المراسلة
بين
أبي
الأعلى المودودي ومريم جميله
ترجمة
د . محمد لقمان السلفي
إعداد
:
سميه عبد الرحمن
هذه
رسائل تحمل قيمة خاصة ، فقد كانت بين الأستاذ أبي الأعلى
المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند ( ثم في
باكستان ) وبين فتاة أمريكية اهتدت إلى الإسلام .
سترى
فيها – أيها القارئ العزيز – نفس ما تعيشه من مشاكل ..
وكأنما ندور في حلقة مفرغة .
وستكشف
لك أن الكثير مما تسمع حولك إنما هو زيف منظم وجِّه إلى عقلك ليحل محل قيمك الحقيقية .. ودينك
.
وسوف
نوالي بإذن الله تعالى نشر الكتاب تباعاً على صفحات جريدة الشعب الغراء ..
مقدمة
مريم جميله
عندما
بدأت في قراءة متواصلة ومركزة – وأنا في التاسعة عشر من عمري – للدراسات الإسلامية
التي كانت ظهرت آنذاك بالإنجليزية ، بُغيَة التزود
بالمعلومات المفضلة عن حقيقة المسلم وللحصول على المعلومات عن الأحداث التي كانت
تجري في البلدان الإسلامية أوسع مما كانت تُنشَر في الجرائد والمجلات ، شرعت في
مراسلة عدد من الشباب في البلدان العربية وفي باكستان .
ولكن
جُلّ أولئك الأصدقاء ( بالمراسلة ) لم يسايروني طويلاً ،
إذ انتابني سريعا اليأس الشديد ، لحياتهم الغربية واللامبالاة ، ولمخالفتهم الصريحة
في بعض الأوقات لعقائد الإسلام ومدنيته ، ولعقولهم الصبيانية .
وبدا
لي أخيرا أن أراسل ناضجي الأفكار وزعماء المسلمين ذوي النفوذ والكلمة المسموعة ، وبالأخص العلماء منهم .
واستطعت
إلى نهاية عام 1960 م أن أتبادل الرسائل مع الدكتور فاضل جمال رئيس الوفد العراقي
السابق لدى الأمم المتحدة ، والدكتور محمود هيله مدير المركز الإسلامي بواشنطون آنذاك ، والمرحوم الشيخ
محمد البشير الإبراهيمي رئيس العلماء
بالجزائر والرأس المدبر لحركة التحرير فيها للتخلص من هيمنة الاستعمار الفرنسي ،
والدكتور محمد البهى من جامعة الأزهر ، والدكتور حميد
الله في باريس ، والدكتور معروف الدواليبي : المرجع
المعروف في الشريعة الإسلامية وأستاذ علوم الشريعة بجامعة دمشق ورئيس الوزراء
السابق بسوريا ، والدكتور سعيد رمضان رئيس المركز الإسلامي بجنيف . وكنت أبذل
قُصارى جهدي حتى أتمكن من الاتصال بالشهيد سيد قطب ، الذي
كان يقضي حياته منذ مدة طويلة في سجن مصر .
وكانت
نشاطات الشهيد حسن البنا وجماعة الأخوان المسلمين قد حظيت بشهرة
واسعة في صحافة نيويورك (ولو على سبيل الاستهزاء والازدراء) أما الشيخ المودودي والجماعة الإسلامية ، فلم تكن جلبت إلى ذلك الوقت
انتباه العلماء في أمريكا والصحافة فيها . ومع أنني كنت من مدة طويلة أدرس بنهم
جميع الكتب والنشرات الإنجليزية التي كانت تقع عليها يدي في الموضوعات الإسلامية ،لم أسمع قط عن
الشيخ المودودي
، ولم أعلم شيئاً عن الجماعة الإسلامية ، حتى قرأت مقالة السيد مظهر الدين
الصديقي في كتاب "الإسلام هو الطريق المستقيم "الذي قام
بطبعه كينيث مورجان في مطبعة
مورجان بنيويورك في 1958م.
وعندما
اطلعت بصدفة محضة ، على مقالة رائعة للشيخ المودودي
في مجلة "مسلم دائجست " التي كانت تصدر في مدينة دربن
بجنوب أفريقيا ، رأيتني فجأةً مرغمةً على مراسلة هذا الشخص الذي كان يتمتع بميزاته
غير العادية . فكتبت إلي مدير المجلة المذكورة أطلب منه عنوانه
.
وكتبت
إليه رسالتي الأولي ولم أكن أتوقع أكثر من رد مقتضب وحيد يعبر فيه عن مشاركته إياي
في الأفكار ، ولم يكن آنذاك قد خطر ببالي أن هذه المراسلة
سوف يكون لها تأثير حاسم في تاريخ حياتي كلها .
ولم
يكن العلامة المودودي في حاجة إلي إقناعي بقبول الإسلام ، إذ أنني كنت على وشك الدخول في الإسلام ، وهو لا يعلم
، كما أنه لم يكن له أثر قوي على حياتي العلمية ، إذ كنت بدأت في كتابة المقالات في
الدفاع عن الإسلام قبل أن نتعارف . وكانت أفكاري قد تأسست على قواعد ثابتة قبل أن
يعرف أحد منا الآخر . ولكن لابد من الاعتراف بأن هذه
المراسلة وما ترتب عليها من التوسع في المعلومات والتبصر في الآراء زادتني عمقاً في الأفكار ونضجاً فيها ووضوحاً في الأسلوب .
وينبغي
للقارئ الكريم (عند قراءة هذه الرسالة ) أن يكون أمام عينيه الظروف التاريخية التي
كان يمر بها العالم آنذاك . فقد كانت رئاسة الولايات
المتحدة الأمريكية يتولاها الرئيس جون كنيدي. وكانت
أمريكا قد بلغت الذروة في القوة السياسية والازدهار الاقتصادي
.وكانت الحرب الباردة بين روسيا الشيوعية تحت قيادة خروشوف وبين الديموقراطية الغربية قد أخذت في الانتهاء . وفي باكستان كان الرئيس أيوب خان يحكم البلاد بلا
منازع ، ولحماية دكتاتوريته كان قد نفذ الحكم العسكري ،
وحظر جميع الأحزاب السياسية كما حظر الجماعة الإسلامية . وكان العلماء المخلصون
يخوفون ويلقى في قلوبهم الرعب ، لئلا يتعرضوا بالنقد
لنظامه المستبد المخالف للإسلام عن الأحوال الشخصية ، الذي كان قد طبقه في البلاد
على رغم المعارضة من الأغلبية الساحقة للشعب المسلم .
أما
أنا فقد كنت آنذاك أجتاز مرحلة المراهقة المملة المليئة بشعور الوحدة وفتور الهمة
بعد ثلاث سنوات ونصف سنة متتالية في التحليلات النفسية .
وكانت هذه السنوات غالية في الثمن ولكنها لم تعد بفائدة .
وقضيت سنتين أخريين في المستشفيات ، أبحث عن وجودي وعن
مكانتي في الحياة . وفي هذه الفترة العصيبة من حياتي ،
أنعم الله على أن هيأ لي الشيخ المودودي فرصة عظيمة
لأعيش حياة مفيدة . لقد أوجد لي أرضاً خصبةً لتنمية الأفكار وللتعبير عنها في صورة
كاملة واضحة .
14جمادي
الثانية 1389هه
28أغسطس 1969م
مريم
جميله
رسالة
مريم جميله الأولى
نيويورك
5/12/1960م
فضيلة
الشيخ المودودي
لقد
قرأت مقالتكم " الحياة بعد الممات " التي نشرت في مجلة " مسلم دائجست " الصادرة في دربن بجنوب أفريقيا
، فوجدتها بالغة في الروعة ، وأستطيع أن أقول إنني لم اقرأ قط ما يقنعني في
هذا الموضوع مثلما أقنعني هذا المقال . وعندما قرأت عنكم أول مرة في مقالة السيد
مظهر الدين الصديقي عن المسلمين في باكستان ضمن الكتاب
(الإسلام هو الطريق المستقيم ) الذي قام بطبعه كينيث
مورجان في مطبعة رونالد
بنيويورك عام 1958م ، وجدتني في وئام تام معكم في الأهداف
وإن كان الكاتب –لكونه عصريا متحضرا _قد ذكركم بازدراء واستخفاف
.
وقد
اكتشفت في العام الماضي أنني أريد أن اُجند نفسي للجهاد
ضد الفلسفات المادية _العلمانية والقومية _ اللتين قد انتشرتا في العالم بشكل مخيف ، وأخذتا تهددان وجود الإسلام بل بقاء البشرية بأجمعها .
وقد
كتبت لهذا الغرض مقالات عديدة ، نُشِرَت ست منها في مجلتي
"مسلم دائجست " المذكورة و "اسلامك ريويو" الصادرة في ووكنج بانجلترا . نشرت مقالتي الأولي بعنوان
: نقد كتاب " الإسلام في التاريخ الحديث " للبروفيسور ويلفريد كانت ويل اسميت مدير المعهد
الإسلامي بجامعة ميك جيل في مونتريال . وقد فندت فيها
آراءه المزعومة بأن العلمانية والثقافة الغربية تتفقان مع الإسلام ، وبأن الإصلاحات التي قام بها كمال أتاتورك في تركيا
تقدم نموذجاً رائعاً ، ينبغي للبلاد الإسلامية أن تحتذيها أما
مقالتي الثانية فقد كانت بعنوان " القومية خطر يهدد الوحدة الإسلامية " . وقد تصديت
فيها للكشف عن مدى مخالفة المفهوم الجديد للقومية ومعارضته للأخوة الإسلامية العالمية .
أما
مقالتي الثالثة التي نشرتها مجلة "مسلم ريويو " في عددها
الصادر في يونيو عام 1960م ومجلة " مسلم دائجست " في
عددها الصادر في أغسطس من العام المذكور . فقد كانت رداً
على مزاعم السيد آصف علي فيفي
، نائب رئيس جامعة كشمير ، التي تتلخص في الدعوة
إلي " إسلام غربي " يتكون بعد إدخال إصلاحاته المزعومة في الإسلام القديم ومراعاة
جانب التسامح الكثير فيه حتى يصبح تفاهات أخلاقية فارغة
لا تقوى على التأثير في تشكيل المجتمع والثقافة .
وقد
كانت المقالات الأخرى تتضمن رداً على عالم الاجتماع التركي " ضيا كوك الب " الذي حاول أن يخدع
قراءه بأن القومية والعلمانية تتفقان مع الإسلام (وهو الذي استوفى منه أتاتورك
أفكاره ) ورداً على السير سيد أحمد خان الذي مجد _ إرضاء للحاكم القوي _ العلوم
الإدارية وفلسفتها في القرن التاسع عشر ، ورداً على مقالة
" الإسلام وأصول الدولة " للسيد علي عبد الرازق ، والتي كتبها فور انهيار الخلافة
العثمانية، محاولاً أن يثبت أن الخلافة لم تكن قط جزءاً مكملاً للإسلام ، فيجب فصل
الدين كليا ولأبد الآباد عن الدولة .وقد رددت في بعض المقالات على الرئيس حبيب
بورقيبة الذي اعترض في العام الماضي على صوم رمضان بأنه العائق دون النمو الاقتصادي
في تونس . وفي بعضها الآخر رددت على الدكتور طه حسين
المفكر المصري الكفيف والمؤلف الذي قال في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر "إن مصر
جزء لا يتجزء من أوروبا ، إذا لابد فيها من حضارة غربية
وعلمانية كاملة .
ولا
شك أن هؤلاء التقدميين المسلمين المزعومين أشد خطراً على الإسلام من الأعداء المكشوفين ، وإذ أن هجماتهم موجهة إلي أسس الإسلام الجذرية .
وهدفي من وراء كتابة مثل هذه المقالات إنما هو تنبية
المسلمين على هذه الحقائق .
وقد
استمد العالم هذه النظريات المعاصرة مثل العلمانية والقومية والمادية من الفلاسفة "
فولتير " و" روسيو " و" مونتي كويكس " والآخرين
أمثالهم ، الذين كانوا باعثين على الانقلاب
الفرنسي .
إن
هؤلاء المتعصبين المبغضين لجميع الأديان هم الذين ارتكبوا جريمة نشر العقيدة بين
الناس بأنه يمكن للإنسان أن يترقى ويحظى بالنجاة من دون الصلة بالله . وهذا التضليل بأن المرء لا يحتاج إلي الله وبأنه لا
حياة بعد الموت هو الذي ساق كثيرا من الناس إلي الاعتقاد بأن الازدهار المادي في
هذه الحياة هو الغاية المثلى التي يجب أن تسعى إليها
البشرية كلها . ولم يمكن للعقائد الزائفة مثل الماركسية
والفاشية والنازية والذرائعية التي أشهرها جون ديوى والصهيونية التي خلقت الكارثة الفلسطينية ،
لم يمكن لها أن تشق طريقها
إلي الأمام إلا بخلق هذا الجو اللاديني المحض . إنني أعزم على كتابة مقال مسهب في هذا الصدد (أنظر مقالتي
:المصادر الفلسطينية للمادية
الغربية في كتابي : " الإسلام ضد التغرب ".
ولعلكم تستغربون :من
أكون أنا ؟إنني
امرأة أمريكية شابة ،أبلغ ستاً وعشرين سنة من العمر . وقد أعجبت بالإسلام إعجاباً جعلني أعتقد
فيه أنه المنقذ الوحيد للعالم . لذا أريد أن أدخل في
حظيرتة. ومشكلتي الكبيرة أنه لا يوجد مسلم في الضاحية
التي أسكنها من ضواحي نيويورك ، فالخوف الذي يراودني أنني
أشعر بعد الإسلام بعزلة مخيفة ، الأمر الذي دعاني إلي أن أطلب من مدير مجلة "مسلم
دائجست"التي نشرت لكم فيها مقالة "الحياة بعد الممات " ،
عنوانكم ، آملةً أن تراسلوني في المستقبل .
أرجو
إرسال بعض النماذج من كتاباتكم ، وبالأخص الكتيب الذي
ألفتموه قبل سنوات بعنوان : أسس الحركة الإسلامية ، لأننا متحدون في الأفكار ونعمل
لأهداف مشتركة .إنه يسرني أن أكون على صلة بكم وأن أتعاون معكم بقدر الإمكان في جهادكم .
مع
بالغ الاحترام لكم :
مرجريت
ماركس
*********************
رد
الأستاذ المودودي على الرسالة الأولى
لاهور
21/يناير /1961 م
الآنسة
ماركس
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته :-
وصل
كتابك المؤرخ في 5/12/1960 م هنا بعد أن غادرت إلى المملكة العربية السعودية إجابةً
لدعوة وجهت إلي من الملك ابن سعود الذي يريد إقامة جامعة إسلامية بالمدينة المنورة
وكان الغرض إعداد مشروع للجامعة المذكورة ،فبقيت من أجله
خارج البلاد لمدة شهر تقريباً . وبعد
العودة تلقيت خطابك والقصاصات الثلاث لمقالاتك . ولا
أستطيع أن اعبر لك عن مدى فرحي وسروري البالغين بقراءة رسالتك والمقالات المنوه
عنها .
وتلاحظين
أنني خاطبتك قصداً في بداية رسالتي بالسلام عليكم ،
بالتحية التي تخص المسلمين وحدهم ، وذالك ليقيني أنك الآن مسلمة فعلاً ، وإن كنت
تقولين أنك حتى الآن لم تجتازي مرحلة التفكير في الإسلام . لأن الشخص الذي يؤمن
بوحدانية الله وبأن محمداً خاتم أنبيائه وبأن القرآن كلامه ويعتقد في الحياة بعد
الممات ، فإنه مسلم حقيقةً من دون أن يؤخذ في الاعتبار
بأنه مولود في بيت يهودي أو مسيحي أو وثني . وإن أفكارك لخير شاهد على أنك تؤمنين
بالحقائق المذكورة . لذا اعتبرك مسلمة وأختاً لي في العقيدة . فلا معمودية ولا طقوس خاصة أمام الأسقف يحتاجها
الإنسان للدخول في حظيرة الإسلام . فإن كنت تعتقدين بصدق
الإسلام وحقيقته فلا عليك إلا أن تعلني برسوخ أنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده
ورسوله . ثم ينبغي أن تختاري اسماً إسلامياً (مثل عائشة
أو فاطمة ) وأن تعلني للعامة دينك واسمك ليعلم العالم الإسلامي بأجمعه أنك أصبحت فرداً للأخوة الإسلامية العظيمة . ويجب عليك أن تؤدي في كل يوم وليلة خمس صلوات مفروضة ، كما يجب عليك
أن تطيعي بإخلاص الأوامر الإسلامية الأخرى .
إنني
لأجدك على باب صرح الإسلام ، وأن خطوة ثابتة إلي الأمام
تدخلك في صف المسلمين . واعتقد أن هذه الخطوة إنما تكون نتيجة طبيعية ومنطقية لما
تحملينه من الأفكار . إن مساعدي الخاص قد أرسل لك كتيبات
عديدة . منها الكتيب الذي أشرت إليه
. وها أنا أرسل لك أخرى غيرها من مؤلفاتي .
إنني
حينما قرأت مقالاتك رأيتني كأني أقرأ أفكاري الخاصة .
وأتوقع أنه ينتابك نفس الشعور عندما تقرئين كتبي . وذلك
على الرغم من عدم معرفة حصلت بيننا سابقاً . فلا شك أن
هذا الاتفاق التام والاتحاد في الأفكار دليل على أن كلاً منا قد استقى أفكاره من
منبع واحد .
هؤلاء
المسلمون المتغربون الذين أنت تتأسفين على افتقادهم الروح الإسلامية ،إنهم لأسوأ إنتاج للاستعمار الغربي في البلدان
الإسلامية . الصدمة الكبرى التي وجهها إلينا الاستعمار لم تكن في ميدان السياسة أو
الاقتصاد ، بل كانت موجهة إلي أعماق أدمغتنا وأرواحنا .
وقد أوجد هذا الاستعمار في أوساطنا عبيداً قلوبهم متعلقة بالغرب حتى بعد الحصول على
الاستقلال السياسي .وهم يطيعون أسيادهم ويتبعونهم خطوة
خطوة بكل خضوع. وهذه النظرية تدعونا إلي
القول بأن حرب الاستقلال لم تنته بعد ، إذ أننا في حرب
طويلة الأمد ضد هؤلاء الغرباء الوطنيين .
والآن
لا يسعني إلا أن أعبر لك عن مدى استغرابي الشديد من أمر واحد
.إنني أريد أن أعرف بالاختصار عن الكيفية والمكان الذي استطاعت فيه امرأة
أمريكية شابة أن تحظى بهذا الإدراك الحقيقي الواضح للإسلام
. فهل يمكنك أن تكتبي لي قصة مختصرة لارتقائك الفكري
.
إنني
أدرك تماماً مدى ما تشعرين به من الوحدة والعزلة لعدم وجودك في مجتمع إسلامي . ولاشك أن المسلم الصحيح تتأذى روحه من أن يعيش في بلد
غير إسلامي . ولكني أعتقد أنه يهون عليك مصيبتك أن تعلمي
أن كل مسلم مخلص في دينه يشاركك في هذا العالم المعاصر في الشعور
بالوحدة والانعزال ، ولا فرق بينهم إلا في الدرجة أو الشكل .
وإذا
سنحت لك فرصة لزيارة باكستان ، فإنه يسرني جداً أن أراك
وأن أرحب بك كضيف . وكم يسرني وعائلتي أن تأتي إلينا وتصومي معنا شهر رمضان الذي
يبدأ هذا العام في 17 فبراير وينتهي في 18 مارس . وأنا
أكون في لاهور إلي نهاية شهر مارس ، أريد بعده السفر إلي
افريقيا لإقامة جمعية فيها للدعوة الإسلامية إن شاء الله
وفي نهاية شهر مايو أعود إلي لاهور ، وأبقى فيها بقية السنة كلها ، فمتى ما وصلت
تجديني في بيتي .
أخوك
في الإسلام :
أبو
الأعلى
*********************
رسالة
مريم جميله : الثانية
نيويورك
:
31/يناير /1961 م
فضيلة
الشيخ المودودي :_
وصلتني
منذ أيام هديتكم ، الكتب والنشرات الإنجليزية التي كانت
عبارة عن مكتبة صغيرة . أشكركم عليها شكراً جزيلاً . إنني
احتفظ بها دائما كذخيرة غالية . ووصلني بالأمس كتابكم
الذي تقولون فيه إنكم قرأتم مقالاتي فوجدتموها كأنها أفكاركم
. وأرى أن أؤكد لكم أنني أيضاً عندما قرأت الكتب والنشرات الإنجليزية التي
أرسلتموها إلي تصورت كأني أقرأ أفكاري الخاصة ، إلا أنها كانت معبرة ً
بقوة أكثر وبشمول أتم حيث تمنيت أن أستطيع التعبير بمثله في يوم من الأيام
.
وقد
نشرت لي في هذه الأيام مقالتان أخريان : الأولى :
عن شعر العلامة محمد إقبال ، الرجل الوحيد في العالم الإسلامي المعاصر كله ،
الذي استطاع أن يعبر في الأشعار ، مع المحافظة على الروعة الفنية ، عن المعني
الحقيقي لكلمة " المسلم " . أما الثانية التي عنوانها " المنابع الفلسفية
للمادية الغربية " ، فقد تتبعت فيها نشوء المادية الغربية من بدايتها بنهضة الحضارة
اليونانية القديمة إلي أوجها المتمثل في النظريات الحديثة مثل الشيوعية . وقد حاولت
أن أثبت فيها أن الشرور التي نشاهدها اليوم إنها لنتيجة منطقية للاتجاه الفكري
الممتد على خمسمائة سنة ماضية . فإن جميع الزعماء الرواد
للفكر الغربي كانوا ماديين متحمسين . بل الحق يقال : إن الفكرة الأساسية للحضارة الغربية الحديثة كانت القدرة
ضد الكنيسة بل ضد الأديان والأقدار الروحية كلها وبهذا نعلم أن المادية جزء من الروح
الحقيقية للغرب ، وأن زعماء آسيا وأفريقيا ، كما أوضحتم
في كتبكم ( القومية والهند ) قد ارتسخ في قلوبهم
الاحتقار لمواريثهم القومية وأشرب في قلوبهم حب الفلسفة المادية . وهم _مفعمين
بالبغض والغيظ تجاه سادتهم الغربيين السابقين _ يقذفون النفايات في وجوههم. وهذا_ على ما أعتقد _ تعبير عن
ثورة عنيفة تتخذ طريقها في آسيا وأفريقيا ، وبالأخص في
كونغو، إلي الأمام . وأنا خائفة عليكم بعد ما قرأت من وجود العنف في أفريقيا .
إنه
يؤلمني جداً أن أقرا عن بلدان إسلامية ، مثل الجمهورية
العربية المتحدة ، أن تقلد _ مهانة ذليلة _ روسيا الشيوعية والصين في سياساتها
الخارجية شيئاً يمكن أن يقال عنه إنه
إسلامي . ويجوز أن يستبشر مسلم ساذج بالجهود التي يبذلها عبد الناصر لنشر دعوة
الإسلام في أفريقيا ، ولكن
الأمر الذي لا يشوبه ريب أنه لا يهمه
نشر الإسلام بقدر ما يهمه أن يستغل اسم الإسلام كشعار للدعاية عن نفسه وإثبات عظمته
وشهرته في قلوب الناس
إنني
أعتقد بإخلاص وجزم أن مفهوم الإسلام الذي قدمتموه في كتابيكم
: " مبادئ الإسلام " "ونظام الإسلام وشريعته " وفي الكتب الأخرى التي تفضلتم
بإرسالها إلي إنه المفهوم الصحيح له ، وأرجو أن لا أتهم
بضيق الفكر من أجل هذا الرأي .
إنني
اكن الاحترام لكم ولما أنتم تعملون
، لأنكم تدعون إلى الإسلام الخالص ، ولا ترضون التعديل فيه إرضاءً للنزوات
العصرية أو الزيادة فيه بالفلسفات الغربية . وإنني أعتقد _ كما أفهم من شرحكم
لمفاهيم الإسلام _ أنه الطريق المثلي للحياة وأنه السبيل الوحيد إلي الصدق . ولكن المؤسف أن كثيراً من المسلمين لا يوافقوننا فيه .
لقد
التقيت في مناسبات كثيرة مع طلبة مسلمين يدرسون في كليات نيويورك وجامعاتها ، يحاولون أن يقنعوني أن كمال أتاتورك كان مسلماً
مخلصاً ، وأنه لابد أن تدخل التعديلات في الإسلام حتى يصبح وفقاً للنظريات المعاصرة
، وأن ينبذ كل مبدأ أو عمل إسلامي يضاد الحضارة الغربية
. وهم يرون هذا التفكير وما شاكله حرية وتقدماً . والذين يفكرون كما نفكر نحن
، فهم الرجعيون عندهم والمتعصبون الذين يأبون أن
يواجهوا حقائق العصر .
والنقطة
الهامة في كتابكم " القومية والهند " التي تستحق أن يشار إليها
، هي معارضتكم لاستعمال المسلمين الزي الغربي . وقد لا يهتم به الكثيرون لكونها أمراً تافهاً في
نظرهم ،ولكني أعتبرها بالغة الأهمية .ألم يقل الرسول صلى
الله عليه وسلم : إن من تشبه بقوم فهو منهم . أري أنه ينبغى للمسلمين أن يشعروا بالفخر والعزة في التعبير عن هذه
الحقيقة بمظاهرهم المميزة . ولذا إذا رأيت زعيماً مسلماً لابسا الزى الغربي وحالقاً لحيته
فأنا أعتبره ناقص الإيمان ، إذ أنه بلباسه يقوم بدعاية أمام
العالم أنه خجل من شخصيته الحقيقية . هل قرأتم كتاب " الإسلام على مفترق الطرق "
لمحمد أسد الذي تطرق للموضوع وأطال فيه . وليس من الغرابة
في شيء أن تندهشوا من قبول الإسلام من بنت تربت في بيت أمريكي عصري نموذجي . أنا اذكر لكم الآن كيف وقع هذا
.
عندما
كنت أدرس _ وأنا في العاشرة من عمري _ في مدرسة الأحد اليهودية الإصلاحية ، تأثرت سريعاً بالتاريخ الحزين لليهود . وقد أعجبني
بصفة عامة تاريخ إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق ، إسحاق
الذي كان يعتبر أباً لليهود وإسماعيل الذي كان أباً للعرب. فإنه فضلاً عن أن اليهود
والعرب كانوا يرجعون في الأصل إلي أسرة واحدة ، كان
تاريخهم يتلاحق في فترات كثيرة من العصور . وعلمت أن اليهود مارسوا أروع حياتهم
الحضارية اليهودية تحت ظل الحكم الإسلامي ، وبالأخص في
أسبانيا .
ولجهلي
بطبيعة الصهيونية المنحوسة اعتقدت بسذاجة أن يهود أوروبا عائدون إلي فلسطين ليكونوا
ساميين حقيقيين مرة أخري ، وليعيشوا مثل العرب . وكنت في
انفعال شديد وأمل أن يتحقق التعاون بين العرب واليهود لإيجاد عصر ذهبي كما وجد في
أسبانيا .
وقد
ابتليت خلال مراهقتي بما سبب لي المقاطعة الاجتماعية في المدرسة
، وهو أنني كنت أبذل جُلَّ أوقاتي في قراءة الكتب بالمكتبة ، كما أنني لم
أكن أرغب في الجنس الأخر وفي الاحتفالات والرقصات والأفلام والملابس والحلي
والمستحضرات التجميلية . وكنت أرى أن التدخين عادة سيئة
متبذلة وإضاعة للمال . ومع
اعترافي بأنه لابد للإنسان أن يشرب الخمر في الحفلات ليكون مقبولاً من المجتمع . وكان والداي يريان أن
الشرب باعتدال من الأشياء الطيبة اللازمة للحياة ، لم أمس
الخمر قط . ولما أنني لم أكن أتصل بالبنات والأولاد الذين هم في عمري ، لم يكن لي أصدقاء طيلة الثماني عشر سنة التي قضيتها في
المدارس المتوسطة والثانوية .
وقد
التقيت _ أثناء دراستي في السنة الثانية بجامعة نيويورك _ ببنت شابة من عائلة
يهودية كانت عقدت عزمها على الدخول في الإسلام . وكانت _ مثلي _ تحب العرب حباً عاطفيا. فعرفتني على كثير من أصدقائها العرب والمسلمين في
نيويورك . وكنت أنا وهي نحضر الدروس التي كان يلقيها الحاخام اليهودي ، والتي كان موضوعها " اليهودية في الإسلام " وكان
يحاول أن يثبت لطلبته تحت شعار "مقارنة الأديان " أن كل صالح في الإسلام مأخوذ
مباشرة من العهد القديم ، التلمود والتفسير اليهودي للتوراة . وكان الكتاب المقرر
الذي ألَّفه الحاخام المذكور يتضمن السورتين الثانية
والثالثة من القرآن الكريم ، يتتبع أصول كل آية من
مصادرها اليهودية المزعومة . وبالإضافة إلي هذا كانت الصهيونية تبث أفكارها بكل
حرية عن طريق الدعايات في الأفلام والمقطوعات الملونة التي كانت ترحب بالدولة الصهيونية . ولكن الأمر الذي يدعو إلي الاستهزاء
والاستغراب أن المنهج المذكور بدل أن يرسخ في ذهني تفوق اليهودية على
الإسلام ، أوجد في أفكاراً مضادة . وبالرغم من أن العهد القديم يحتوي على أفكار
عالمية عن الإله ونظم أخلاقية عالمية نشرها الرسول بين الناس
، فإن الصهيونية حافظت دائماً على طبيعتها للقبلية الضيقة . وبالرغم من وجود
بعض الأفكار الجيدة في الكتب اليهودية ، فإننا نجدها
كتباً في تاريخ اليهود ، وأن إلههم إله قبلي خاص بهم ، وقد وجد الأبرشيون ضيقو الأفكار تعبيراً جديداً لآرائهم في الصهيونية
العلمانية .
إن
رئيس وزراء إسرائيل ( بن جوريون ) لا يؤمن بإله معلوم له
من الصفات الذاتية ما يجعله فوق الطبيعة ، ولا يدخل معابد
اليهود ، ولا يعمل بالشريعة اليهودية ، ولا يراعي العادات والتقاليد ومع هذا يعتبر لدى الثقات واليهود
التقليديين أنه أحد كبار اليهود في العصر الحاضر . كما أن
معظم زعماء اليهود يعتقدون أن الله وكيل للعقارات يهبهم الأرض ويخصهم بها دون غيرهم
!!
فالواقع
أن الصهيونية أسوأ مظهر وأبشعه للقومية المادية الغربية
الجديدة . وإن فلسفة النفعية والانتهازية هي التي تبرر
لهم أن يقوموا بحملة قاسية لنفي الأغلبية العربية ، ولسحق
الأقلية المنكوبة الباقية في إسرائيل بأقدامهم ، وهم يتظاهرون أنهم حملة الرقي
والنور إلى الأرض العربية التي كان يعمها الجهل . إن دولة إسرائيل تتمتع بالتقدم
العلمي والتكنولوجي . وهذا _ على ما أعتقد مع إصرارهم على
نظريتهم الرجعية القبلية أنهم شعب الله المختار _ يهدد الأمن العالمي . سمعت مرة ً جولدا مائير تلقي كلمتها أمام مجلس الأمم المتحدة قالت فيها : " إنني أخالف كل من يعارض إسرائيل في حقها للمحافظة على
الأمن باحتفاظها الأراضي العربية التي استولت عليها بالقوة . وإن الأخلاق التي
نعترف بها دون غيرها : أن يبقي الشعب اليهودي في الدولة
اليهودية " لجولدا مائير أن
تفكر في بقاء الشعب اليهودي ، ولكنه ليس إلي حد يعميها حتى من التفكير القليل لصالح
الشعوب الأخرى .
كما
أنني اكتشفت سريعاً أن العلماء اليهود يخفون في نفوسهم الحقد على رسول الله محمد
صلي الله عليه وسلم أعمق مما يخفونه على النصارى ، وأن
نفاق اليهودية المجددة كان غير صالح للقبول . ولذا ، مع
كوني من الأصل اليهودي _ لا تطابق أفكاري ومشاعري ما يكنه الشعب اليهودي من
المعتقدات والأفكار . ولما كان والدي ليسا من اليهود المتمسكين ( وهما من الذين
يرون أن على اليهود الأمريكيين أن يفكروا ويعيشوا ويتعاملوا مثل غيرهم من
الأمريكيين ) فقد قررا نقلي من المدرسة الدينية اليهودية بعد أن قضيت فيها سنتين . والتحقت بالقسم التعليمي التابع لحركة الثقافة
الأخلاقية التي أسسها الراحل الدكتور فيلكس اولر في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي
. وقد أشرتم في كتابكم " نظام الأخلاق في الإسلام " إلي حركة هذه الفلسفة
الإنسانية اللا أدرية التي ترفض الأسس الإلهية للأقدار
الخلقية وتعتقد أنها أمور نسبية من صنع البشر . وقد حضرت
التعليم الأسبوعي في مدرسة الثقافة الأخلاقية لمدة أربع سنوات حتى تخرجت بشهادة
بكالوريوس وأنا الخامس عشر من عمري . ومنذ ذلك الوقت إلي
أن دخلت في فصل الحاخام كيتش في جامعة نيويورك في أكتوبر
عام 1954م بقيت ملحدة تماماً ، رفضت جميع الأديان
التقليدية المنظمة ، معتقدة فيها أنها خرافات محضة . وفي
يوم من الأيام ألقى الحاخام كيتش محاضرة استدل فيها على
كون الأقدار الأخلاقية التي نمت وترعرعت كحقوق عالمية لجميع الإنسان ، استدل على أنها ثابتة لا ريب فيها وأنها من صنع الله
لا من صنع البشر كما زعمت لكم سابقاً . أنا لا أتذكر الآن الأدلة التي جاء بها ولكن
الذي أتذكرة أنها كانت منطقية ومقنعة لغاية أنها كانت بمثابة نقطة تحول في حياتي
.
إنني
كلما تعمقت في دراسة القرآن الكريم ، زادني علماً ويقيناً أن الإسلام وحده هو الذي جعل من العرب أمة
لها شأن عظيم . ولولا القرآن لكانت اللغة العربية قد انقرضت الآن
. بل الواقع أنها بغير القرآن كانت مغمورة وتافهة مثل لغة زولو . إن
الآداب والثقافة العربية لمدينة حقا للقرآن الكريم . لذلك
لا يمكن أن يفصل بين الثقافة العربية والإسلامية ، بل هما
متلازمان فلولا الإسلام لما كان للثقافة العربية أي اعتبار في العالم
.
ومع
أن والدي لا يمكن لهما أن يفهما سبب عدائي للحضارة التي تربيت فيها ، وبالأخص سبب مشاعري العدائية
نحو الصهيونية ، فإنهما لا يحولان دون اختياري الأسلوب الذي أحبه
للحياة . وقد حاولا أولاً أن يثبطا همتي دون التورط في الإسلام خوفاً من أن يوجد
بعداً ونفرةً بيني وبينهما
وبقية الأفراد من الأسرة . ولكنهما بعد أن لاحظا ما لدي
من العزم والثبات على ما أنا عليه ، أكدا لي بأنهما لن يقفا دون دخولي في الإسلام ولن يضعا العراقيل في
الطريق الذي أختاره لتكون حياتي سعيدة . وإن كانت آراؤهم تخالف رأيي في كل أمر
تقريباً . وإن التسامح وسعة النظر الذين يتمتعان بهما يجعلانهما لا يهدداني بالحرمان من الإرث أو قطع علاقتهما
عني مهما بلغ خلافهما من الشدة
. وكم يختلفان في معاملتهما هذه عن الآباء اليهود التقليديين الذين يعتبرون
الولد الذي يغير دينه ميتاً .
بالأمس
كنت ذهبت إلي الاتحاد الإسلامي في نيويورك لأتعلم كيف أؤدى الصلوات الخمس بالعربية من الإمام الدكتور نور الدين
شريبه أحد خريجي الأزهر ، وهذا
استعداد لصوم رمضان الآتي الذي أعزم على أن أصومه أول مرة .
أما
عن عملنا للإسلام ، فهل الأفضل أن نعمل سوياً أو على
الانفراد ؟ أمرٌ أتركه لكم بعد أن علمنا أننا نتفق في الأفكار والنظريات . وإنني أكون شاكرة لكم جداً إذا تفضلتم بمشورتكم في
ضوء هذه الرسالة الطويلة التي كتبتها لكم .
مع
خالص احترامي لكم
مارجريت
ماركوس