الغطرسة الاسرائيلية وهذا الصمت؟!
بقلم :د.مصطفى محمد الفار
هذه المجازر الاسرائيلية المتتالية التي
تقترفها قوات الاحتلال الاسرائيلية، ما أهدافها وما دوافعها؟ هل هي سياسة
اسرائيلية ثابتة لاستدراج ردود فعل فلسطينية انتقامية تبرر لحكومة شارون تقويض
مساعي السلام، وتكثيف الضغوط على الشعب الفلسطيني لحفزه على النزوح بشكل جماعي من
مدنه وقراه؟ وما خطورة ومغبة هذا الصمت العالمي الحالي على ممارسات اسرائيل
الاجرامية في الاراضي العربية المحتلة، والتي فاقت كل تصور، فالحكومة الاسرائيلية
لم تتنصل من الاتفاقات السابقة التي عقدت مع السلطة الفلسطينية فحسب، بل أخلّت
باتفاقات لم يمض عليها سوى أيام قليلة حول انسحاب من غزة وبيت لحم.
وفي حين تطلع المراقبون المحايدون الى حل
سياسي يسهم في إرساء قواعد السلام في المنطقة، تأبى اسرائيل إلا أن تؤكد على
استمرار مسلسل جرائمها فترتكب قواتها في حي الشيخ عجلين مجزرة جديدة راح ضحيتها
ستة شهداء وستة عشر جريحاً، يحدث هذا ولم يمض على مجزرة حي الدرج في مدينة غزة
ذاتها سوى أسابيع قليلة، وهكذا تصر اسرائيل بتشجيع من الصمت العالمي المريب،
وسياسة المكاييل الأمريكية المزدوجة، وعبر تعبئة اللوبي الصهيوني، واليمين
الأميركي المتطرف ضد العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، على الاستمرار في انتهاج
سجلها الدموي الحافل بانتهاك حقوق الانسان، بما تقوم به من ممارسات يومية تعد
جرائم حرب، وتخالف تماماً اتفاقية جنيف الرابعة، والقانون الانساني الدولي، وهي
بمثابة عقوبات جماعية ضد مدنيين أبرياء، وتدفع الى الغضب واليأس وتفجر الأوضاع وتسخين
الأجواء وتوتيرها الى اقصى الحدود.
لقد هدمت قوات الاحتلال خلال الاجتياح الأخير
للضفة وغزة 12 الفا و 600 منزل بين منازل خاصة، ومبان تابعة للسلطة الوطنية
الفلسطينية، ومنها 1600 منزل تم هدمها بشكل كامل و11 ألفاً هدمت بشكل جزئي، كما تم
ابعاد أقارب الاستشهاديين الفلسطينيين بعد هدم منازلهم، وهذا يخالف اتفاقية جنيف
الرابعة، حيث يشترط حماية الشعب المحتل من قوى الاحتلال وعدم إحداث أي تغيير
طوبغرافي أو سكاني، وعدم طرد او تغيير مقار أو اقامة السكان، وهو ما يشكل انتهاكا
خطيرا للقانون الدولي وحقوق الانسان ويستوجب اهتماما دوليا كاملا، وادانة واسعة
لهذه الانتهاكات النكراء.
ازاء هذا الوضع الاستفزازي الخطر، فإن من
الواضح لأبسط المراقبين، ان حكومة شارون لا تريد تهدئة الوضع المتفجر، ولا تفتش عن
الأمن، وإنما تتعمد تأزيم الوضع ليصل الى اقصى درجة من التفاقم، ضمن سياسة القتل والتدمير
والحصار والاعتقالات.
فشارون سفاح صبرا وشاتيلا، وقاتل الأطفال
والنساء في قبية ومعسكر البريج، ومدمر مخيم جنين ومهندس مجزرة الأطفال والرضع في
حي الدرج، الذي تصفه الإدارة الأميركية بأنه رجل سلام، في الوقت الذي يوصف فيه
الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يكافح من أجل وجوده وكيانه، ويتصدى لهجمات المحتلين،
بأنه مجموعة من الارهابيين الأشقياء.
إزاء هذه السياسة الأميركية الظالمة
والمحابية تماماً للمخططات الاجرامية الاسرائيلية التي تستهدف صمود الشعب
الفلسطيني وحقوقه وأراضيه، لا غرو ان تصل الغطرسة الاسرائيلية الى مستوى بغيض من
التطرف والحقد يفوق كل الحدود والتصور، ومن هنا، فقد أضحى المجتمع الدولي مطالبا
بتنفيذ قراراته حول المنطقة ومع التحذير في الوقت ذاته بأن اسرائيل تضمر ولا تعلن،
وأنها تسعى لكسب الوقت وتضليل الرأي العام الدولي ودفع عجلة الاستيطان في آن واحد
بما يفرض مزيدا من الأمر الواقع ويحول دون تنفيذ قرارات مجلس الامن وحق تقرير
المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فهل آن للضمير العالمي أن يتحرك
وللصمت الدولي ان ينهض ويثوب الى رشده؟!