بقلم :د.باسل
حسين
استاذ
وباحث جامعي من العراق
لا مندوحة من القول ان
قراءة متعمقة لمسار الاحداث وتطورها يعطينا تصوراً مفاده ان العراق مقبل على عداون
عسكري شامل ، لاسيما بعد ان تمت عملية التعبئة الاعلامية والنفسية والمجتمعية لهذا
الهجوم العسكري ، فضلا عن ان الخطط العسكرية وسيناريوهات الحرب قد اعدت ولم يتبقى
سوى تحين اللحظة المناسبة تحت أي ذريعة .
والسؤال
الذي يطرح نفسه بقوة لماذا تذهب ادارة بوش بحملتها الى هذه الدرجة من التصميم على الحرب؟
ويمكن القول ان ليس هنالك سبـب جوهري واحد وانما
هناك عدة اسباب لعل من اهمها :
1.على
المستوى المايكروي الكلي ، لايخفى على احد
ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى جاهدة الى الهيمنة على العالم ، ويظهر تقرير مقدم الى الكونغرس الامريكي تلك العقلية الامريكية
حين يقول (( بعد ان يتم تحديد الاهداف الامريكية الستراتيجية يجب الوصول الى وسائل
فعالة لتحقيق مثل تلك الاهداف واهم هذه الوسائل هو التصرف البناء وبقوة عسكرية
كافية ، على ان استخدام القوة العسكرية لايشترط بالضرورة توافر رضا جماعي من قبل
اطراف المجتمع الدولي ، بل ان على الولايات المتحدة الا تترد في التصرف بصورة
منفردة طبقا لمصالحها الحيوية)) في حين يذهب تقرير اعده بول ولفوفيتز نائب وزير
الدفاع الامريكي الحالي الى(( ان التخطيط العسكري يجب ان يذهب الى منع بروز أي قوة
عظمى في أي مكان من العالم)) واقترح توخيا لذلك اقناع كل الدول الصناعية المتقدمة
بان الولايات المتحدة الامريكية ستحمي مصالحها المشروعة من خلال ادامة ما يكفي من
القوة العسكرية وان على امريكا ادامة الآليات اللازمة لردع المنافسين المحتملين
حتى عن مجرد التطلع ال القيام بدور اقليمي أو دولي اوسع ، واوصى التقرير الى اتخاذ
خطوات منها استخدام القوة العسكرية اذا دعت الضرورة لمنع ما سماه انتشار اسلحة
الدمار الشامل في دول ككوريا الشمالية والعراق وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي
السابق..
واتساقا مع ماذكر اعلاه يرى زبينغو بريجنسكي
مستشار الامن القومي الاسبق الى انه يجب على الولايات المتحدة الامريكية ان تمنع أي قوة منفردة او مجتمعة من تحدي الهيمنة الامريكية . لذا
فان الستراتيجية الامريكية سائرة الان في فرض وقائع تسهل عليها تحقيق المصالح
الامريكية تحسبا لأي مفاجآت او تصدع في قوتها.ويرى كيسنجر ان القوة لا تزال هي
الحكم الاخير في العلاقات الدولية.
2. وهي
مسألة مرتبطة بالنقطة الاولى ، فان
ثمة تغير جوهري كبير في السياسة الامريكية الخارجية تجاه منطقة الشرق الاوسط
وبالتحديد منطقة الخليج العربي ، بحيث لم يعد الاهتمام العسكري مقتصرا على تامين وصول
امدادت النفط كما كان عليه خلال العقود الثلاثة السابقة ، بل اتسع الان ليشمل
ايضاً التدخل في تفاصيل الاوضاع السياسية والامنية الداخلية لكل بلد في المنطقة،
بمعنى آخر ان الولايات المتحدة تسعى من خلال عدوانها على العراق الى القيام بدور
تفكيك واعادة تركيب الاوضاع ، لاسيما ان الفترة المقبلة ستشهد انغماس امريكي كبير
في محاولة منها لاعادة رسم خارطة المنطقة ، بما يتطلب ذلك من تغيير الوقائع
والمعطيات والحكومات والسياسات ، بل وحتى قناعات شعوب المنطقة، وهو ما تم الافصاح عنه علانية من خلال في التقرير الذي وجهه الرئيس بوش إلى الكونغرس في 20
أيلول/سبتمبر، 2002 بعنوان "استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة
الأميركية" حيث قال بوش إن " الولايات المتحدة سوف تستغل هذه الفرصة
لنشر فوائد الحرية عبر العالم. سوف نعمل بنشاط لإدخال الأمل بمبادئ الديمقراطية،
والتطور الاقتصادي، والأسواق الحرة، والتجارة الحرة إلى كل ركن من أركان العالم، ولعل
لتصريح مستشارة الامن القومي الامريكي كونداليزا مؤخرا (( بأن الولايات المتحدة
تعمل على ان تكون قوة تحرر وبناء للديمقراطية في اقطار العالم الاسلامي)) له دلالة
بليغة على ما ذهبنا اليه.ويذهب رتشارد هاس (( ان العالم العربي يواجه مشاكل خطيرة لا يمكن معالجتها إلا من خلال
أنظمة سياسية أكثر ديمقراطية ومرونة)) وهي دعوة صريحة من اجل تغيير الانظمة في
العالم العربي.
اما وليام بيرنز، مساعد وزير
الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى فقد حدد أربعة أهداف دبلوماسية تنوي الحكومة
الأميركية السعي إلى تنفيذها خلال السنوات القادمة، وهي: مكافحة الإرهاب، نزع
أسلحة العراق، السلام العربي الإسرائيلي ودعم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية
المحلية المنشأ.
وقال بيرنز، في خطاب بعنوان "إعادة بناء الأمل" ألقاه في مجلس
الشؤون العالمية في بلتيمور، بولاية ماريلاند، في الثامن من نوفمبر، إن
"الحقيقة المجردة هي أن الشرق الأوسط الغارق في مستنقع النزاعات الداخلية
يشكل تهديداً للشعب الأميركي بنفس قدر التهديد الذي يشكله لشعوب المنطقة،ففي الشرق
الأوسط يعيش بعض أقرب أصدقائنا، ويوجد ثلثا احتياطي النفط العالمي، ومنه جاء
إرهابيو الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. فمقدار الرهان كبير جداً والامتناع عن العمل
سيكون بمثابة كارثة."وأضاف: "علينا متابعة الأهداف الأربعة في الوقت
نفسه،وذلك عن طريق اتباع استراتيجيات منسقة ومتماسكة، وطويلة الأمد، تعتمد على
جهود شعوب وحكومات المنطقة."
في حين ذهبت وثيقة مقدمة من معهد راند
المعني بتقديم توصيات لوزراة الدفاع الامريكية الى ان على الولايات المتحد
الامريكية اعاد صياغة سياستها في المنطقة بصورة جذرية وان تعتبر السعودية عدوا لها
، معتبرة ان العراق والسعودية الهدف الاستراتيجي لها، وقد جاءت مبادرة وزير
االخارجية الامريكية لتعلن صراحة عن هذا التوجه.
3.ان
المسألة العراقية لم تعد مسألة تتعلق بالعراق وحده ، او هي قضية انتشار اسلحة الدمار الشامل كما
يحلو للادارة الامريكية تصويرها، وانما القضية ابعد واشمل واعمق ، فالولايات
المتحدة الامريكية الان هي بحاجة
الى العراق اكثر من أي وقت مضى ،
لاسيما وان العراق الان هو محور الاستراتيجية الأمريكية الموجهة للعالم العربي ،
وتحديدا في المشرق العربي ، فهي تريد في بناء إنموذج ديمقراطي على النحو الذي
تريده امريكا، لتدعوا باقي دول المنطقة بالاقتداء به في هذه المنطقة ، ، لاسيما وان الوعود التي رسمت اليهم تشي
بمغانم كثيرة ولو على المستوى النظري ، بالاضافة الى ما يتمتع به هذا البلد من
ثروات هائلة ليس اقلها النفط والثروات المعدنية واراض خصبة ، فضلا عن التنوع
الحضاري والرقي العلمي الذي يمتع به
،كما ان العقلية العراقية بحد ذاتها هي عقلية مرنة غير ستاتيكية ومستعدة للا نطلاق
( وهو ما يذكرنا بقول لنائب بريطاني صرح في بداية عقد التسعينات " ان العراق
اشبه بدبابة ذات سرفة متحركة الا انها معلقة في الهواء وسرعان ما تنطلق حين وصولها
الى الارض " كوصف لحالة الحصار ) لذا فان الامريكان يرون في العراق البلد
الانسب لتطبيق مثل هذا المشروع.
4. ان الولايات المتحدة الامريكية تريد من
العراق ان يكون قاعدة بديلة عن بلدان خليجية عدة في المشرق العربي ، لاسيما وان
امريكا لم تعد مقتنعة بالتحالف مع السعودية التي ترى فيها بلدا ثيوقراطيا ، مسؤول
بشكل وآخر عن اخراج اجيال من الشباب المناهض للولايات المتحدة ،أي انها تريد من
العراق ان يقوم بمهمات متعددة ، خاصة وان السعودية سوف تكون مقبلة بعد العراق على
ضغوط هائلة ، وان مقدار النجاح يتوقف على وجود بديل مقنع يمتاز بمؤهلات لا تمتاز
بها أي دولة اخرى ، رغم سعي دول اخرى الى ذلك كدولة قطر من اجل التغيير .
5. ان
الولايات المتحدة وهي ترسم خارطة المشرق العربي ،فانها لم تغفل لحظة واحدة عن هدف اساسي هو حماية الكيان الاسرائيلي ،
وجعله الوحيد الذي له مفردات القوة العسكرية ، وبالتالي فاحد الاهداف الاساسية
المقبلة هو اجبار جميع الدول العربية والاسلامية على نبذ أي نشاطات تسليحية يمكن
ان تهدد مستقبلا اسرائيل. واتساقا مع تلك الرؤية فان سعيها سيكون منصبا على افراغ
العراق من علماءه ، اما بواسطة الاغراء او عن طريق التصفية الجسدية ، وليس بعيدا
ان تلجأ الولايات المتحدة او الموساد الاسرائيلي بأستغلال العدوان في تصفية هؤلاء
العلماء ، بطرق مختلفة منها المباشر ومنها الطرق المفتعلة التي يجيدها عملاء
الموساد وهو احتمال يجب حمله محمل
الجد والحذر ،وفي هذا يكتب مارك كلايتون في النيويورك تايمز مقال بعنوان ((العقول المفكرة وراء المخزون العراقي من
الأسلحة "علماء متدربون في الولايات المتحدة ربما كانوا بالنسبة لخطر العراق
بأهمية أسلحته الحربية" )) وهو ينقل ديفيد كاي، كبير مفتشي الأمم المتحدة السابقين عن الأسلحة
النووية في العراق، قوله إنه بخلاف المعدات الحربية، سيكون من الصعب على العراق أن
يعوض عن "الرأسمال البشري." وهو يقول، "إن بإمكانك أن تدمر
المنشآت، غير أن العراق لديه المال الكافي لشراء أفضل المعدات. الشيء الوحيد الذي
لا يتوفر لديهم بكثرة هو الرأسمال البشري الأساسي."
6. على المستوى الميكروي الجزئي ، فان تركيبة
الطاقم الامريكي ، قد حرفت بحدة السياسة الامريكية نحو اليمين ، بحيث يمكن وصف
الادارة الحالية بانها اشبه بغول مستعد ان يلتهم العالم والهويات والانتماءات من
اجل تحقيق مصالح ضيقة متعلقة بهوس الهيمنة والتفوق .
7.
لا يمكن عزل الاتنخابات الرئاسية المقبلة عن الحملة الامريكة
تجاه العراق ، اذ ان اصوات طبول الحرب قد طغت على بقية الاصوات المتعلقة
بفضائح الجمهوريين ، لاسيما تلك
المتعلقة بخسائر الشركات وانهيار
سوق الاوراق المالية وتراجع قوة الدولار وازدياد نسبة البطالة ، لذا فان ادرارة
بوش تسعى الى تركيز انظار الراي العام الامريكي الى قضية الحرب على العراق بعيدا
عن القضايا الاخرى التي تشكل نقطة ضعف ، إذ ان الادارة الامريكية تدرك جيدا ان
النجاح الذي يمكن ان تؤكده وتراهن عليه امام انظار الرأي العام الداخلي الامريكي
هو في تحقيق نصر خارجي لترتكز في النجاح عليه، فضلا عن انها تعطي فرصة افضل واطول
لاصلاح ما يمكن اصلاحه على الصعيد الاقتصادي ، الذي شهد فشلاً
ذريعا بمقارنة مع اداء ادارة الرئيس السابق كلينتون.
صفوة
القول ان ثمة عوامل تفسر الحملة
التي تقودها الادارة الامريكية تجاه العراق ، غير ان الادارة نست او تناست
انها تدفع المنطقة والعالم بأسره نحو حرب جديدة ان حدثت فانها ستجلب الفوضى وعدم الاستقرار ، كما ستجلب
للولايات المتحدة الامريكية المزيد من العداء والكراهية في منطقة تعد من اهم المناطق
الحيوية لها.