادي معاه .
اما
الاشقاء في الرياض فمشكلتهم، ومعهم كل الدول الخليجية جميعا، انهم مقبوض عليهم
امريكيا بما يجعل التمثيل بهم علي الطريقة العراقية مسألة روتينية امريكية اذا
رغبت واشنطن بعد غزوها للعراق. وهي مشكلة مفهومة، لكنها ليست مقبولة ولا يمكن
تفسيرها بان التململ السعودي من السياسة الامريكية انما يعود الي تغير في التوجه
السعودي نحو مزيد من العروبية والقومية ولو لاسباب براغماتية.
وعودة الي
البداية، والسؤال عما يمكن ان يفعله العرب لثني امريكا عن قرارها بغزو العراق.
اعتقد، وأظن غيري كثر، ان الانظمة العربية من المحيط الي الخليج لا تريد ان تفعل
ذلك: اما لانها لا تستطيع ان تقول لاي خواجة من عبر الاطلسي ما يغضبه لانها تعلم
ان رقبتها تحت ضرسه، او لانها لا تهتم كثيرا بما قد يحدث فيما بين النهرين طالما
ان النيران لن تلحق باذيال سراويلها. هذا هو موقف انظمتنا علي بلاطة، بل ان منها
من يتطوع الان بتقديم كل ما يملك لمساعدة الامريكيين في غزوتهم القادمة عله ينال
من بعض سبيها شيئا، دون ان يقطع اواصر الود المزيف مع النظام العراقي الحالي لربما
يبقي.
والحقيقة
ايضا ان احدا في الشارع العربي لم يعد مستعدا للتعاطف مع اي من الانظمة العربية
المعتدلة التي تهددها واشنطن الان بقطع المعونة او اعتبارها بؤرة الشر. ذلك ان تلك
الانظمة لم تسأل شعوبها يوما عن شيء، ولا اهتمت بأخذ رأيها.. اللهم إلا في الهاب
حميتها الوطنية للتظاهر أمام سفارة دولة عربية اخري لان اخوال الرئيس اختلفوا مع
ابناء رئيس تلك الدولة الاخري علي بضعة ملايين من الدولارات في صفقة وطنية للهواتف
الموبايل!!!
اما دول
الخليج، وفي مقدمتها السعودية، فان احدا من ابناء الشوارع لن يستطيع التعاطف معها
وقد اذلتهم جميعا بنظام الكفالة والاستعباد حينما ذهبوا للعمل فيها، فيما بذرت
مليارات الدولارات من اموال النفط العربي علي الخواجات الافاقين المحتالين. وما
زال هذا يحدث حتي الان، ورغم الاخبار الوهمية عن سحب المليارات العربية من الاسواق
الامريكية فمستثمر كالوليد بن طلال يزيد حصته بالمليارات في مجموعة سيتي غروب
المصرفية الامريكية لانها خسرت في انهيار انرون وورلدكوم. أفبعد ذلك سيقف احد مع
حكومات الخليج، حتي لو قامت القوات الامريكية بفرض منطقة حكم ذاتي في شرق السعودية
يديرها كونسرتيوم من شركات النفط الامريكية؟!
الخلاصة ان
الانظمة العربية لا يمكنها فعل شيء، حتي ان هي رغبت، لأن نواياها دائما مشكوك فيها
شعبيا.
واذا كنا
نفكر حقا فيما يمكن عمله عربيا لمواجهة الغزو الامريكي المحتمل للعراق، فالحل
الوحيد هو في انتفاضة عربية ضد الاحتلال الامريكي المباشر الذي يمثله ولاة الأمر الحالين
من معتدلين ومتشدقين. انتفاضة علي طريقة الشعب الوحيد الذي يكافح الاحتلال في
الوطن العربي: الفلسطينيين. وليكن هم الشباب العربي الذي لا يجد فرصة عمل ولا
سبيلا لدعم تلك الانتفاضة من موطنه ان ينظم هجرات جماعية للعراق تجبر منظمات
الاغاثة علي اطعامه. ولنصبح بالملايين دروعا بشرية تصد عن ارض عربية عدوانا همجيا،
فاشرف لنا ان نموت بكرامة من ان نعيش في ذل للامريكيين والاسرائيليين وتابعيهم من
امراء النفط السابقين والملوك والرؤساء المهزومين الجبناء. ولن يفيد او يضر عندئذ
ان تتهم واشنطن ولندن ربع مليار من البشر بأنهم ارهابيون، لانهم يكرهون امريكا
ويريدون التحرر من استعمارها لبلدانهم.
لماذا لا
تبدأ منظمات الشباب العربية بتنظيم معسكراتها في العراق؟ ولماذا لا تنظم اتحادات
طلاب الجامعات رحلات مكثفة للعراق، ولا تعقد الاحزاب العربية مؤتمراتها في العراق،
ولا النقابات والاتحادات والهيئات؟ ولماذا لا تنظم المؤسسات والهيئات العربية
دورات اقليمية في العراق؟ ولماذا لا تنظم النوادي الرياضية والاجتماعية العربية
برامج وانشطة في العراق؟ وليأخذ كل هؤلاء طعامهم وشرابهم معهم، فلن تزيد تكلفة
ابقاء العراق مكتظا بالاف العرب علي الدوام عن خسارة احد اثرياء الخليج في انهيار
احدي الشركات الامريكية او تراجع مؤشرات البورصات الغربية.
ولينقلب
هؤلاء بعد حين علي الحكم في العراق، وليحكم العراق جنرال مغربي او ضابط مخابرات
اردني... سنبقي علي الاقل في الهم عرب، ولا مذلة للامريكيين ولا حاجة للديمقراطية
التنويرية الاسرائيلية التي ثمنها ضياع فلسطين.