هل هذه خير أمة؟
بقلم : د. احمد نوفل
nofal_assabeel@yahoo.com
المسلمون فيهم خير وهم ان شاء الله الى خير،
لكنهم ليسوا بخير. خير لنا ان نعترف. وخذ المجتمع الافغاني نموذجاً، فالدم
الافغاني يجري انهاراً منذ ربع قرن. أقله على يد الروس والامريكان، وجلّه وافظعه
على يد الاخوة - الاعداء.
وخذ العراق نموذجاً ثانياً تجتمع المعارضة
العراقية، هذه التسمية الفنية لجماعات الجواسيس والعملاء، منهم معمم وملتح، ومنهم
ملتح غير معمم، ومعظمهم افندية بالربطات والبدلات، وكلهم خونة، سمعت احدهم دكتور
في الذرة وابو البرنامج النووي العراقي، يتكلم في وسائل الاعلام، ويوصي امريكا
بضربة لبلده صاعقة وسريعة وشديدة قبل ان تستكمل برنامجها. ومن دل المفتشين على
الاسرار والبرامج؟ وهنا سؤال: اذا كان مسؤولو الاجهزة الأمنية ومدبرو البرامج
النووية تحولوا الى جواسيس فأين جهد الانظمة في كسب ولاء جماهيرها ومواطنيها للوطن
لا للنظام؟
وفي فلسطين يعترف «الزطمة» كيف دل اليهود على
صلاح شحادة، فقتل من شعبه وجرح قرابة مئتين، ربما في مقابل ما لا يزيد عن عشرين
ديناراً، فانظر كم دماؤنا رخيصة على بعضنا بمعدل عشرة قروش للنفر! وانظر كم «زطمة»
مثل هذا «الزطمة» في وسط الزحمة؟
واسمع عربياً يتكلم في اذاعة لندن -اكثر
الاذاعات سماً وفناً- يقول: ان السعودية اذا لم تشارك في ضرب العراق فلن تنال من
الحصة عند التوزيع شيئاً كما حصل معها في الافغان. ولو شاركت في الضربة لنالت
حظاً! هل تصدق اذنك؟
ونقول لهذا التعيس: هل اذا غداً خطر لامريكا
تقسيم السعودية، لا بد ان تشارك اليمن مثلاً حتى لا تضيع عليها القسمة او حصتها من
القسمة مع اولي القربى واليتامى والمساكين؟! ما هذا المنطق؟ انه ليس الا منطق لا
اقول المهزومين، فالأمة كلها مهزومة، ولكنه منطق الخونة والجواسيس والمجرمين. ثم
ان السعودية شهدت الضربة الاولى في الحرب الاولى فما جنت؟ اننا كما قال شوقي بمعنى
بيته: حضرنا الوغى فكنا الغنائم.
وزعيم عربي كبير -بكل المقاييس- يحذر من ان
ضرب العراق سيستحيل معه ضبط الشارع. فالضربة ليست مشكلة لو ان الشارع سيظل ساكناً!
المشكل اذاً في كيف نضبط الشارع، فأعينونا على ضبط الشارع بتأخير الضربة، او
تقسيطها، فان بيع التقسيط مع الأزمة الاقتصادية يسهل البيع هذه الايام.
وما اكثر الهموم! وما اعجب ما كتب صحفي يعجب
من السبيل لم تلطم الخدود؟ وسؤاله وجيه: فلم يا سبيل تلطمين وسط الزفة والهيصة؟
أعميت يا سبيل عن السبيل وان الدينا فرح وسرور والاشيا معدن والعيشة ملبن وكله
قشطة؟ فما الداعي لشق الجيوب وقرع الاجراس وازعاج المطمئنين الفرحين الهايصين؟
ولست اعجب من كاتب فاهم يقول: كلنا يعرف «يتكلم عن نفسه بنون العظمة»: ان بن لادن
صنيعة او صناعة اسرائيلية «الشك من الراوي»!
كل هذا ليس من موضوعي اليوم. وانما الذي نكأ
الجراح وجود الألم الغائر في النفس من سنين من وضع المسلمين خاصة في افغانستان، ما
نشرته اكثر المجلات تصهيناً في الدنيا: نيوزويك. وانا اكتب هذه الكلمات والساعة
تقترب من الثالثة صباحاً، والنوم لا يواتي، وصور او تصور المجزرة لا يفارق..
والاسئلة تقرع الراس وتطير النعاس: هل هذه خير أمة اخرجت للناس؟ أم انهم كلهم من
جماعة عباس المستحكم خلف المتراس، منتبه يقظ حساس؟ والجواب يعرفه كل الناس!
فقد نشرت المجلة الصهيونية الجذلانة بما جرى،
المتظاهرة بتحري الحقيقة والبحث عنها والمتشفية من كل قلبها وبكل ذرة في كيانها
بتخلفنا وعنفنا على بعضنا. فموضوع غلافها، وبالخط العريض: جرائم الحرب في
افغانستان. وفي عنوان فرعي على الغلاف: في نوفمبر، قتل حلفاء امريكا الافغان خنقاً
مئات من اسرى طالبان المستسلمين في حاويات شحن محكمة الاغلاق. ثم تسأل على الغلاف
وبخط احمر: اين كانت القوات الامريكية؟ وفي الصفحة الاولى تلخيص لما سيأتي داخل
العدد يقول: دفن ما يصل الى (1000) من اسرى طالبان تحت تراب «دشت ليلي» حيث قتلوا
بعد ان حشرتهم قوات التحالف الشمالي داخل حاويات شحن.
وتثير عمليات القتل المرعبة هذه تساؤلات جادة
حول ما تعرفه القوات الامريكية، ومسؤوليتها عن الفظائع التي ارتكبها وكلاؤها.
ويستغرق الملف بعد ذلك من المجلة عشر صفحات
كاملة واشترك فيه ستة من المحررين والكتاب، مرفقة بصور الحاويات وآثار الجرافات،
وبعض صور الاسرى في وضع بئيس جداً داخل الحاويات.
وصور للجنود الذين يعتقلون من بالحاويات،
وكلهم الآسرون والاسرى باللحى والعمائم مما يعكس الحرص على المظهر الاسلامي، وهذا
الذي اجتهد عليه كثير من متكلمينا، أما الدم المسلم الذي هو عند الله اعظم من هدم
الكعبة، فلا مفاهيم مستقرة عنه، واما الولاء للكافرين فلا حديث فيه، واما الصورة
الوحشية التي نعطيها عن المسلم فلا يلتفت اليها.
والآن ألخص بعض ما ورد في التقرير من امور
فظيعة:
منظمة اطباء من اجل الحقوق الانسانية دخلت
سجن شبرغان وصدمها ما رأت، اكثر من (3000) اسير من طالبان الذين استسلموا لقوات
التحالف عند سقوط قندوز، كانوا قد حشروا، مرضى ويتضورون جوعاً في مرفق يتسع
لـ(800) شخص فقط. لكن قصصاً حول فظائع اكثر رعباً جاءت من الاسرى انفسهم. فمهما
كانت ظروفهم سيئة، فهم مازالوا احياء، وقالوا: ان مئات من رفاقهم قتلوا خلال
الرحلة الى شبرغان من قندوز «المسافة اكثر من ثلاثمئة كيلومتر» بعد ان حشروا في
حاويات معدنية مختومة، وتركوا فريسة للاختناق وقد عثر المحقق «هاغلاند» امريكي عل
طبقة من الجثث المتحللة وفي مدى ست ياردات وجدوا(15) جثة، كانت جثثاً جديدة، وكانت
ايدي بعضهم مقيدة، والضحايا جميعهم من الشباب، يقول هاغلاند: انه موقع كبير جداً،
وهناك كثافة عالية من الجثث في الخندق التجريبي قال عزيز الرحمن «اسماء جميلة
منمنمة وحلوة وافعال اجرامية»: اكثر من (1000) شخص قضوا في الحاويات.
ان اموات «داشت ليلي» والطريقة الفظيعة التي
قتلوا بها احد اسرار الحرب الافغانية القذرة وهذه الحلقة اكثر من مجرد فظاعة اخرى
في بلاد شهدت الكثير منها. وتظهر عمليات القتل المشكلات التي ستواجهها الولايات
المتحدة اذا اختارت ان تخوض المعارك عن طريق وسيط، كما فعلت في افغانستان، مستخدمة
اعداداً صغيرة من قواتها الخاصة. الفائدة من خوض حرب بالواسطة في افغانستان كانت
تحقيق نصر رخيص رخيص «التكرار من المجلة».
ويواصل التحقيق بطرح اسئلة حول هل كان الجنود
الامريكان يعلمون؟
ويقول بعد محاولات للتعمية الصحيح ان ناطقين
باسم البنتاغون عتموا على الموضوع، حين ووجهوا بأسئلة عنه، ونقول باختصار معلقين:
ان حقوق الانسان في نظر الامريكان قميص عثمان، يبدونه حيناً ويخفونه في معظم
الاحيان، خاصة اذا كان الامر يتعلق بخونة عملاء يخدمون الامريكان سواء أكانوا من
الافغان أم من العربان أو الغربان؟
ويسأل التحقيق عن المنظمات الدولية -التي لا
تغيب في العادة عن مثل هكذا أماكن- يسأل: أين كانت؟ على انه قد صدر تقرير للأمم
المتحدة بعد مدة من ارتكاب الفظائع يوصي بقوة بألا تقوم نشاطات للبحث عن الحقيقة،
أو محاكمة جنائية، وهيئة لكشف الحقائق، او غيرها كما تقول المجلة. فتأمل. وتنقل
المجلة عن مساعد «دستم» قوله: انهم ماتوا، ولم يقتلوا، ان احداً لم يقتل احداً
وتذكر المجلة ان عدداً من الجنود الامريكان كانوا لصيقين دائماً الى جانب دستم،
مما يجعل التحقيق اكثر حساسية. ونعلق فنقول: من اجل هذا اصرت امريكا على استصدار
قانون دولي يستثني جنودها من التحقيق معهم في جرائم الحرب، ونجحت! وتذكر المجلة ان
مفاوضات الاستسلام حضرها حوالي عشرة من الجنود الامريكا وكانت تنص على ان يعاد
المقاتلون الى منازلهم.
ثم تصف المجلة كيف تم التعاقد مع سائقي
شاحنات الحاويات لنقل الاسرى، وتم وضع (200) في كل حاوية، وايقن الاسرى انهم لن
يعودوا لبيوتهم كما تقول المجلة ثم اغلقت ابواب شاحنات الحاويات، فأيقن الاسرى من
موتهم.
وتقول المجلة انه سبق لقائد شمالي اوزبكي
اسمه مالك بهلوان ان استخدم الشاحنات في القتل عن طريق ترك الحاويات تحت شمس
الصحراء، وقد قتل بهذه الطريقة (1250) عنصراً سنة 97، وعندما فتحت الحاويات وجدوا
ان المساجين احترقوا الي درجة السواد.
وتواصل المجلة: ان بعض المساجين صرخ: اننا
نموت، اعطونا ماء اننا بشر. واستخدم سائق مطرقة وازميلاً في فتح ثقوب في حاويته
فضرب باعقاب البنادق من قبل جنود التحالف. ويسأل سجين احد السائقين: هل كانت مسلم؟
واخرج له لسانه المتشقق من ثقب في الحاوية ليرى كم هو عطشان. هذا حال أمة كانت
توصي بألا يقتل على ايديها حيوان لئلا تدخل به النار!
يا الهي كم تحولت أمة الاسلام؟ أهذه أمة يمكن
ان تحقق شيئاً؟
ويؤكد احد الشهود انه اخبر الامريكيين بما
يجري لكنهم لم يفعلوا شيئاً.. تبرر المجلة بأنهم وصولوا بعد فوات الاوان. ويقول
احد السائقين: ان من بين المئتي سجين في شاحنته لم يتبق احد حياً. ويقول: فتحوا
الباب، وفاضت الجثث كالاسماك. يقول عبد الله احد الناجين: بعد 24 ساعة من العطش
بدأنا نلعق عرق بعضنا: وبدأ البعض يبلل عمامته من عرق زملائه ويشرب عرقهم. يقول
ومما زاد الكرب ان المعظم كانوا مقيدين. واستمرت الشاحنات على هذا المنوال على مدى
(10) ايام. تقول المجلة: وقد ابعدت العيون المتطفلة. ثم وصفت المجلة كيفية الدفن
بالجرافات وتصف المجلة كيف حولت امريكا جنودها المشاركين في فرقة (595) الى
اساطير، وتؤكد ان هؤلاء كانوا مع دستم.
وتختم المجلة تحقيقها ذا الصفحات العشر
بقولها: ربما لا يكون من السهل على الامريكيين الشعور بالشفقة او العطف على أي من
سجناء القاعدة او طالبان. ليس هناك أي مبرر اخلاقي حقيقي للألم والدمار الذي تسببه
الحرب..».
ولسنا نعلق على الامريكان ولا موقفهم
الاخلاقي الذي لا يهتز لقتلانا مثلما لم يهتز لمقتل مليوني عراقي ولا لمجازر الشعب
الفلسطيني.
انما كلامنا كله عن خيرأمة، كيف اصبحت اوحش
أمة وأبأس أمة، واكثر أمة همجية وتخلفاً. الأمة التي كانت آية في الوسطية والرحمة
والانسانية، والترابط والولاء، تصبح على هذا النحو من التوحش والعمالة للاعداء. ثم
أين جهد العلماء؟ أم هل اكتفينا بالتنبيه على ضرورة وفرضية المظاهر من اللحى
والعمائم وتركنا القلوب والجوانب الانسانية في الشخصية؟ هذا درس بليغ للجميع!
وحسرة ترينا كم المسافة هائلة بين الموجود والمنشود! وكم حجم الجهد المطلوب
للنهوض.
ونختم بكلمات من الظلال في هذا المقام في
تفسيره لهذه الآية: كنتم خير أمة: يقول: «هذا ما ينبغي ان تدركه الأمة المسلمة،
لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف انها اخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما
انها خير أمة، والله يريد ان تكون القيادة للخير لا للشر، في هذه الارض. واول
مقتضيات كون الأمة في مركز القيادة ان تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد. وان
تكون لها القوة التي تمكنها من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر».