عندما تحدث كولن باول

 

 

بقلم : يعقوب جابر

 

  

عندما تحدث وزير الخارجية الامريكية كولن باول عن العراق بعد صمت طويل، بدا مختلفا الى حد التصادم مع غلاة المتشددين في ادارة جورج بوش. فهو يصف عودة مفتشي الاسلحة الى العراق خطوة اولى نحو حل الازمة العراقية، وهو يطالب ادارته باطلاع المجموعة الدولية على المعلومات الاستخبارية المتوفرة لديها حول ما بحوزة العراق من اسلحة الدمار الشامل قبل الاقدام على اي عمل عسكري، وهذا الموقف الذي عبر عنه باول يختلف كليا مع المواقف التي اتخذها ديك تشيني نائب الرئيس ودونالد رامزفيلد وزير الدفاع اللذين لا يريان فائدة من عودة مفتشي الاسلحة ويتحدثان عن الغزو العسكري كقدر محتوم لا مفر منه.

وحديث باول الذي صمت طويلا في حين تدفقت الكلمات النارية من افواه المتشددين المحافظين يكشف عن خلافات جذرية داخل ادارة بوش تصل في حدتها الى درجة المأزق.

ولعل ادق وصف لاسلوب باول في معاجة الازمة مع العراق هو اتخاذ جانب الحذر في حين ينطبق وصف الاندفاع الى حد التهور على خصومه الذين يقرعون طبول الحرب ولا يفكرون بعواقب حملة عسكرية تفضي الى ازمات متلاحقة على مستوى المنطقة كلها ان لم يكن على صعيد العالم برمته.

وكولن باول بحكم نشأته العسكرية ومنصب وزير الخارجية الذي يشغله الان اقدر من غيره في الحكم على الامور من اي مسؤول امريكي اخر. انه ينظر للغزو من وجهة النظر العسكرية فيرى فوضى واصابات كثيرة والتزامات عسكرية طويلة الامد قد لا يتحملها الشعب الامريكي. وهو ينظر الى العالم من حوله فيرى دولا حليفة تقف ضد فكرة العدوان وتطالب بالحاح بالعودة الى الامم المتحدة حيث الفيتو الروسي يتربص بالجهد الامريكي للحصول على تفويض اممي بالهجوم. وباختصار يصل الموقف كما يراه باول الى حائط مسدود من التعقيدات العسكرية والتداعيات الديبلوماسية تجعل الحل العسكري صعبا الى حدود مأساوية.

ليس معنى ذلك ان كولن باول تحول الى حمل وديع يدعو للرأفة بالعراق واطفاله وشيوخه ونسائه والى مناصر متحمس للقضايا العربية. انه لا هذا ولا ذاك بل هو مجرد سياسي براغماتي يمتلك خلفية عسكرية وموقعا سياسيا يمكنانه من الحكم على الوضع بدرجة كبيرة من التجرد والموضوعية ويدرك مخاطر الحرب وعواقبها، انه يعلم مثلا ان غزو العراق ليس نهاية المطاف بل قد يكون بداية كابوس طويل الامد يشمل تعبئة عشرات الالوف من الجنود لمهمة مضنية ليست مضمونة النجاح. وهو يرى بعين الديبلوماسي ان بقية العالم لا يرى ان الولايات المتحدة مؤهلة اخلاقيا لغزو بلد لم يثبت بالدليل القاطع انه يشكل تهديدا ضد احد.