استعمار جديد بصباغ ثقافي..!
بقلم :غسان جواد
ازدادت في الايام القليلة الماضية، الشكوك
والتكهنات من غير مصدر عربي اعلامي وشعبي حول قيام الولايات المتحدة الاميركية
بضرب العراق واستبدال السلطة الحاكمة هناك بسلطة او سلطات تدور في الفلك الاميركي
الرسمي في سياق استكمال العملاق الاميركي لخطة السيطرة على العالم، وتسويق مفاهيمه
وقيمه وصولا الى الثقافة، وقد دعمت تلك الشكوك والتكهنات، سلسلة احداث سياسية لها
دلالاتها في نفي وتأكيد ما يمكن ان تقوم به ادارة الرئيس جورج بوش تجاه نظام صدام
حسين او تجاه شعب العراق، وفيما تكثر الاصوات العربية والعالمية الرافضة لتجريد
الولايات المتحدة الاميركية حروبا جديدة في العالم، على قاعدة محاربة الشر
والارهاب وما الى ذلك من المفردات والمصطلحات التي دخلت حديثا الى المعجم السياسي
في العالم، كمصطلح <<محور الشر>> وغير ذلك. حتى ان بعض المستبعدين
لقيام الولايات المتحدة بضرب العراق استند او حاول الاستناد في تدعيم وجهة نظره
الى ارتفاع عدد من الاصوات داخل اميركا، ومنها اصوات الديموقراطيين او بعضهم ممن
طالب الادارة الاميركية بالتريث وباستشارة مختلف القوى الاميركية قبل القيام بأي
عمل عسكري، وقد اضافت تصريحات <<معتدلة>> للرئيس الاميركي حول ان
الدبلوماسية يمكن ان تكون خيارا من خيارات التعاطي مع العراق، نوعا من الاستزادة
من يقين واستبعاد ضرب العراق قريبا. وكانت الصفقة التجارية الكبيرة التي عقدها
العراق مع روسيا بما معدله 40 مليار دولار احد مؤشرات تداخل المصالح الدولية
واصطدام العملاق الاميركي بمصالح الدول الكبرى في المنطقة، ويمكن ادراج زيارة وزير
الخارجية العراقي ناجي صبري الى الصين مؤخرا في السياق نفسه، بحيث ذكرت مصادر
عراقية ان جل ما تم التباحث بشأنه ما بين المسؤول العراقي والمسؤولين الصينيين
يتعلق بالاقتصاد والتجارة. وإذ كان الكثيرون لا يأخذون الرفض العربي والمعارضة
السياسية العربية لمسألة ضرب العراق على محمل الجد، برزت الدعاوى التي رفعها ذوو
ضحايا 11 ايلول الفائت ضد السعودية وضد افراد وأمراء من العائلة المالكة، لتقول ان
الجميع مهدد في حال ضرب العراق، وإن منطقة الخليج النفطي على قاب قوسين او أدنى من
الانفجار. وقد تكون حقوقية تلك الدعاوى ذات مغزى سياسي وليس عسكريا، اي تهدف للضغط
على المملكة من اجل الموافقة ولو ضمنا على المخطط الاميركي ضد العراق. لكن التلميح
السياسي. بخلخلة استتباب الخليج من بابه الاوسع <<السعودية>>
<<العراق>>، و<<ايران>> يجعل من ذوي النوايا الحسنة
مربكين في التحليل والاستنتاج في الخلاصات التي ينشدونها، وكان الرئيس الفرنسي جاك
شيراك والمستشار الالماني غيرهاردر شرودر قد أبديا موقف اوروبا مما يمكن ان يحدث
قريبا في منطقة الشرق الاوسط. عندما رفضا ضرب العراق من قبل الولايات المتحدة
الاميركية منفردة، وطالبا بالتشاور مع اعضاء مجلس الأمن والأمم المتحدة قبل اي عمل
عسكري.
تلك الاصطفافات العالمية بين مؤيد ومعارض
للضربة الاميركية المحتملة على العراق، جعلت من غير المنطقي الوصل والتفاعل والربط
بين احداث ومواقف ورؤى عالمية وعربية، وبات الجدل مرتبطا بهل يحدث او لا يحدث؟
وكأنما وصلنا الى نقطة التأكد من سيطرة الولايات المتحدة الاميركية على العالم، او
اننا نريد ذلك، نريد التأكد من سعيها لبسط امبراطوريتها على الكرة الارضية، وان
ضرب العراق تأكيد آخر. لتلك الهواجس. فماذا لو ضرب العراق؟
السؤال بحد ذاته ساذج وبريء، ويحتاج غالبا
الى التدقيق. فبالأمس وقف مستشار وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد يهاجم
المملكة العربية السعودية بقوة ويقول انها تعارض ضرب العراق لأنها تخاف من قيام
دولة ديموقراطية قريبة منها، ويقصد بالطبع الدولة المنوي قيامها في حال أسقط نظام
صدام حسين وجاء نظام بديل، بدأت الولايات المتحدة الاعداد له بشكل جيد منذ
اجتماعات المعارضة العراقية الشهر الفائت في لندن والزيارات المتتالية لرموزها الى
واشنطن والاجتماع الى المسؤولين الاميركيين هناك لطلب الدعم والمساعدة ولحض الادارة
الاميركية على تحريك جيوشها لضرب نظام صدام حسين، وقد اعلنت المعارضة العراقية
عزمها على تشكيل حكومة ظل تمسك العراق سريعا فيما لو صحت تكهنات القيام بعمل عسكري
في العراق. وتشي تصريحات المستشار الاميركي بشيء مما يسوق في داخل الولايات
المتحدة الاميركية وخارجها، وعن محاولات الادارة الاميركية تصوير عمليات اخضاعها
للشعوب ومحاولاتها للسيطرة على ثروات الشعوب ومقدراتها، على انها تسييد لثقافة
الديموقراطية والحرية والمساواة والعدالة، وأن الولايات المتحدة التي تحرك جيوشا
من اجل الحرية والديموقراطية تريد من العالم، ومن حلفائها على وجه التحديد، ان
يمولوا ويدعموا تلك التحركات <<بأهدافها السامية>>، حتى ولو كلفت
سيادة الديموقراطية وحقوق الانسان الكثير من الدمار والخراب والموت. اذا، تحاول
الولايات المتحدة الاميركية صبغ استعمارها الجديد للعالم، بصباغ ثقافي، وكانت
تقارير صحفية أفادت ان الكونغرس الاميركي رصد مبالغ كبيرة من المال لتمويل مشروع
الحكومة اطلاق اذاعة ومحطة فضائية موجهة الى العالم العربي وباللغة العربية من اجل
مخاطبة شعوب هذه المنطقة مباشرة وشرح السياسات الاميركية في العالم، وبالطبع
<<تعليم>> الشعوب القيم الانسانية ومنها الديموقراطية ومستلزماتها من
حقوق انسان وحرية رأي ومعتقد. وقد أشارت تلك التقارير الى ان العمل على تدريب
العاملين في هاتين الوسيلتين الاعلاميتين قد بدأ من اجل ان يمسكوا بطرف التخاطب مع
شعوب المنطقة العربية.
هذا التحشيد السياسي والاعلامي لا بد ان
يستكمل بتحشيد ثقافي في المستقبل القريب على قاعدة ان ضرب العراق هو ضرب للمثل
الديكتاتورية، وبداية النهاية لأنظمة الاستبداد في المنطقة العربية. وبالطبع ثمة
بديل ديموقراطي جاهز لدى الاميركيين يشبه بالتأكيد شكل السلطة المنوي عقد الولاء
لها في العراق بعد الضربة، والتي من نافل القول انها ستؤمن المصالح الاميركية
وسترعاها في المنطقة. فماذا لو جرى ضرب العراق ثم تقسيمه. مع تنامي الاصوات
المتحدثة عن التعددية الثقافية وحقوق الأقليات في الشرق الاوسط؟ فتعالوا نتخيل
الشرق الاوسط بدول تعكس تلك التعددية وذاك التنوع؟