لقاءات واعتقالات

 

بقلم : فرج شلهوب

farajsh_assabeel@yahoo.com

 

رغم تواصل اللقاءات الأمنية او السياسية من الدرجة الرابعة، بين مسؤولي السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية، وبصورة شبه يومية، الا ان اجراءات الاحتلال العدوانية لم تتوقف، لا بل زادت تفاقماً عبر تكثيف عمليات الاعتقال والاغتيال، لرموز وكوادر المقاومة الفلسطينية، العسكرية منها والسياسية، ودون ادنى اعتبار، لتداعيات هذا التصعيد على مسار اللقاءات الأمنية والسياسية بين الطرفين، وكأن الحكومة الاسرائيلية، وهذا ما صرحت به، لا ترى صلة بين توقيع الاتفاقات الأمنية مع السلطة وتواصل استهدافها للمقاومة، بل هي تزعم ان جوهر الاتفاقات، ينبغي ان يتمخض عن شراكة أمنية مع السلطة لملاحقة المقاومة الفلسطينية، وليس تكبيل يدي الاحتلال في تنفيذ مهمات عسكرية ضد المقاومة.

 

وكشاهد على تصاعد سياسة الاحتلال العدوانية، في الايام الاخيرة، انجز جيش الاحتلال اعتقال العديد من اعضاء القيادة السياسية لحركة حماس، ففي غضون اسبوعين تم اعتقال جمال ابو الهيجا وجمال وعبد الخالق النتشة وحسن يوسف بعد اعتقال جمال الطويل في وقت سابق، في خطوة غير مسبوقة، استهدفت اعتقال القيادة السياسية لحماس في الضفة الغربية.

 

وترافق مع هذا الاعتقال في صفوف حماس اعتقالات اخرى في صفوف الجبهة الشعبية بدءاً من نائب امينها العام الى ثلاثة من اعضاء مكتبها السياسي، واعتقال مروان البرغوثي وقيادات ميدانية من حركة فتح والجهاد الاسلامي، في خطوة تصعيدية استثنائية، شكلت كما يبدو رسالة لا تفتقر الى الوضوح، مفادها انه لم يعد في ظل رئيس هيئة الاركان الجديد موشيه يعلون، وبتفويض من شارون مباشرة، أي خطوط حمراء لاستهداف الرموز الفلسطينية السياسية، وانه لا قيمة لأية استثناءات قد تكون طرحت في دوائر صنع القرار الأمني الاسرائيلي في الفترات السابقة.

 

والمشكلة بعد كل هذا ليس في تصعيد حرب الاعتقالات للرموز السياسية، فهذا امر متوقع، فلم تكن المسألة بالنسبة لاعتقال أي واحد من هؤلاء القادة سوى مسألة وقت، ولم تكن المشكلة متعلقة ايضاً بارتفاع وتيرة الاغتيالات وحرب تدمير البيوت واستهداف ذوي الشهداء، فكل ذلك لم يكن خارج دائرة التوقع، ولكن المشكلة ان تتصاعد اجراءات الاحتلال العدوانية، بينما يستمر مسؤولو السلطة في لقاءاتهم مع المسؤولين الاسرائيليين، وفي اوضاع هازلة لا تدل على ان حرباً تدور بين الطرفين. وفي الوقت الذي يوقف الاحتلال لقاء امنياً، هو في الاصل لصالحه بالجملة، او يؤجله، على خلفية القاء صواريخ القسام على مستوطنة في القطاع او عملية هنا او هناك، لا يجد المسؤولون الفلسطينيون، رغم كثافة القتل والتدمير والاعتقالات ما يبرر التلكؤ في حضور اللقاءات الامنية، التي هي وبدون أية مبالغة، مصلحة صهيونية من الالف الى الياء.

 

واذا كان هذا يحدث، وهو موضع ادانة وتجريم من الجمهور الفلسطيني، فان امراً آخر لا يقل عيباً عما سبق لا يزال يحدث، ويجاهر البعض به، على صفحات الجرائد او من على شاشات الفضائيات وبصورة مزرية لا تخدم الا مصلحة الاحتلال.

 

فماذا يعني التنديد بالعمليات الاستشهادية في هذا التوقيت بالذات، واطلاق التصريحات بتجريمها وتحريمها وطنياً والتبرؤ منها وكأنها الرجس، تحت سقف استمرار الاحتلال وتصاعد جرائمه العدوانية؟! وأي سلاح يملكه الفلسطينيون، وهم في الحصار وتحت القصف انجع من تلك العمليات ليردعوا به همجية الاحتلال، وليوازنوا المعركة معه؟! واذا كان الاحتلال مصمم على تصفية المقاومة والانتفاضة وكل حالات الاحتجاج الفلسطيني، كما يخطط يعلون، ليحقق نصره بالنقاط، بعد ان تعذر الانتصار بالضربة القاضية، فماذا على الفلسطينيين ان يفعلوا ازاء ذلك؟!

 

ان اولئك الذين يكتبون ويتحدثون منتقدين للمقاومة ومنظرين لهزيمة الشعب الفلسطيني واعلان استسلامه، والذين يكررون دعاية الاحتلال بانفضاض الفلسطينيين عن المقاومة، ونجاح اساليب الاحتلال في حصارها وتضييق الخناق عليها، وانها اذى يجب اعتزاله الآن قبل الغد، لا يصنعون معروفاً للشعب الفلسطيني ، وهم في الحقيقة ليسوا سوى ادوات في ماكينة الاحتلال الاعلامية، وعوا ذلك أم لم يعوا. فالشعب الفلسطيني في محنته وحصاره لا يحتاج لحكمة لا تخدم سوى اجندة الاحتلال، ولكنه يصغي جيداً للاصوات الصادقة، التي تعزز الامل في نفوس الشعب، ولا تبيع تضحياته العزيزة في سبيل اتفاق أمني رخيص.

 

لقد اعترف العديد من المحللين الاسرائيليين، ان حكومة شارون ومن سيجيء بعدها لا يملك أي منهم حسم المعركة مع الفلسطينيين عسكرياً او كسر ارادتهم، واصبحت هذه النتيجة لازمة في كل تحليل او مقالة سياسية. وفي المقابل قد لا يكون في ظل اللحظة الراهنة، وعلى قاعدة الاختلاف والانقسام في الصف الفلسطيني بمقدور المقاومة الفلسطينية تحقيق الانتصار على الاحتلال، ولكن على الدوام كان للوقائع، وجهان، ولا يجوز تسليط الضوء على احد وجهي الصورة دون الآخر، لخدمة اهداف وغايات هي بالقطع غايات واهداف، أقل ما توصف به انها مشبوهة، ولم تتطهر من دنس العلاقة مع الاحتلال، عبر الايحاء او الانتفاع أو التمويل او عبر تلقي المعلومة دون فحص واعادة نظر.

 

وحده الشعب الفلسطيني في هذه الساعات، على قرار وغاية واحدة، مسألة لا تحتمل التأجيل، والمراهنة على عقد اتفاق أمني او سياسي مع شارون، لن يجلب السعد والفأل الحسن للفلسطينيين، والصمت حيال جريمة الاحتلال، وتعويق الرد عليها لن يصب الا في تعزيز شعور الاحتلال بأنه يحقق النقاط في مواجهته مع الفلسطينيين ولن يدفعه للاعتراف بأي حق لهم.

 

المطلوب، قلب صفحة اللقاءات الأمنية، والعودة لخندق المقاومة، وصولاً لانجاز حالة من التوزان في مواجهة الاحتلال وقبل هذا، لا يجدي أي حديث، وفي أي شأن مهما كان صغيراً وحتى قريباً من مداس الاقدام.