مخاطر " التعقل " الأمريكي

بقلم :  د. خالد عبدالله*

 

يكاد يكون الإجماع عالميا على إخفاق بوش سياسيا في حربه ضد العراق. فقد نقل الاعتراض المتزايد والتشنيع المتسارع، في أوروبا والمنطقة العربية وبقية العالم، على خطط الولايات المتحدة لضرب العراق المعركة إلى الساحة الأمريكية. وهذه هي المكان الحقيقي الذي سيحسم موقف الولايات المتحدة في كيفية التعامل مع العراق، الإقدام منفردة على حربها، أم تعديل استراتيجيتها كي تعود إلى بعض ما ألفته من إعطاء الآخرين الاعتبار، وحملهم من خلال الصفقات على الصعود إلى سفينة قتالها. فالذي يتابع الحوار الأمريكي الداخلي يجده منصبا على كيفية إدارة الحرب، فالمتطرفون في الإدارة يغذون الخطى نحو حرب منفردة، تفرض على الآخرين نتائجها، " والمعتدلون " في حزبهم من خارجها يحذرون من ذلك، ويدعون إلى تهيئة الرأي العام الأمريكي، وإعداد تحالف دولي يقوم بدعم المجهود الحربي الأمريكي سياسيا ودبلوماسيا بشكل فعال، وعسكريا بالمشاركة في الحرب من خلال تحمل بعض أعبائها عسكريا أو ماليا.

وقد أدى الحوار الأمريكي إلى نوع من الارتباك في سياسة الإدارة، بين تصريحات تشيني من جانب وتعليق باول من جانب آخر، وبين تأكيد بوش لمنحى سياسي في يوم ثم تحوله إلى منحى سياسي آخر في يوم تال. بل أن شكل أداء بوش السياسي أصبح طرفة حينما قال أنه رجل صبور، ولم يكن صبورا ولم يكن هادئا حينما تحدث إلى الإعلام. ومع ذلك فلا ينبغي أن يلوي هذا النقاش الأمريكي الصاخب انتباهنا عن أمرين. الأول، أن تذهب الإدارة الأمريكية في طريقها الذي اختطته وملئت الدنيا صراخا حوله. إذ أنها بتصريحات المسؤولين الرئيسيين فيها قد أملت على نفسها اختيارين أحلاهما مر، التفرد في إدارة الحرب، وإنزال الاستنكار العالمي على موقفها، بالإضافة إلى المخاطر الكامنة على مصالحها إن لم تحقق أهدافها، أو الانصياع لصوت " العقلاء " الذين يطلبون إقامة تحالف ما ليخوض الحرب مع أمريكا.

كما لا يجوز أن تلهي المعارضة السياسية الصاخبة في أوروبا والمتنامية في الولايات المتحدة ضد سياسة بوش عن مواطن الاتفاق بين المعارضين والمؤيدين لهذه السياسة، وعن مسائل الاختلاف بينها، حتى يمكن في ظل فهم عقلاني وواقعي تحديد معالم السياسة التي يقتضي بنائها لمواجهة الاحتمالات المستقبلية المختلفة. فالمعارضون الأمريكان ومعظم المعارضين الأوروبيين يقولون علنا ويؤكدون مرارا أنه لا بد من عودة المفتشين، وأنه لا بد من استنفاد جميع الوسائل الدبلوماسية قبل اللجوء إلى أسلوب آخر. ثم إنهم وإن كانوا يتفقون مع مقولة الإدارة الأمريكية أن النظام في العراق ( تهديد لشعبه، ولجيرانه، ولإسرائيل)، ومع ذلك فليس مشروعا في نظرهم قيام الحكومة الأمريكية بعمل عسكري وقائي. فالعمل العسكري الذي يقع دون استفزاز يقود إلى الفوضى في العالم لأنه يشيع مبدأ لن يحجم الكثير من البلدان عن التستر خلفه لتحقيق مآرب سياسية لها، أو ثأرا من بلدان أخرى.

ويذهب باول هذا المذهب، إذ صرح بأن الخطوة الأولى يجب أن تكون عودة المفتشين، وتقديم المعلومات الكاشفة لأخطار التهديد العراقي. فهو يريد أن يدثر العمل العسكري الأمريكي المستقبلي ضد العراق بلباس الشرعية الدولية. فوزير الخارجية الأمريكية، كالمسؤولين الجمهوريين السابقين الذين أبدوا ملاحظات على حرب بوش، إنما تدور حججهم حول ضرورة العودة إلى مجلس الأمن من أجل الحصول على تفويض واضح أو غامض بالحرب. فالخلاف ليس حول مبدأ الحرب، لأن الحرب الأمريكية متواصلة في العالم، بشكل مباشر أو بالوكالة، لكن التباين هو حول إضفاء صفة الشرعية الدولية عليها. فالحرب تستمد شرعيتها في النظام الدولي القائم من مجلس الأمن. وهذه الشرعية ليست إلا صورية، فقرار مجلس الأمن قد يحصل في مناخ تعارض فيه غالبية البلدان الحرب، لكن تلك الشرعية الحقيقية ما كانت عائقا أمام الصفقات التي تعقدها البلدان الكبرى.

فالخلاف داخل المؤسسة الأمريكية أحدثته المقاومة الأوروبية والعالمية لنهج الإدارة الأمريكية في بناء أسس النظام الدولي الجديد. فقد مالت النخبة الأمريكية، عموما، وتحالف اليمين المسيحي اليهودي ولوبي النفط والمركب الصناعي الحربي خصوصا، إلى اعتزال النظام الدولي القائم نهائيا، وفرض قواعد النظام الجديد. وقد اختزل العالم هذا التوجه بمصطلح التفرد الأمريكي الذي تعلو مصالحه على الاتفاقات والمؤسسات الدولية، وعلى الاستئثار بالمنافع، وعلى تحميل الآخرين للكلف، وعلى خوض الحرب الوقائية. فاحتدام الخلاف داخل المؤسسة يعني أن " العقلاء " يسعون إلى أن تسير السياسة الأمريكية إلى أهدافها في إعادة بناء النظام الدولي على جسر يصل النظام القائم بالمرتجى، وليس قفزا من أحدهما إلى الآخر كما يريد المتطرفون. فالجدل الصاخب يدور في حقيقة الأمر حول هذا الأمر. فما يدعى بالمتطرفين في النخبة يرون أن الالتفات إلى مصالح الآخرين ولو جزئيا تضييع للوقت لإقرار الهيمنة الأمريكية وقواعد النظام الدولي الجديد، كما يتطلب ذلك تنازلات لا حاجة لإعطائها في ضوء الرجحان العسكري الأمريكي الهائل. وما يسمون بالمعتدلين يرون في هذا المسار كلفا كبيرة قد تهدد كامل مشروع الهيمنة. فدعوتهم إلى الالتفات إلى مصالح البلدان الأوروبية وروسيا والصين لا تعني تخليهم عن هذا المشروع بقدر ما هو تسهيل لعملية الانتقال. فهذا صراع بين من يمتطي ظهر الأيدلوجية ليحقق مصالحه، وبين من يجعل الذرائعية السياسية آليته إلى إنجازها.

وتظهر تصريحات باول ، والتوجه الأوروبي الجديد أن التغير في المنحى السياسي الأمريكي نحو العراق أصبح محتملا بعد أن كان ممكنا. فقول باول أن أمريكا تريد عودة المفتشين يعني أنه يريد العودة إلى مجلس الأمن. كما يؤكد ذلك تصريح مسؤول أوروبي ( إذا أرادت الولايات المتحدة أي نوع من الدعم السياسي أو العسكري من حلفائها الأوروبيين، فعليها أن تفعل ذلك من خلال الأمم المتحدة )، وكذلك تصريح وزير خارجية فرنسا  بأنه يعود إلى مجلس الأمن ( فحص كل البدائل، بما فيها البديل العسكري). وهذان التصريحان يعكسان أن الأوروبيين ليسوا ضد البديل العسكري إن تم من خلال مجلس الأمن. فليس المطلوب من الولايات المتحدة، كما يبدو من الظاهر، أن تعرض وثائقها وبراهينها في مجلس الأمن، بل ينبغي عليها أن ترجع إلى صياغة المشاركة في اتخاذ القرارات. والمشاركة تعني تبادل المصالح وتوزيعها. فليس لدى البلدان الكبرى من الأخلاق إلا بقدر ما تحدده مصالحها، فأخلاقها تكبر وتصغر حسب مقتضياتها. فخلاف هذه البلدان مع الولايات المتحدة هو فرع من أصل خلافها معها حول نهج التفرد الأمريكي.

فإذا ما انحسر مد الحماقة الأمريكية، وتملك الدهاء أساليب عملها، فإن مخاطر الحرب ستزداد، ولن تنقص، إذ من قلة التبصر إدراك الوسائل على أنها غايات أو تصور غلبة الحنكة على الصلافة على أنها تراجع عن الأهداف. فالمؤسسة الأمريكية، أهل الطيش وأصحاب العقل، مزمعون على تحقيق أهدافهم في السيطرة على العالم. كما أنهم يرون خريطة للمنطقة العربية غير ما هي عليه. فالفرق أن أحدهم يركب الهوج إلى مراده، والأخر يأتي أهدافه بأقل الكلف.

إن الاستعداد للأمر الأول أكثر سهولة، فالحماقة المتعجرفة تولد أعدائها، ولا يحتاج المقصود بسهامها إلا أن يصبر ويتجمل حتى تستهلك نفسها. أما السياسة التي تنبني على التحالفات، وتتمسك نفاقا بالشرعية وتتظاهر بالعفاف، فهي الخطر الداهم. ولا يمكن قهرها إلا بأسباب من جنسها. فمواجهتها تحتاج إلى الحكمة وتتطلب الشرعية. وأولى متطلبات المواجهة بناء التحالفات الحقيقية من خلال حل المشاكل القائمة مع الجيران، واسترضاء البلدان التي تتملكها الهواجس، وتجنب افتعال المعارك الكلامية التي تقدم للخصم كما للمتردد زادا للشكوك حول النيات. أما ثانيها، وأهمها، فهو بناء الجبهة الداخلية بالانفتاح على كل قوى الشعب في العراق وتمكينها من المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي. وثالث هذه المتطلبات يكمن في سد باب الذرائع وتفويت الفرصة، في موضوع عودة المفتشين، على الأمريكان بالإجراءات السريعة الواضحة الحاسمة.

 

* الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن