بحثاً عن الإجماع الوطني

 

بقلم: فهمي هويدي

 

    من اغرب مفارقات الحياة الثقافية في مصر ان البلد على كثرة ما فيه من مثقفين من كل لون تنافرت فيه الرؤى على نحو غيب فكرة الاجماع الوطني، بحيث صار من الميسور بالنسبة للباحث أو المراقب ان يعرف على ماذا يختلف المثقفون المصريون، بينما اصبح من الصعب للغاية ان يعرف على أي شيء يتفقون.

    (1)

    يحدث ذلك بينما الاضواء مسلطة على منطقتنا وأقطارنا، وثمة لغط كثير ـ بعضه خطير ـ حول خرائط المنطقة بعد اسقاط النظام العراقي، وضرورة احداث تغييرات في أوضاع أقطارها، طالت المجالات الثقافية والسياسية ومؤسسات المجتمع. فمن يقرأ مبادرة كولن باول وزير الخارجية الامريكية عن الاصلاحات المطلوب اجراؤها في العالم العربي مثلا، يكتشف ان ثمة تشخيصا أمريكيا لاوضاعنا، وعلاجات موصوفة، ومقترحات واضحة لتنفيذ تلك العلاجات منطلقة من «الاجندة» الأمريكية ومبنية على أولوياتها، كأننا حتى في الاصلاح السياسي وبرامج العمل الوطني اصبحنا بحاجة إلى «خبراء أجانب» يحددون لنا ما الذي يتعين علينا ان نفعله، وفي أي اتجاه نسير! أما الطامة الكبرى فتتجلى في تصديق البعض للتشخيص والعلاج، والتعامل معهما بمثل التعامل مع أي شيء «مستورد» من الخارج، مقبول بكل ترحاب وتسليم، وله الاولوية على ما عداه بامتياز. وهو ما ينقلنا من دائرة الفعل الى دائرة الصدى، مع ما يستصحبه ذلك من تداعيات تثير تساؤلات عدة حول مجالات الهيمنة وشواهد استقلال الارادة.

    في هذا الصدد، فاننا لا نستطيع ان ننكر ان الولايات المتحدة نجحت ـ ولو مؤقتا ـ في فرض «اجندتها» على العالم الخارجي. والقرائن الدالة على ذلك كثيرة. فحين اعتبرت ان الارهاب هو مشكلة المشاكل والخطر الأول الذي يهدد العالم، فان الجميع ساروا وراءها مرددين ذات الهتاف، بما في ذلك دول العالم الثالث التي تحتل أولوية همومها وتفتك بها مشكلات الفقر والملاريا والايدز. واذا قالت واشنطن ان العراق صار دولة خطرة تهدد بأسلحتها الجهنمية الحضارة الانسانية، واستخدمت تلك اللافتة لاخفاء تطلعاتها النفطية والامبراطورية، انساقت الاغلبية الساحقة وراءها وراحت تكيل الاتهامات للعراق، وتطالبه بتطبيق شيء لا اعتبار له ولا وجود في «السيناريو» اسمه «الشرعية الدولية»، وإلا استحق لعنة حرب لا تبقى شيئا فيه ولا تذر، واذا أدانت الادارة الأمريكية ورئيسها بوش العمليات الاستشهادية في فلسطين، في اصرار مريب على تجاهل حقيقة الاحتلال الذي هو جوهر المشكلة واصل الداء، رددت الاصداء في العالم العربي ذات المقولة، ودعت الى وقف العمليات الاستشهادية، التي حقرتها واسمتها انتحارية، ولم تتطرق الى مسألة ازالة الاحتلال.

    (2)

    والأمر كذلك، فلعلي لا اخطىء اذا قلت ان ذلك الانصياع شجع الولايات المتحدة واغراها، بان تذهب بعيدا في محاولة فرض اجندتها على الآخرين، الى الحد الذي دفعها إلى محاولة وضع تصور للاصلاحات الداخلية في الدول العربية دون غيرها من دول العالم.

    الطريف والمثير في الأمر ان خطط الاصلاح في بلادنا اصبحت موضوعا للمناقشة في الصحافة الاجنبية، ومجالا لاجتهاد كل من هب ودب في مجالات السياسة أو الصحافة، فقد كتب شلومو بن عامي وزير خارجية اسرائيل السابق مقالا في صحيفة «جيروزاليم بوست» علق فيه على ما أعلنه كولن باول خاصة الاستراتيجية الامريكية الجديدة في الشرق الاوسط، وانتقد الخطة مبينا انها تضمنت ثغرات وتناقضات، محورها مفارقة بديهية، اذ في رأيه ان ثمة خطورة في دعوة باول الى احداث تغييرات جوهرية على التركيبة الداخلية للانظمة العربية باتجاه تحولها الى الديموقراطية، لاحتواء التطرف والارهاب. لذلك فانه حذر واشنطن من مغبة الانفتاح السياسي واقامة الديموقراطية في العالم العربي، مشيرا الى ان ذلك لن يكون في صالحها، بالنظر الى مشاعر العداء والرفض العميق للنموذج الأمريكي في الشارع العربي.

    خلص بن عامي في تحليله الى ان البديل الملائم للمصالح الأمريكية ـ والاسرائيلية بطبيعة الحال ـ في العالم العربي، هو نموذج الدولة القوية التي تسمح بهامش للحريات العامة، مع القدرة على التحكم في قوى الرفض الراديكالية، وبفك الارتباط بينها وبين الشارع.

    الصحفي الأمريكي توماس فريدمان، الذي ركز اهتمامه بعد 11 سبتمبر على العالم العربي والاسلامي، ما برح يناقش ويقدم المقترحات لبرامج الاصلاحات الداخلية في بلادنا، وهو دائم التركيز على التعليم الديني وضرورات الاصلاح الديموقراطي، ليس وحده في الواقع، لانه بدعوى اجتثاث جذور وبذور الارهاب، اصبحت الاصلاحات الداخلية في العالم العربي موضوعا اثيرا لكل من يكتب عن المنطقة من المعلقين الغربيين، كما ان تلك الاصلاحات اصبحت محل دراسة واهتمام من جانب العديد من المؤسسات والندوات التي تعقد في مراكز الابحاث الغربية، وهذا وذاك يطرح علينا سؤالا كبيرا هو: ما هو تصورنا نحن للاصلاح في بلادنا؟ ذلك اننا اذا عبرنا عن امتعاضنا أو استيائنا لان الآخرين يدسون انوفهم في حياتنا، ويحاولون فرض تصوراتهم على مداركنا وبرامجنا، فان ذلك ليس كافيا، لاننا ما لم نسد الثغرة ونملأ الفراغ، فستنفتح الأبواب للآخرين لكي يحاولوا النهوض بما تقاعسنا نحن عنه.

    (3)

    ما شجعني على اثارة الموضوع الذي يلح عليّ عنوانه منذ زمن، هو ما تناقلته التقارير الصحفية في الأسبوع الماضي عن مبادرة اتسمت بالشجاعة والمسؤولية، قام بها نفر من المثقفين السعوديين اعدوا وثيقة حددوا فيها رؤيتهم للاصلاح في المملكة، وقدموها الى ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، الذي دعا ممثلين عنهم للاجتماع به، وناقشهم في مضمونها واستمع الى ملاحظاتهم بصددها.

    الحكاية كما نشرتها صحيفة «الحياة» اللندنية يوم الجمعة الماضي (31/1) تتلخص في ان المثقفين السعوديين تحركوا بعد وقع احداث 11 سبتمبر، مستشعرين ان ثمة اوضاعا في المملكة بحاجة الى مراجعة، واذ ادركوا ان بلدهم يتعرض لضغوط شديدة للقيام باصلاحات معينة من الخارج بوجه أخص، فانهم بادروا الى اجراء حوارات داخلية موسعة ناقشوا خلالها مختلف جوانب الحياة الثقافية والسياسية، وانطلقوا من ان التحديات القائمة أكبر من ان تتصدى لها الحكومة وحدها، وان من مسؤولية المجتمع، والمثقفون في الصف الأول من، ان يشارك في مواجهة التحديات، لانه أول من يتحمل عبأها ويدفع ثمنها.

    طبقا لما ذكره الدكتور متروك الفالح، احد الموقعين، على الوثيقة، فقد وجد المثقفون السعوديون «ان من الضروري بلورة الحوارات التي جرت بيننا في آراء محددة، نعبر عنها برؤية مشتركة للاصلاح الداخلي في مجتمعنا تحت مسمى «رؤيا استراتيجية للوطن ومستقبله» ومنذ نحو ستة أشهر بدأنا العمل لصوغ الوثيقة «الرؤية». وفي منتصف الشهر «الجاري يناير» الماضي انتهينا من اعدادها ووقع عليها 104 اشخاص من دعاة الاصلاح والمثقفين واساتذة الجامعات ورجال دعوة وفكرة اسلاميين، ورجال أعمال من مختلف مناطق المملكة والمدارس والتيارات الفكرية. وبعد التوقيع عليها رفعنا تلك الوثيقة «الرؤية» الى سمو ولي العهد الذي رحب بلقائنا والحوار معنا، وبعد يومين من رفعها تم اللقاء (الذي دعا اليه 36 شخصا من الموقعين) وجرى حوار صريح وايجابي».

    حسب التقرير المنشور والكلام المنسوب للدكتور المتروك، فان الوثيقة ركزت على ثماني نقاط هي:

1 ـ تطوير النظام الاساسي للحكم باتجاه اجراء اصلاح دستوري يؤدي الى اقامة دولة المؤسسات.

2 ـ ضرورة الفصل بين السلطات.

3 ـ ضرورة ان تكون هناك سلطة تشريعية (مجلس الشورى) منتخبة مباشرة من الشعب وتكون للمجلس سلطة رقابية.

4 ـ التأكيد على اصلاح القضاء واستقلاله.

5ـ ضرورة العمل لاقامة مؤسسات المجتمع المدني ونشر ثقافة الحوار والتسامح بين جميع فئات وعناصر المجتمع في وجه ثقافة العنف والانغلاق.

6ـ التأكيد على حرية التعبير والرأي بما في ذلك حرية الصحافة والنشر.

7ـ التأكيد على ضمان الحقوق العامة والانسانية للمواطن.

8ـ ضرورة معالجة وضع المرأة في المجتمع واعطائها دورها للمشاركة في قضايا التنمية بما ينسجم مع معتقداتنا الاسلامية.

ليست هذه الوثيقة الاولى من نوعها في السعودية، ولكن هناك وثائق سابقة في ذات الموضوع قدمها علماء المملكة، ولكن اهمية الوثيقة الاخيرة تكمن في امرين، فضلا عن مضموها بطبيعة الحال، الاول انها ليست صادرة عن العلماء وحدهم. ولكنها عبرت عن رأي عام التفت عليه مختلف شرائح المجتمع السعودي، باطيافه الفكرية والسياسية والمذهبية والاجتماعية. واشترك في التوقيع عليها رموز تمثل المناطق الجغرافية المختلفة للمملكة، الامر الذي يدعونا الى القول بأنها جاءت تعبيرا عن المجتمع السعودي بمستوييه الرأسي والافقي. وهو المجتمع الذي لم يكن يسمع له صوت في السابق.

    الامر الثاني ان الوثيقة لم تطلق في المجتمع دون صدى، ولكنها وجدت صداها بسرعة لافتة للانتباه من جانب المسؤولين في الدولة، لان الامير عبدالله دعا ممثلين عن الموقعين عليها والتقى معهم في حوار استمر اكثر من ساعتين، تركز حول ما طرحته الوثيقة من افكار وتصورات. وذلك موقف ايجابي محمود لا ريب.

    لا أخفي انني استشعرت غيرة حين قرأت التقرير، الامر الذي اثار عندي على الفور السؤال التالي: لماذا لم ينجح المثقفون المصريون في بلورة رؤية مشتركة لمسؤوليات ومتطلبات العمل الوطني حتى الآن؟

    اذا قال قائل ان الخبرة المصرية مختلفة عن السعودية، وان مصر قطعت شوطا في الاصلاح جعل لمتطلبات استمرار الحياة وتقدمها مواصفات وشروطا اخرى، فإنني سأوافقه على الفور، مذكرا بأنني لا اتحدث عن استنساخ الرؤية السعودية، ولكني لا اجد غضاضة في الافادة او التعلم منها. اما اذا قال اخر اننا لسنا بحاجة الى شيء من ذلك القبيل، وان كل شيء على ما يرام لان الحكومة قائمة بالواجب، فردي على ذلك ان الاصلاح الذي تقوده الحكومة وحدها هو من قبيل السير على ساق واحدة، وبغير تحرك المجتمع الذي يمثل الساق الثانية، فلن تستقيم مسيرة الاصلاح، التي لا بد ان تصاب في هذه الحالة بعرج دائم. ثم ان هناك في الخارج من يتحدث عن عللنا ونواقصنا. ويقف على المنابر مزايدا على الاصلاح ومتبرعا بوصف الادوية وبتغطية مصاريف العلاج، وهو لن يعدم وسيلة لفرض ما يريد.

    اما لماذا لم ينجح المثقفون المصريون في بلورة رؤية مشتركة، او لماذا «فشلوا» في ذلك ان شئنا ان نتحدث بصراحة، فظني ان الاجابة على السؤال تتطلب مناقشة يشترك فيها اكثر من طرف، لان زاوية الرؤية وما يترتب عليها من تحليل تختلف من طرف الى اخر.

    واذا جاز لي ان احاول التفكير في الامر فإنني اقول ابتداء ان هناك اسبابا عدة اسهمت في ذلك الفشل، بينها مثلا حدة الاستقطاب في الساحة الفكرية، والسياسية بالتالي، بين التيارين العلماني والاسلامي، الذي بلغ درجة شغلت كل فريق بحساباته الخاصة، الامر الذي ادى الى تراجع فكرة البحث عن المشترك الذي يتجاوز مصالح الفصيل يصب في مصلحة الوطن. من تلك الاسباب ايضا ضعف وهشاشة بينة الاحزاب السياسية، التي تحولت من الناحية العملية الى نواد ودكاكين سياسية نخبوية في العاصمة، معزولة عن الجماهير العريضة المنتشرة في القاعدة. وبسبب تلك الهشاشة فإن الاحزاب اصبحت صدى للسلطة بأكثر منها صوتا للمجتمع. ولهذا فإنها لم تعن كثيرا بالحوار الوطني، وانما اصبحت تخاطب نفسها في «مونولوج» خاص، او تخاطب السلطة في احسن الفروض، الامر الذي ادى الى تهميش حوارها مع المجتمع.

    من تلك الاسباب ايضا انه في ظروف الجديد السياسي ظهرت ما يمكن ان نسميه بجماعات المصالح التي تخصصت في اختطاف العمل الاهلي ومصادرته لحسابها. واقصد بجماعات المصالح اولئك النفر من النشطاء الذين اختطفوا بعضا من المبادرات والعناوين الجذابة، وحولوها الى حلقات ومراكز جسمها في الداخل وشرايينها موصولة بالخارج، ثم جمعوا فيها من يحبون واقصوا من يكرهون، وادعوا انهم يمارسون عملا عاما. بينما هو خاص بامتياز.

    اما اهم اسباب الفشل في بلورة رؤية المثقفين فهو غياب المشروع الوطني، الامر الذي ادى الى تداخل اشياء عديدة وتغييب قسمات مهمة في الرؤية السياسية فضلا عن الحضارية، بحيث اصبح متعذرا على كثيرين ان يحددوا هم مع ماذا وضد ماذا: ينسحب ذلك على الموقف من اسرائيل والولايات المتحدة، والعرب والاسلام والمسلمين.. الخ.

    ما العمل؟ طرحت السؤال على اكثر من واحد ممن اعرف من المثقفين، فوجدت ان ثمة اتفاقا بخصوص التشخيص وحيرة في العلاج.

    وقال احدهم ان وضع الاصبع على الجرح وتحديد موضع الداء هو المهم في الوقت الراهن. واشاعة الوعي بالحاجة الى توفير الاجماع الوطني، خصوصا في مواجهة الرياح والاعاصير التي تلوح في الافق، مجرد حدوث ذلك قد يكون منبها للمخلصين من ابناء الوطن لكي ينبذوا خلافاتهم، ويغادروا متاريسهم التي احتموا وراءها طويلا، ويحاولوا البحث عن المشترك مع الاخرين، قبل ان تغرق المراكب بالجميع.

    في هذا الصدد استعاد المستشار طارق البشري حين سألته تجربة المهاتما غاندي في جنوب افريقيا والهند، وكيف انه حين عاد الى بلاده التي كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني، وجد ان كل النوادي والدكاكين السياسية مشغولة بحساباتها ومصالحها. ولا احد منتبه الى اهمية حل المشكل الاكبر المتمثل في الاحتلال. فأدار ظهره اليها جميعا وبدأ يطوف بأنحاء الهند ملتمسا التعامل المباشر مع بسطاء الناس الذين هم اكثر براءة واخلاصا واقل تعقيدا. وبهم وحدهم نجح في دعوته الى المقاومة السلبية، التي انتهت بتحرير الهند بعد 250 سنة من الاحتلال الانجليزي.

    سأل المستشار البشري بعد ذلك: هل ننتظر مجهولا يوقظ المجهولين ويستنهض همتهم، لكي يبلور لنا هؤلاء رؤية وطنية صافية في مواجهة التحديات الراهنة والقادمة؟

.. بدوري اضع السؤال بين أيدي الجميع.