اذا كان من غير المتصور ـ بمنطق الديمقراطية
ـ ان تفرض الاقلية الدينية ـ اي اقلية دينية ـ على الاغلبية منهاجها ومذهبها في
«الدولة»، كأن يسعى المسلمون في فرنسا، مثلا بملاينهم الخمسة، الى فرض «الدولة
الاسلامية وشريعتها» على الاغلبية العلمانية للشعب الفرنسي، ان يمثلوا «فيتو» على
التوجه العلماني للأغلبية ـ وكذلك الحال مع مائتي مليون مسلم في الهند ـ لأن «هوية
الدولة» ـ بالمنطق الديمقراطي ـ هي خيار الاغلبية.. فان هذه «الدولة» ـ التي تكون
علمانية مع الاغلبية العلمانية، واسلامية مع الاغلبية الاسلامية ـ مطالبة بأن لا
تجور هويتها ـ علمانية كانت او اسلامية ـ على الحق الإلهي المقدس للأقليات في حرية
الاعتقاد الديني، واقامة شعائر وفرائض الدين.
فالاقليات الاسلامية في البلاد العلمانية،
مطالبة باحترام القانون الوضعي، بشرط ان يراعي هذا القانون حريتها في الاعتقاد
الاسلامي واقامة الفرائض الاسلامية، ومراعاة الحلال والحرام الديني في احوالها
الشخصية وحياتها الاسرية، وعدم التجريح بمقدساتها.
والاقليات غير المسلمة، في المجتمعات ذات
الاغلبيات المسلمة، مطالبة باحترام قوانين وفقه الشريعة الاسلامية، خصوصا ان هذه
القوانين مرجعيتها منظومة القيم الايمانية المشتركة، والجانب المدني والقانوني
الاسلامي، الذي لا بديل له ولا نقيض في النصرانية، وانما هو بديل ونقيض للقانون
الغربي العلماني، الذي جاءنا في ركاب الغزاة المستعمرين. فالقانون الاسلامي هو
قانون وطني وقومي بالنسبة لغير المسلمين.. مع ضرورة مراعاة ان لا يتعارض بند من
بنود هذا القانون مع نص ديني جلي جاء به الدين لغير المسلمين.
لقد تأسست حقوق وواجبات المواطنة في الدولة
الاسلامية والحضارة الاسلامية والتاريخ الاسلامي في ظل المرجعية الاسلامية، وليس
على انقاض المرجعية الدينية، كما حدث في النموذج العلماني للدولة في النهضة
الاوروبية الحديثة. فدستور دولة النبوة في المدينة المنورة، الذي جعل غير المسلمين
«مع المسلمين امة واحدة، بينهم النصر والنصح والنصيحة والأسوة والبر دون الإثم.
لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم حتى يكونوا شركاء
فيما لهم وفيما عليهم». هذا الدستور هو الذي نص على ان هذه المساواة في حقوق
وواجبات المواطنة، انما تتم وتزدهر في ظل المرجعية الاسلامية للدولة والمجتمع
والحضارة.. فجاء فيه «وما كان بين اهل هذه الصحيفة (الدستور) من حدث او اشتجار
يخشى فساده فان مرده الى الله، والى محمد» رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد بنت الامة، الاقليات منها والاغلبية،
الحضارة الاسلامية، والمدنية الاسلامية، التي غدت ـ كما يقول السنهوري باشا ـ
ميراثا حلالا لكل ابناء الشرق، المسلمين وغير المسلمين.