مازن النجار

 

بقلم :  شعبان عبدالرحمن

 

لماذا تدفن هذه الواقعة الخطيرة هكذا في عالم النسيان؟!... واقعة إخراج البروفيسور مازن النجار من الولايات المتحدة بهذه الطريقة الهمجية، وإلقائه في مطار بيروت بسرعة كما تلقى «الزكيبة أو الشوال»- على حد وصف مازن نفسه - .

 

لقد تعودنا مع سيدة الحضارة - كما تحاول أن تصف نفسها - أن تلقى بنفاياتها السامة في العالم الثالث، دون وازع من قيم إنسانية أو حضارية، وربما تشدقوا في سبيل ذلك بحجج ابتلعها البعض.... أما أن تصل لدرجة لإلقاء البشر بنفس الطريقة فذلك ما يهوي بحضارتهم - أكثر - إلى الدرك الأسفل.

 

ما حدث مؤخرا مع الدكتور مازن جاء خاتمة لسلسلة مريرة من الاضطهاد استمرت ست سنوات ذاق خلالها السجن الانفرادي أكثر من أربع سنوات متواصلة، دون تهمة، اللهم إلا أنه مشتبه به فقط.!

 

ومع أن الرجل أقسم - يومها - أمام قاضي المحكمة الفيدرالية الأمريكية على القرآن الكريم - بصفته مسلما - قائلا: «لا أؤمن بالعنف كسبيل لطرح القضايا ولا علاقة لي بمنظمات إرهابية ..ولم ألمس في حياتي بندقية أو مسدسا».. لكن القاضي الأمريكي قرر يومها (نوفمبر 2000م ) استمرار حبسه دون أن يوجه له تهمة ولكن وفق قانون «الأدلة السرية»، الذي يجمع القانونيون الأمريكيون على عدم دستوريته، بل وصفه البعض بأنه غير أخلاقي وهمجي، لأنه يسمح للمباحث الفيدرالية بإلقاء أي شخص في السجن لأجل غير مسمى ودون تهمة ولكن بناء على بلاغ من مكتب التحقيقات الفيدرالي يفيد بأن هناك أدلة سرية ضده دون بيان ماهية تلك الأدلة!

 

وفي مذكرة قدموها إلى ماري روبنسون مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وصفت ثماني عشرة منظمة أمريكية مدافعة عن حقوق الإنسان هذا القانون بأنه: «يمثل نقطة سوداء في جبين الولايات المتحد ويضعها في مصاف الدول المتهمة بالعنصرية».

 

ولم يشفع - يومها - للدكتور مازن أمام مكتب التحقيقات الفيدرالية شهادات كل زملائه من الأساتذة الأمريكان والتي أكدت استقامته و سمو خلقه وعلمه . ولم يكفهم أكثر من أربع سنوات من الاعتقال لم يعثروا خلالها على تهمة محددة تكفي لتقديمه للقضاء، فكان قرار الإفراج عنه لا ليعود لزوجته وأطفاله الذين هالهم ما حدث ولكن ليلقى خارج البلاد بواسطة طائرة خاصة، دون أن يعلنوا عن تهمة للرجل !

 

وكأن الأصل في السياسة الأمريكية صار أن تفعل الإدارة بقوتها الغاشمة ما تشاء حيال الأشخاص والدول وهي غير مطالبة بتقديم السبب .

 

فتشت عن سيرة مازن النجار فعثرت على تهمته الحقيقية التي كانت وراء كل ما جرى له وهي تتمثل في قيامه بواجبه نحو وطنه الفلسطيني السليب فأسس إلى جوار عمله كأستاذ جامعي مركزا للدراسات والبحوث الذي أصدر مجلة «قراءات سياسية».

 

وقد قام المركز بدور مؤثر في مد الجسور بين النخب الفكرية العربية والغربية وحقق خطوات متقدمة في خدمة القضية الفلسطينية وهو ما أقلق اللوبي الصهيوني الذي لم يتوان عن شن حملة عنيفة ضد مازن النجار ومجلته ومركزه تتهمه بالإرهاب، أي .. خدمة القضية الفلسطينية أو الدفاع فكريا عن الإسلام في مواجهة حملات التشويه التي لا تتوقف !

 

وقد تبع تلك الحملة الإعلامية حملة أمنية من مكتب التحقيقات الفيدرالي أسفرت عن إغلاق المركز ووقف إصدار المجلة ثم اعتقال مازن النجار وفق قانون الأدلة السرية. وليس سرا أن الذي وقف وراء إصدار هذا القانون هو اللوبي الصهيوني، وأن كل ضحاياه هم من العرب والمسلمين أو بالأحرى الناشطون الفلسطينيون من أجل وطنهم المحتل .

 

إن ما جرى لمازن النجار على مدى السنوات الست الماضية يقدم صورة بلا رتوش لحقيقة «أمريكا» قبل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وبعدها .

 

وإذا كانوا يفعلون ذلك مع أستاذ جامعي بريء ومشهود له، فماذا يصنعون مع بقية الناس ..؟

 

ثم ماذا لنا بعد.. في جعبة بلاد «الحرية والإخاء والمساواة»؟ !.