بقلم : د.وليد بن عبد الرحمن الرشودي
إن الله – تعالى- في علاه قد كتب لنفسه الكبرياء والعظمة والعزة
والقوة ومن نازعه شيئاً منها فقد أذن لنفسه بالهلاك . لقد تبوأت أمريكا اليوم
صدارة العالم، وذلك نتيجة لسنة كونية من سنن الله في هذا الكون إنه من جد وجد ومن
زرع حصد لقد شمرت عن ساعد الجد وسارت أياماً وليالي وهي تخطط لهذا المجد فكم لاقت
ويلات في حروبها مع الهنود الحمر ثم الحرب العالمية الأولى ثم الثانية ثم الحرب
الباردة حتى قضت على كل الإمبراطوريات التي عاشت معها أو نافستها فلما سبقت أحبت
الدوام لهذا السبق فوضعت خططها لهذا العالم الذي يعيش آثاره اليوم لقد خطط لأمريكا
ودوامها عباقرة كبار في صنع السياسة والدهاء والمكر ومن أكبر أسباب نجاحها أنها
سوت خلافاتها الداخلية وأرضت شعبها بكل مقاييس الرضا الشهواني مال وجاه وشهوات
وذلك بعد أن أقصت عنهم الدين الذي يكبح جماح الظلم للنفس وللآخرين واستخدمت في ظل
بسط النفوذ الدهاء والمكر والخديعة وهذا ظاهر للعيان حتى غدت حروبها الاستخباراتية
أعظم من حروبها النووية، اليوم تعيش أمريكا أزمات حقيقية لا يمكن أن تتنكر لها،
وهي علامة لبزوغ الفجر بانحسار الظلم وقرب زوال الظالم لو خرج الذي يعدل بين الناس
ويقيم فيهم شرع الله ودينه الذي ارتضاه .والجميع اليوم يعرف أزمات أمريكا الخانقة
سواء كانت في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وأنا هنا أشير إشارات
عجلى بضرب بعض الأمثلة على ذلك .ففي المجال السياسي: 01 لم تغلب أمريكا في حربها
ضد الإرهاب المزعوم، وذلك أن تعريف الإرهاب غير منضبط لديها فلم تحدد هدفها؛ لتنجح
في القضاء عليه . 02 لقد منيت أمريكا بهزيمة نفسية كبيرة في أفغانستان أطارت عقلها
واتزانها فهي لم تقضي على طالبان ولا القاعدة بل أعقبت نكسة كبيرة على نفسها
بالتالي : 01 أفقدت باكستان استقرارها السياسي ولحمتها الداخلية وبسبب تعاون
باكستان معها أثارت فيها التخبط والفتنة وتمزيق الشمل . 02 بدأت تغطي سواد وجهها
في أفغانستان بنقضها لصداقات قديمة لها مثل السعودية ومصر التي مازالت ولن تزال
تكدر صفو العلاقات معها، وذلك خداع لشعبها في استمرار مكافحة الإرهاب أو نشر
العدالة والديمقراطية بين الشعوب وحركت دعوى التعويضات ضد ضحايا سبتمبر وأظهرت
بهذه الدعوى قمة الغرور في تقييمها للتعويضات، حيث جاوزت الخيال وتحاول بذلك ليّ
الأيدي والتهديد بالقوة وهي بذلك تخسر حتى آخر الرمق الذي بينها وبين الآخرين ،وهي
بهذا تعمل تصفية حسابات مع الآخرين في حين أنها لا تجد بدليلاً لها إلا إن كانت
تريد إعادة عهد الاستعمار العسكري الذي بدأته في أفغانستان وتحاول أن تثنيّ
بالعراق. 03 أيقظت الضمير الإسلامي تجاه جرائم أمريكا في العالم بأسره وأحيت مشاعر
البغض والكراهية في نفوس المسلمين بكل ما هو أمريكي، وذلك بسبب الحرب التي لا
هوادة فيها على كل ما هو مسلم وإذلالها للمسلمين . 04 لقد فشلت أمريكا في حل
الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط ومحاولة منها لحجب الأنظار عن تغاضيها عن
الظلم اليهودي شنت حربها على القيادة الفلسطينية لتخادع شعبها لا غير في أنها تسعى
لحل القضية أما الشعوب الأخرى فقد أيقنت أن الصف اليهودي والأمريكي واحد لا يمكن
أن ينقسم . 05 فكرة حرب العراق ومسمار جحا واحد فكلما ما انهزمت أمريكا في ميدان
حركت قضية العراق واضطهاد النظام لشعبه وكأنها لم تعلم بذلك إلا بعد حادث 91 وكانت
قبل ذلك بأربع سنين وكأنها لا تعلم أن نظام البعث كنظام البيت الأبيض في ظلم الناس
. 06 فتحت على نفسها أبوابًا كثيرة من المنافسة لها وأعادت أوراقًا قديمة سيما مع
الصين وروسيا . أما على الصعيد الاقتصادي فإن أمريكا تدهورت تدهوراً سريعاً بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر في مجال المال والأعمال، فانهيار شركات كبرى ومصارف مالية
وصلت أوجها، ودخلت الإدارة الأمريكية بأعلى مستوياتها طرفاً فيها وازدادت نسبة
البطالة وقل الدخل العالم، وهذه الأمور تؤثر على أمريكا أكثر بكثير من فشلها
السياسي، وذلك أن الشعب الأمريكي عبد للدينار والدرهم فمتى ما مست آلهته بسوء
انقلب على من مسها بسوء .أما على الصعيد الاجتماعي فالتفكك والرذيلة والاكتئاب
والقلق حتى إن من يموت بالانتحار ضعف من يموت بالأمراض.وأرقام منظمة القمة
العالمية تشير إلى خطورة الأمر ففي عام 1973م كان عدد المصابين بالاكتئاب في
العالم 3% وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 5% في عام 1978م، كما أشارت بعض الدراسات
إلى وجود فرد أمريكي مصاب بالاكتئاب من كل أربعة، وأمريكا مقبلة على نكسة اجتماعية
خطيرة سيما مع انتشار الشذوذ وكثر اللقطاء وقلة الزواج. أما بعد :فما هي الأسباب
التي دعت إلى هبوط أمريكا إلى هذه الهوة السحيقة والفشل الذريع والموت البطيء فمن
وجهة نظري أنه للأسباب الآتية :01 إن انكسار أمريكا سنة شرعية كونية فالله لا يحب
الظالمين ومن سننه أن يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يكن يفلته وأنه ما كتب لشيء
علواً إلا ويضعه يوماً ما . 02 إن من عاش صنع أمريكا ونجاحها عاش الويلات التي
سبقتها فهو لم يهنأ بأمن تام ولم يأكل بملعقة من ذهب منذ نعومة أظفاره بل عاش
الخطر وعاين الموت يوماً بعد يوم ولم يدر الحرب من طاولته البيضاوية في البيت
الأبيض والجنود يموتون في أفغانستان، بل خاضها بنفسه وعاشها بجسده، أما اليوم فمن
يدير أمريكا قد عاش حياة الترف ولم يعرف حياة الشدة فلذلك لا يستطيع أن يقاوم
الشدة إذا حلّت به إلا بالتخبط والتفكك . 03 اللوبي الصهيوني لعب لعبته وتمكن من
أعلى الهرم في الإدارة الأمريكية، وما كانت الصهيونية يوماً لتعمل لحساب أحد ما،
بل هي تستخدم ولا تُستخدم فلذلك أحبت أن تبين قدرها عند الإدارة الأمريكية وتثبت هيمنتها
عليها لتظل محتاجة لها . 04 الكبر والغرور اللذان سيطرا على الأمريكيين وهذا ظاهر
في الحالة الراهنة بينهم وبين العراق . 05 اعتقادها أنها لا تغلب وأن ما تريده لا
بد أن يكون، فها هي في يوم 18/8/2002 تنادي أن من لم يكن مع أمريكا ضد العراق فهو
عدو لها كما أفادت بذلك صحف أمريكا. هذه إشارات عجلى حول وضع أمريكا الراهن، وما
هي مقبلة عليه ظهرت لي بعد متابعة جادة بمجريات الأحداث، وأن هذا الظلام قد اقترب
انقشاعه وأن ساعة العدل والرحمة للناس قد اقتربت لو أحسن أهلها قيادة دقائقها
وقاموا بواجبهم تجاهها فقد خاف منهم الناس ونصروا بالرعب فأين العاملون لهذه
الساعة سيما إذا تكاتفت الشعوب في نصرة دينها وإظهار ولائها له .