الجزائر : لا يمكن الجمع بين المصالحة الوطنية والاستئصال!
ماذا يكمن للانتخابات المحلية المزمع إجراؤها
يوم 10 أكتوبر أن تقدم للعباد وللبلاد ما عجزت الانتخابات السابقة تقديمه؟ وهل
ستختلف عن سابقاتها وتكون محطة لبداية عهد جديد؟ فنظرة سريعة للأوضاع السياسية في
البلاد تدل أنه لا يوجد أي مؤشر أن الانتخابات القادمة ستكون أحسن حالا مما سبق.
فمن الناحية السياسية لم يتغير شيئا ذا بال يذكر، فلا زالت السلطة تعتمد سياسية
الإقصاء والتهميش حيث توجد شريحة من المجتمع الجزائري غير معتبرة ومغيبة عن الساحة
السياسية، ومن نتائج عدم مشاركتها في الاستحقاقات المختلفة أنه لن يكون للانتخابات
أي معنى يذكر، ولا يمكنها أن تفرز خارطة سياسية تشكل تمثيلا حقيقيا وعادلا للشعب
الجزائري، وستبقى قضية الشرعية معلقة إلى حين عودة هذه الشريحة العريضة للعمل
السياسي الحر. والملفت للنظر أن النظام يعجز كل مرة أن ينظم
انتخابات "حرة ونزيهة" حتى في غياب (أو بالأحرى تغييب) التيار
الذي تمثله الجبهة الإسلامية للإنقاذ ولهذه الأسباب اتسمت جميع الانتخابات التي
نظمت منذ جانفي 1992 بعدم المصداقية وبفقدان الشرعية الشعبية.
إن النظام المتدحرج من الانقلاب على الإرادة
الشعبية المعبر عنها بكل حرية يوم 26 ديسمبر 1991 برر إقدامه على مصادرة اختيار
الشعب بمنع البلاد من الوقوع في حمام من الدماء إن تركت الجبهة الإسلامية للإنقاذ
تصل إلى الحكم! ولكن وقع العكس حيث كان وقف المسار الانتخابي كارثة للبلاد أتت على
الأخضر واليابس وحصدت ما بين 150 و200 ألف نفس حسب بعض التقديرات، كما أن الشعب
الجزائري ذاق الأمرين بعد حل المجالس المحلية المنتخبة التي انتخبت الجبهة
الإسلامية لتسييرها واستبدلت هذه الجالس بهيئات معينة من قبل الانقلابيين أثبتت
الأيام فسادها بحكم ما فعلته للبلديات والمواطنين حيث أن حوالي نصف مسؤولي هذه
المندوبيات المعينة يقبع حاليا في السجون بسبب ارتكابهم جرائم لم يستطع النظام
الذي عينهم إخفائها. وبعدهم جاءت الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 1997 وظهور حزب السلطة ثلاثة أشهر قبل تلك
الانتخابات "التجمع الوطني الديمقراطي" حيث أن أغلب أعضائه من المليشيات
التي سلحتها السلطة، وبعد التزوير المفضوح الذي أشرف عليه رئيس الحكومة "أحمد
أويحي" انتزع بغير وجه حق أغلب مقاعد المجالس المحلية وغرفتي البرلمان.
وخلال هذه العهدة (1997- 2002) تصرف رؤساء بلديات هذا الحزب كما
تتصرف سلطة احتلال مع شعب محتل مشهرين السلاح ضد المواطنين لأتفه الأسباب، وها هو
الرئيس بوتفليقة نفسه يعترف ـ بمناسبة تنصيبه لجنة مراقبة الانتخابات ـ أنه يوجد
349 متابعا قضائيا في المحاكم الجنائية وأن 123 من بينهم ثبتت التهم عليهم وحكم عليهم، أي أن ربع رؤساء البلديات
خطر على المجتمع. ولا شك أن النسبة أكبر بكثير، وهذا الأمر يبطل تبرير الانقلابيين
والاستئصاليين من أساسه حين ادعوا أن منتخبي الجبهة الإسلامية خطرا على البلاد وأمنه
وتبين أن الذين جاءوا من بعدهم هم أشرار مخربون ومفسدون.
والملفت للنظر أيضا أن النظام أحدث شرطا
مخالفا للدستور ولمفهوم الحرية يمكنه من إقصاء الخصوم السياسيين حتى ولو تمتعوا
بجميع الحقوق السياسية والمدنية إذ أصبحت السلطة ترفض قوائم الترشيحات بحجة أن بعض
أعضائها يشكلون خطرا على الأمن العام رغم أن الدستور والقوانين تكفل لكل مواطن حق
الانتخاب والترشح إن كان يتمتع
بكامل حقوقه المدنية. وهذا تجاوز صارخ للقوانين من قبل السلطة وفرض وصاية على
الشعب. فالنظام هو الذي يشكل خطرا على لمجتمع والبلاد وتبين أن قراراته كانت وبالا
وجلبت المآسي للبلاد فهو الذي يجب أن يتنحى عن السلطة ويترك الأمر للشعب يختار بكل
حرية من هو الأنسب للحفاظ على
مصالحه ودينه وبلاده.
إن حزب التجمع الوطني الديمقراطي وإن كان لا
يمثل قوة سياسية كان رمزا للاستئصال يمثل توجه السلطة، والنتائج الهزيلة التي حصل
عليها في الانتخابات التشريعية السابقة وما يشهده هذا الحزب من هزات تدل أن السلطة
في طريقها لدفنه والتخلي عنه، وهي دلالة واضحة أن سياسية الاستئصال فشلت فشلا
ذريعا مما اضطر النظام أن يتخلى عن رموز الاستئصال. ورغم أن بوتفيلقة ألمح إلى
المصالحة الوطنية وأن لا طريق لإخراج البلاد من أزمتها إلا عن طريق الوئام الوطني
وتذكر بعد أمة أن برنامجه الانتخابي للرئاسيات كان يرتكز على إعادة السلم
والاستقرار فلا ندري أهو خطاب ظرفي قد قيل من قبله أم هي قناعة بأن المصالحة
الوطنية التي لا زالت في مرحلة الحبو هي السبيل الوحيد لحل الأزمة وهذا يمر قطعا
بالتخلي عن العناصر الاستئصالية وعدم إعطائهم أكثر مما يستحقون، والأيام القادمة
ستصدق أو تكذب ذلك وإن غدا لناظره قريب.
نقلا عن نشرة الرباط
التي تصدر عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ