مَن لَكَ بالمَحضِ ..  وكلٌ مُمتَزِج

محمد الشريف

mmfareedb@hotmail.com

 

 

يتوهم البعض أنك حين تتحدث عن مذهب ما مُبَيِّنا أخطاءه مُفَنِّداً شُبَهَه ، أن هذا المذهب خِلوٌ من كل خير ، بريءٌ من كل فضل .. خالصٌ من كل فائدة .

وأن آراء الناس ومذاهب الأمم إما خير وإما شر .. ولا ثالث !!

وذلك فكر لا يستقيم فهمه إلا بمعرفة أصوله في الأمم المستعبدة التي ترى الخير كُلَّه ما قاله الزعيم الأوحد .. والشر كُلَّه ما خرج من أفواه المتمردين عليه أو المشككين في عظمته .. ثم تجعل ذلك منهجاً لها في الحياة .

وأولُ  كُلِّ شيء أن نعلم أنه ليس من مذهب يراه جَمعٌ من الناس ، تَفَتَّقَ عن أذهانهم ، إلا وفيه أجزاء من الخير إلى أجزاء من الشر .. وانه ليس ثمة خير محض لا شائبة فيه ينبت في عقلٍ بشري ، وأن الله تعالى حين خلق آدم خَلَقَه بنقصه ، وحين أسجد له ملائكته أسجدهم لمخلوق ضعيف يُخطِئُ فيستغفر ، ويسقط ثم يقوم .. ويَبعُدُ عن الحضرة الإلهية ثم يؤوب إليها .

وقد هَالَ البعضَ أن تُذكَرَ العلمانيةُ ثم لا يُقَال " صلى الله عليها وسلم " ، وأن نقول : " قال فولتير "  ثم لا نُتبِعُه بقولنا " رضي الله عنه " ، وان نرى الغرب فلا نشهد منه إلا شَرَّه الذي أفسد حياتنا ، وتَعشَى أعينُنا عن أنواره التي بهرت الوجود !!

وهم لا يفتأون يرددون في كل محفل أن الأديان ما جَرَّت على أصحابها إلا التنازع ، وأن الخير المحض في وضعها على أرفف المكتبات وسَوحِ المتاحف ومخابئ الأقبية .. وأن الإنسان حين شَبَّ عن الطوق نظر إلى ماضي أجداده فإذا هو أَشتَاتٌ من الخرافات تُجُمَعُ جميعاً ثم تُحفظ في قمقم كقمقم سليمان ، ويوضع لها الرَصَدُ الشديدُ البأسِ حتى لا تخرج فتُذهِبَ بهجةَ الكون ونظامَ الحياة !!

وهم في ثنايا ذلك يمُنُّونَ عليك بأن العلمانية هي التي أطعمتك طعامك الشهي ، وأركبتك مركبك الفاره ، وأسكنتك قصرك الشامخ ، وهي التي جَلَت عن بصرك الغشاوة : فعرفت الخير والشر والنافع والضار ، وارتَدتَ مجاهل الوجود ، ثم لم تكتف بذلك حتى كست البهجةَ كلَّ موجود !!

وقد قال سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو جاء الحق محضاً ( أي خالصاً لا تُكدِّره شائبة ) لما شكَّ ذو حجا (أي ذو عقل)  فيه ، ولو جاء الباطل محضاً لما شك ذو حجاً فيه ، ولكن أخذ ضغث من هذا وضغث من هذا (أي أخذ شيء من الحق وشيء من الباطل) .

وهذه قاعدة جليلة في إدراك المذاهب حين تختلف الطرق ، فما يشيع مذهب من الباطل إلا بما يُمَوِّهُ به من الحق ، ولا يزيغ مذهب بدأ بالحق إلا لما اعتراه من الباطل .

وقد قال ربنا جل وعلا " يَسأَلُونَكَ عَن الخَمرِ والميسِرِ . قُل : فِيهِما إثمٌ كَبِيرٌ ، ومنافعُ للنَّاسِ . وإِثمُهُما أكبَر من نَفعِهمَا " .

وهذه الآية الكريمة تُوَجِّهُ إلى منهج خاص في النظر إلى الظواهر لا يختزلها في بًعدِ واحدٍ ، وإنما يستقرئ أبعادها جميعاً ثم يحكم لها بما يناسب المُجمَلَ الكُلِّيَ لا الأشتاتَ المتناثرة .

وهو منهج يُغلِق على الجميع باب الأفكار الصغيرة التافهة من أمثال : لقد نزل القرآن في بيئة حارة فناسب ذلك تحريم الخمر .. أما البيئة الباردة (كبلاد أوروبا) فيناسبها تناول القليل منه .. قليل منه لا يضر يا رجل .. فلم التزمت ؟؟!!

وليست العلمانية في حاجة إلى من يذكر لها محاسنها ، فسَدَنتُها الكرام ينسبون إليها خيرَها وخيرَ غيرها ، ثم لا يكتفون بذلك حتى يَسُلَّوا منها شرها فيلصقونه بسواها ، لتبقى بعد ذلك خيراً محضاً لا شائبة فيه !!

غير أننا حين نظرنا إليها نظرنا إلى جوهرها الذي تقوم عليه ثم إلى جوهر الدين فإذا هما متباعدان متعاديان لا يتقاطعان في طريق ولا يجتمعان في مجلس .

جوهر العلمانية أن تُحكَم الحياة بأهواء البشر وتصوراتهم وأخاييلهم بعيداً عن الله تعالى وشِرعته ، وأن تتحدث عن تنظيم المجتمع فلا تذكر اسم الله .. وإن ذكرت ألف اسم من الشرق والغرب !!

وجوهر الدين أن تُسلِمَ نفسك لمن خلقك ورزقك وأحياك وهو يميتك ، يضع لك الأصول التي عليها تسير ، ويوفر عليك كدَّ الذهن فيما لا طائل ورَاءَه ، لتصرف طاقة عقلك في إعمار الوجود .. وأنت بعد ذلك حرٌ فيما تشاء ما دمت مستمسكاً بالأصول الكلية التي شرعها لك .

الدين حرية منضبطة في إطار شِرعَةِ الله .

والعلمانية انفلات عن المركز الإلهي لا يدري أحد إلى أي حدٍ يصل .

والإنسان لا يستطيع أن يكون إلا " كائناً دينياً " .. حتى وإن أجلب عليه الجميع باخاييل العقل الضابط من الهوى ، والعلم العاصم من الزلل .. ولو كان الإنسان عقلاً محضاًُ لما كان ثمة خطأ واحد في الوجود .. ولكنَّه حزمة من الهوى مع حزمة من العقل .. وهما يمتزجان ويتصارعان ويغلب أحدهما صاحبه ثم يُغلب منه ، في مزيج لا يكون الإنسان إنساناً إلا به .

ولتنظيم هذا المزيج شرع الله تعالى دينه لخلقه وبعث به أنبياءه .

وحين يحاول فكر ما أن يحرم الإنسان من أصله الديني ، فستَنبُتُ صور أخرى بديلة تريد أن تروي غُلَّة العطش الروحي .. حتى وإن كان ذلك الارتواء بشراب مسمم !!

" من يصدق أن سبعة مليارات فرنك فرنسي يصرفها الفرنسيون ( الأحرار العقلانيون آباء العلمانية !! )  كل عام على التنجيم ، ويعمل حوالي 30 ألف محترف في هذه المهنة تحت ظل القانون" !!

العرافة الفرنسية (إليزابيث تيسيه) أصدرت كتاباً تحدثت فيه عن علاقتها بالرئيس فرانسوا ميتران (الاشتراكي العقلاني العلماني الفذَُ !!! ) معلنةً أنها كانت المستشارة الروحية ( !!! ) له طيلة السنوات الست الأخيرة من حياته لدرجة ذهب فيها البعض إلى حد التساؤل: هل كانت هذه السيدة في قائمة عشيقات ميتران ؟

ولقد سئل النائب الفرنسي أندريه سانتيني عن اهتمام السياسيين الفرنسين بالتنجيم فأجاب : عندما يهتم فرنسي واحد من أصل خمسة بالتنجيم فأعتقد أنه على السياسيين أيضاً أن يهتموا بذلك.( !!!!! )

( تجد حديثاً مفصلاً عن التنجيم في فرنسا في موقع الجزيرة على هذا الرابط :

http://www.aljazeera.net/programs/under_scope/articles/2002/7/7-23-1.htm

 

************

ولا يختلف أحد على أن العلمانية قد أضافت إلى المجتمع الأوروبي فوائد لم يكن له أن يحوزها بمنهجه السابق لها .. ولكن البلاء كله أن يظن أحد أنه هذه الفوائد لا يمكن أن تُحَاز إلا إذا استدبرنا شرعة الله وراء ظهورنا !!

نعم .. أضافت العلمانية إلى المجتمع الأوروبي نوعاً من الحرية .. وأكسبته كثيرا ًمن الرفاهية .. ولكن : أي حرية ؟ وبأي ثمن ؟؟!!

كان الثمن ملايين القتلى : ( في الحرب العالمية الثانية فحسب ما يزيد عن خمسين مليون قتيلاً .. وهو رقم أكبر بأضعاف مضاعفة من كل قتلى الحروب الدينية منذ دبت قدم أبينا آدم عليه السلام على الأرض .. وهذه الحرب قد قامت بعد عشرين سنة فحسب من الحرب الأولى التي كانت لها فجائعها الكبرى !! ) ..

هل تريد أن نتحدث عن الاستعمار ونهب ثروات الأمم وموت الملايين جوعاً لتنام كلاب الرجل الأبيض المدللة على وسائد من ريش النعام ؟؟

ماذا كان الثمن ؟ وهل كان يمكن للبشرية أن تعيش على منهج آخر .. بعدد أقل من الخسائر ؟؟

إن من ينظر إلى ما حازه المجتمع الغربي بمنهجه هذا من السطوة والغلبة والرفاه .. ثم لا ينظر إلى ما ينخر المجتمع من أدواء الروح ، لهو هو من نظر في الحملة الفرنسية على مصر إلى مطبعة نابليون وعميت عينه عن رؤية مدافعه وبنادقه !!

وإلا فقل لي : لماذا كانت أعلى نسبة انتحار في أعلى بلاد العالم نسبة في دخل الفرد !!

وقد انتقلت العلمانية إلى بلادنا ففتحت من السجون أضعاف ما أنشأت من المصانع .. وعشت أنا وأنت وهي وهما وهم ونحن في ظل حكم باطش غاشم جهول لا يراعي عقلاً ولا يحترم مبدأً ..

ونحن علمانيون في التعليم منذ إنشاء الجامعة المصرية .. فاذكر لي أسماء عشرة فحسب من الباحثين الذين نشأوا على هذا المنهج التعليمي فتجاوزت أسماؤهم مكاتبهم إلى فضاء العالم الرحب .. حتى الأبحاث التي تدور حول ديننا وتراثنا وثقافتنا وتاريخنا .. كنا ننقلها من هناك ... إلى هنا !!!

نحن علمانيون في السياسة علمانيون في الإعلام علمانيون في التعليم .. علمانيون حتى في جيوشنا ..

فهل استطاع هذا كله أن يصنع ما يصنعه طفل واحد من أبطال الحجارة في فلسطين يهتف باسم الله ؟؟!!

************

ويأبون بعد هذا كله إلا أن يخلقوا لنا دينا بأهوائهم حتى لا يعكر على العلمانية صفو خدرها اللذيذ .. ثم يسمون هذا المسخ الشائه "الإسلام الصحيح " !!

والإسلام الذي يدعون إليه إسلام لم يعرفه جبريل .. ولم يبعث به محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يُصَدِّق به أبو بكر ..

الإسلام الذي يدعوننا إليه : إسلام نبت في وزارة المستعمرات البريطانية ، وترعرع في وزارة الدفاع الأمريكية .. هذه أمه وهذا أبوه .. أفندع من أجله ما نزل به الروح الأمين على قلب خاتم المرسلين ؟؟!!

وأول حق للإسلام علينا أن نُمَيِّز بينه وبين مذاهب الكفر ومناهجه ، وأن نوقن أنه يعلو ولا يُعلَى عليه .. وإن الله تعالى ليخلق في كل جيل من هذه الأمة من هو كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي الذي قال : عُرضت على السيف خمس مرات ، لا يُقال لي : ارجع عن مذهبك . وإنما يُقال : اسكت عن مخالفيك . فأقول : لا .

وإن وعد الله لحق .. وإن نصره لقريب .