لا يجنى من الشوك العنب
لا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية تفادي
العدوان الأمريكي على العراق ،ومهما قيل عن جهود يبذلها بعض الساسة العرب لمحاولة
منع الحرب ،فإن الوضع العربي الراهن بما يحويه من التشرذم والتبعية الظاهرة أو
الباطنة للسيد الأمريكي يجعل من تلك الجهود عملاً مثيراً للسخرية، فإذا كانت تلك
الأنظمة لا تملك لنفسها شيئاً فهل يمكنها أن تملك شيئاً لغيرها، ولذا لم يكن
مستغرباً بالنسبة لنا أن يجتمع وزراء خارجية ست من الدول العربية والإسلامية
لمحاولة الخروج بمقترحات لنزع فتيل الحرب بزعمهم ،ثم لا تكون قراراتهم إلا صدى
للمطالب بل للإملاءات الأمريكية التي لا تنتهي ،حيث جاء في البيان الصادر عن
الاجتماع المشار إليه أن الوزراء يدعون القيادة العراقية إلى ضرورة التحرك بجدية
وصدق للاضطلاع بمسئولياتها من أجل تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة, ولتحقيق
هذه الغاية فإنهم يطالبون العراق بالي:- الاستمرار في التعاون مع لجنة المراقبة
والتحقق والتفتيش التابعة للأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية .
- انتهاج سياسة تقود لبناء الثقة لدي جيران
العراق, مع احترام الحدود المعترف بها دوليا- اتخاذ خطوات حاسمة إزاء الوفاق
الوطني, بما يحفظ سيادة العراق ووحدة أراضيه
ولا ندري ماذا يريدون من العراق أن يفعل بعد
كل ما قدمه من تنازلات مهينة، وصلت إلى حد إعلان العراق عن عدم ممانعته في مجيء
ضباط من المخابرات المركزية الأمريكية للمشاركة في عمليات التفتيش، أما الطرف الآخر
الذي يجيش الجيوش ويعد العدة لحرب لا يعلم مداها إلا الله فلم نجد في بيان أولئك
الوزراء مجرد مناشدته بعدم شن الحرب، وكل ما استطاعوا توجيهه للطرف الأمريكي أنهم
حرصوا على أن يقولوا إن مجلس الأمن هو الجهة المسئولة عن تحديد مدي التزام العراق
بقراراته, وكنهم لا يعلمون أن مجلس الأمن لم يعد سوى وسيلة من وسائل تنفيذ
الهيمنة الأمريكية المسماة زوراً بالشرعية الدولية، حتى إن القرار 1441 الذي هلل
له البعض باعتباره قد أبعد شبح الحرب عن العراق، يتحدث عن خروقات مادية ارتكبها
العراق، وهذا يعني بحسب ما نشرت جريدة الحياة في 27/11/1423، على لسان الدكتور
البرادعي رئيس الهيئة الدولية للطاقة الذرية أنه مذنب حتى تثبت براءته، وأن إثبات
ذلك يقتضي التعاون مع فرق التفتيش بنسبة مئة في المئة، وأن تعاونه بنسبة 99 بالمئة
لن يكفي، ومعنى ذلك أن تعاونه بنسبة 99 بالمئة لن يمنع الحرب، والذي يحدد نسبة
التعاون هو فرق الجواسيس (التفتيش) ومجلس الأمن الذي هو كما ذكرنا ألعوبة في يد
الإدارة الأمريكية، وعلى كل حال فإن أمريكا لن تنتظر تفويضاً من مجلس الأمن، بل هي
مستعدة كما ذكر مسئولوها لخوض الحرب وإن خالفها المجتمع الدولي برمته.
ثم إن هذه الشرعية الدولية المزعومة لا تجد
من يصغي لها وينفذ أوامرها بالحرف الواحد إلا حكام العرب والمسلمين، وإلا فقولوا
لنا لِمَ لمْ تطالب هذه الشرعية المزعومة بنزع السلاح النووي من دولة اليهود، بل
لماذا تقف عاجزة أمام إصرار كوريا الشمالية على استئناف برنامجها النووي، وإعلانها
ذلك على رؤوس الأشهاد، وطردها المراقبين الدوليين، وإعلانها أنها في مقابل
موافقتها على وضع حد لبرنامجها النووي لن تقبل بأقل من توقيع الولايات المتحدة على
معاهدة سلام معها يوافق عليها الكونجرس، لأنها لا تثق في أي تعهد يصدر من الرئيس
بوش وإدارته بعدم الاعتداء عليها، وفي مقابل هذه المواقف المتشددة من كوريا
الشمالية لا نجد في تصريحات المسؤولين الأمريكيين ما ينبئ عن التفكير في استخدام
القوة ضدها، بل إنهم يعلنون صراحة أنهم لا ينوون اللجوء للقوة مطلقاً لحل الأزمة
الكورية، بل لا يفكرون في مجرد فرض عقوبات اقتصادية عليها.
إن هذه الذلة والمهانة التي آل إليها حال
الأنظمة العربية ومن بينها النظام العراقي، ما هي إلا ثمرة طبيعية لابتعاد تلك
الأنظمة عن شرع الله ومخالفة منهجه، وقديما قال الحسن البصري : (( وإن هملجت بهم
البراذين، وطقطقت بهم ذلل البغال ،فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه )) .
إن من العبث أن يطالب البعض أولئك الحكام
باتخاذ موقف حاسم ضد الولايات المتحدة، أو حتى عدم مساعدتها في ضرب العراق، وكيف
يطلب ذلك من أقوام يتبارون في إرضاء أمريكا وربيبتها دولة اليهود، وليس ببعيد عنا
تلك المفاوضات التي تديرها الحكومة المصرية بين الفصائل الفلسطينية، سعياً إلى وقف
الانتفاضة الفلسطينية.
وكيف يطلب ذلك منهم ذلك وهم الذين لا يزال
شغلهم الشاغل محاربة الدعاة إلى الله تحت دعوى محاربة الإرهاب والتطرف، وإلا فما
معنى أن يجتمع وزراء داخلية الدول العربية في تونس وبدلاً من أن يكون همهم إصلاح
حال الأمن في بلادهم أو تحسين سجلاتها في مجال حقوق الإنسان، يكون على رأس
أولوياتهم ملاحقة الفارين من جحيمهم وذلك بمطالبة الدول الأوربية بتسليم من لديها
من الإسلاميين الحاصلين على اللجوء السياسي بدعوى أنهم إرهابيون ؟
وما معنى أن يُحارَب الإنسان في رزقه، بل
يُعتقل ويُعذب لا لشيء إلا لتبنيه لبعض الأفكار المخالفة لنظام الحكم، وإن كان لا
يفكر مطلقاً في محاربة النظام؟ كما حدث مع رموز المدرسة السلفية في مصر، ثم يكون
من المضحكات المبكيات أن يطلق عليهم أنهم " تكفير وهجرة" والأجهزة
الأمنية في مصر تعلم أنهم من أول من حارب فكر التكفير في مصر منذ أواسط السبعينات.
وهذا مما يبين أن القضية ليست قضية حرب على
ما يسمونه بالإرهاب، بل هي حرب على كل فكر إسلامي صحيح، ولذا فإنه لما تحدث أمين
عام المجلس الأعلى للثقافة في مصر عن تحديات الثقافة، كان أشد ما أغضبه رواج الكتب
الدينية التقليدية، وحين أراد أن يضرب مثالاً لكتب التطرف فإنه لم يجد إلا كتب شيخ
الإسلام ابن تيميه؛ وذلك حيث يقول: ((وهذا راجع إلي ازدياد نفوذ مجموعات التأسلم
السياسي من ناحية، وكذلك إلي بقايا دعم مالي للكتاب الديني المتطرف من بعض الأقطار
النفطية لمجموعة من دور النشر في القاهرة، لكي تطبع هذه الكتب وتوزعها مجاناً مثل
فتاوى ابن تيميه )) [آخر ساعة عدد 19 ذي القعدة 1423 ،الموافق 22 يناير 2003
]
ومن هنا فإن مما يؤسف له أن نرى بعض
الإسلاميين يلتمسون الأعذار لأهل السلطان بل يمدحونهم بأمور من الصلاح، إن صح أنها
فيهم فليست تساوي شيئاً في جنب ما اقترفوه من جرم في حق الإسلام والمسلمين، وأشير
في هذا الصدد لمقال كتبه أحد الإسلاميين في مصر يشيد فيه بأحد المسؤولين، ويذكر
أنه قد تكون له سلبيات، ولكن له أيضاً إيجابيات، ثم يذكر من إيجابياته أنه يصلي
بانتظام ويحرص على فريضة الجمعة، وأنه يصوم الاثنين والخميس.
وإذا لم يكن من حقي أن أشكك في صحة معلومات
لا أدري عنها شيئاً، فإن من حقي بكل تأكيد أن أقول: إنه لا شك في أن لكل منا
سلبياته وإيجابياته، ولكن حينما تكون السلبية هي إيذاء المسلمين وإيداعهم السجون
بلا موجب شرعي، بل ولا حتى مبرر قانوني، وعدم الاستجابة لأحكام القضاء بالإفراج
عنهم، فإن تلك السلبية تتحول إلى جريمة كبرى تطيح أرضاً بكل ما للإنسان من
إيجابيات، حتى لو كانت كثرة الصلاة والصيام والصدقات، وليس هذا القول من عنديات
العبد الفقير، وإنما هو قول من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في
الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله إن فلانة،
يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في
النار، قال يا رسول الله: فإن فلانة، يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها
تصدق بالأتوار ( أي بأوانٍ) من الأقط ( من الجبن) ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال:
هي في الجنة )) [ أخرجه أحمد 2/440، وصححه الحاكم(4/166)، وابن حبان (2045- موارد)
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد( 8/169) وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله
ثقات ،وأورده الألباني في الصحيحة (190) ] .
وكأني بقائل يقول: يا أخي وهل هذا وقته، نحن نتكلم عن تجميع الجهود لمحاولة
منع العدوان وأنت تحدثنا عن جور الحكام وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان، وأقول: نعم هذا
وقته، ولا بد من تشخيص الداء ليسهل تحديد الدواء، وإنما كان بلاؤنا الأكبر هو هذه
الأنظمة التي حرصت طوال عقود عديدة على إذلال شعوبها، وكلما ارتفع صوت يطالب
بالحرية، قالوا: يا أخي، هل هذا وقته، نحن الآن في مواجهة مع إسرائيل فانتظروا حتى
تنتهي المواجهة، ونقضي على إسرائيل ثم طالبوا بما تشاءون، ولم تنته المواجهة، ولم
تذهب دولة العدو، ولم تجن الأمة إلا الهزائم المتكررة، والنكسات المتعاقبة.
وإذا كان بعض الغيورين قد دعا الشعوب إلى
تجاوز الحكام والأخذ بزمام المبادرة، فإني أرى أن تلك الحكومات ستكون -كما كانت
دائماً - العائق الأول أمام حركة الشعوب، وعليه فإن الحركة المرجوة من الشعوب لا
بد أن تستند إلى قوة معنوية تأتي بعد الاعتماد على الله من خلال ما يجب أن يتبناه
علماء الدين، وقادة الحركات الإسلامية من مواقف شجاعة من أجل تحريك الأمة،
وقيادتها في تلك الحركة، وما لم يأخذ أهل العلم والدين دورهم في قيادة الأمة فلا فائدة
ترجى من حركة الشعوب، وإن أقل ما يجب على أهل العلم أن يبينوا الحكم الشرعي فيما
يجري، ولست أقصد الاكتفاء بإدانة العدوان الأمريكي المزمع على العراق، بل لابد من
بيان الحكم الشرعي في هؤلاء الحكام الذين يعاونون الأمريكان ويفتحون بلادهم لهم،
وأنهم خارجون عن الشرع لا ولاية لهم على المسلمين، فإنهم-أعني العلماء- إن فعلوا
ذلك ألقى الله مهابتهم في قلوب الناس جميعاً، ونالوا احترام الأعداء قبل الأصدقاء؛
وإن مما يرويه التاريخ عن سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله أنه لما
أنكر على السلطان الصالح إسماعيل تعاونه مع الفرنجة وتسليمه صيدا وقلعة الشقيف
لهم، حبسه السلطان وجرده من مناصبه ثم أخرجه، ثم أرسل إليه من يقول له: (( بينك
وبين أن تعود إلى مناصبك، وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا
غير، فقال له: والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً أن أقبل يده، يا قوم
أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به، فقال له قد رسم
لي إن لم توافق على ما يطلب منك وإلا اعتقلتك، فقال: افعلوا ما بدا لكم فأخذه
واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان, ثم إن الصالح إسماعيل قال لبعض ملوك
الفرنجة عن العز بن عبد السلام: (( هذا أكبر قسوس المسلمين وقد حبسته لإنكاره علي
تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه ثم أخرجته... وقد
جددت حبسه واعتقاله لأجلكم فقالت له ملوك الفرنج لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه
وشربنا مرقتها)).( طبقات الشافعية الكبرى : 8/243-244) .
ونحن لا نزال إلى اليوم نذكر هذه المواقف
العظيمة لسلطان العلماء العز بن عبد السلام وسوف تظل الأجيال تذكرها إلى ما شاء
الله، بينما ألقي التاريخ في زوايا النسيان رجالاً تزيوا بزي العلماء، لكنهم ساروا
في ركب شياطين الإنس من الحكام الظالمين، فهل من معتبر يا أل العلم والدين.