ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب
بعد تقرير بليكس الذي وضع
الذخيرة في مدافع السيد بوش كما قالت بعض وسائل الإعلام بتقريره أمام مجلس الأمن
الدولي، دخلت الإدارة الأميركية في حركة محمومة يمكن أن تلخص حدتها وهمجيتها
وغوغائيتها جملةٌ مضللة إلى أبعد الحدود جاءت في خطاب الرئيس الأميركي عن حال
الاتحاد قبل أيام حينما زعم أن «بلاده سوف تدافع عن نفسها ضد تهديد العراق»!؟
فتخيلوا درجة الافتراء والتشويه للحقائق والوقائع وما بلغته الذرائعية الأميركية
من فساد رأي ورؤية، وما تبنيه على ذلك من مواقف وتتخذه من قرارات!!
وانتقلت حمى الغوغائية بسرعة
فائقة إلى بعض الدول الأوربية فانطلق بلير إلى أسبانيا ليعلن مع خوسيه ماريا أثنار
من مدريد في مؤتمر صحفي عزم بلديهما على خوض الحرب إلى جانب الولايات المتحدة
الأميركية ضد العراق ومعهم دول أوروبية أخرى وصل مجموعها اكثر من عشر منها تشيكيا
وإيطاليا التي ركض رئيس وزرائها برلوسكوني إلى البيت الأبيض مباشرة للتنسيق، الأمر
الذي يعد رد فعل أميركي بريطاني على موقف فرنسا وألمانيا من الحرب.
والدول الأوربية التي تعلن
موقفاً ضد الحرب لا يدفعها موقف دولي عادل وما ستجره الحرب من كوارث وتؤسس له من
مخاطر فقط، وإنما تتحرك لتدافع عن مصالحها التي تريد الولايات المتحدة الأميركية
أن تتحكم بها من خلال سيطرتها على نفط العراق، وفي حمى التدافع والتصعيد هذه صوت
البرلمان الأوروبي ضد الحرب، ومع ذلك استمر اندفاع الموجة وتدافع شظاياها أوروبياً
وعبر بلدان العالم حيث وصلت إلى اليابان لتزحزح رأي الدولة الصناعية الكبرى في
أقصى الشرق فتميل إلى الوقوف مع الولايات المتحدة الأميركية في حربها ضد العراق
على الرغم من أن معظم بلدان الشرق والعالم ضد هذه الحرب الظالمة.
ويبدو أن الولايات المتحدة
الأميركية تريد أن تشق العالم إلى قسمين: معنا وضدنا، وفق الإعلان الطائش الغريب
الذي أعلنه السيد بوش: من ليس معنا فهو ضدنا، ووفق مبدئه الأشد خطراً على السلام
والعالم معاً مبدأ: «الضربات الاستباقية» ضد من يفترض أنهم أعداء ويهددون الولايات
المتحدة الأميركية ومصالحها، كما تريد إدارة بوش أن تضع العالم، قبل أن يذهب
وزيرها كولن باول إلى مجلس الأمن الدولي في الخامس من شهر فبراير الجاري، أما
حقيقة أنها ستخوض الحرب من دون الحاجة إلى قرار من مجلس الأمن الدولي؛ كما ذكر
المسئولون فيها مراراً وتكراراً، وأن دولاً في العالم تؤيدها في ذلك فهي ليست
وحيدها، وهي بذلك تضع مجلس الأمن الدولي أمام حقيقة تآلف أو تحالف دولي محدد قرر
أن يخوض الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية تحت شعار نزع أسلحة صدام حسين بالقوة
لأنه لم ينزعها طوعاً، ولأن مجلس الأمن «تخلى» عن مسئولياته، وفق موجة الافتراء
الأميركي التي شملت العالم.
أفق جديد
وإذا كنا نشهد تحولاً في
مواقف بعض الدول إلى جانب البيت الأبيض وسعي مسئوليها إليه مثل برلوسكوني وخوسيه
ماريا أثنار وبلير.. إلخ وإعلان دول عن زحزحة مواقفها باتجاه التوافق معه مثل
اليابان، فإننا نشهد بالمقابل تحركاً في الاتجاه الآخر، وحركة شعبية عالمية على
نطاق أوسع لشجب الحرب ومعارضتها، كما نشهد ولادة مواقف جديدة في أوروبا التي
تتساءل اليوم: هل دخلت بريطانيا الاتحاد الأوروبي لتقوضه أم لتساهم في بنائه؟!
ولهذا السؤال ما بعده فيما أقدر، وقد تصل موجة الاحتجاج على الموقف الأميركي إلى
روسيا والصين.
كما نشهد مواقف إفريقية
جريئة تعلن أفقاً آخر للمواقف والرؤى وهو أفق يستحق الاهتمام والمتابعة والتركيز
على ما فيه من أبعاد وحقائق ومعطيات يفيدنا التعامل معها والتركيز عليها في صراعنا
مع الصهيونية والتمييز العنصري والطغيان الأميركي، ويلخص معطى ذلك الأفق المناضل
نلسون منديلا الذي تساءل في كلمة له عن أسباب استهانة الولايات المتحدة الأميركية
بالأمم المتحدة قائلاً: هل لأن الأمين العام للأمم المتحدة أسود البشرة؟! ومضى في
قوله ليذكِّر بأمور معروفة ولكن يحسن بنا أن نستثمرها وهي تصدر من مناضل إفريقي
قاوم التمييز والعزل العنصريين منها: أن الرئيس بوش يقوض بنية الأمم المتحدة بحربه
التي يحشد لها ضد العراق، وأنه يلقي العالم في محرقة جديدة، وأنه لا يسعى سوى
للسيطرة على ثروة العراق النفطية بحرب تدمر العراق، وأن الولايات المتحدة
الأميركية هي أكثر دولة في العالم ارتكبت جرائم بحق الإنسانية وأثارت الحروب
وتسببت بالكوارث.
وإذا كان في قول منديلا ما
يستدعي الاهتمام ويستحق المتابعة فهو النقطة التي لا مسها برشاقة وأثارت، ويمكن أن
تثير، كوامن في النفوس وتوقظ شعوباً على حقائق ما ألحقته الولايات المتحدة
الأميركية بها وبالبشرية كلها من آلام وكوارث ونهب للثروات وإثارة للحروب والنعرات
وما انتهكته من حقوق الإنسان بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان، وذلك حين تساءل:
لماذا تقوض إدارة بوش بنية الأمم المتحدة ولا تهتم بوجودها هل لأن الأمين العام
للأمم المتحدة أسود البشرة؟! وهناك تمييز عنصري وعزل عنصري في الولايات المتحدة
الأميركية عانى منهما الأميركيون من أصول إفريقية على مدى قرون وما زالت عقابيل
ذلك في النفوس.
وسوف تشهد الأيام القليلة
المقبلة حركة محمومة في المجال الدبلوماسي والعسكري معاً، ولكنها ستشهد بتقديري ما
يمهد لانشقاق في الصف الأوروبي وفي العلاقة الأميركية الأوربية، وفي العلاقة
العربية العربية أيضاً.
وقد انتقلت حمى الحركة إلى
ليبيا، التي كانت قد أعطت ظهرها للجامعة العربية، حيث طلب وزير خارجيتها عقد قمة
عربية استثنائية قبل الخامس عشر من فبراير 2003 أشار إلى أن عشر دول عربية توافق
عليها، وهي قمة لا يغني عنها اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي دعا إلى عقده لبنان
رئيس القمة العربية بل يصبح ذلك الاجتماع ممهداً للقمة ومهيئاً لوثائقها، وهي
حصراً قمة موضوعها العراق بالدرجة الأولى.
إن الأيام المقبلة حبلى
بالأحداث الجسام من الانشقاق في الصفوف إلى الحرب التي تذهب إلى ما هو أبعد بكثير
من الانقسام والمواجهة بأبعادها المختلفة.
امتحانات قاسية
ويبقى السؤال المر في الحلوق
العربية بالدرجة الأولى، تلك التي لم تبتلع بعد طعم المرارات فيما اتخذ من قرارات
سواء ما كان من ذلك في إطار الجامعة ومؤسسة القمة العربيتين بشأن فلسطين والعراق
وغيرهما من الأقطار العربية التي تعرضت وتتعرض للتهديد والحرب أو تنشب فيما بينها
خلافات تؤدي إلى تأجيج نار العداوة والحرب، أو ما كان من ذلك في اجتماعات ومجالس
أضيق، أو في لقاءات عربية ـ غربية وعربية إسلامية آخرها اجتماع الدول الست في
استانبول، أو ما كان ويكون ثنائياً وثلاثياً في «قُرَن» جمع قُرْنَة ـ عربية
أخرى.. أعني السؤال: ما الذي يمكن أن نفعله إذا ما وقعت الحرب على العراق؟! هل
ستمنع دول عربية انطلاق قوات أميركية من أراضيها، وهل تملك أن تفعل ذلك فيما لو
أرادت؟ وهل تريد ذلك أصلاً أم أن لسان حال بعضها يقول: ليتها كانت ـ تكون القاضية؟
وهل ستقف دول عربية ضد
العدوان بما هو أبعد من الصوت والبيان والخطبة السياسية الماتعة المانعة الجامعة
إن وجدت، وأبعد من إرسال شحنات من الغذاء والدواء في وقت لاحق للإبادة والتدمير!؟
وهل يقدم العراق في محنته وامتحانه فرصة ملائمة ليضع حداً للتهديد ينبع من الداخل
، أو ليضع بعض الدول في مواقف لا تُحسد عليها أمام الشعب العربي والعالم، أم أنه
يسوغ بطريقة ما لبعض من يبحثون عن ذريعة أو دريئة يختفون وراءها في موضوع التملص
من مسئولية العدوان ومن واجب ردعه أو درء مخاطره عن بلد عربي، يسوغ لهم أن يتخذوا
من بعض المواقف والعبارات والتصريحات التي تصدر من هنا وهناك ذرائع مناسبة يشيدون
عليها مواقف معادية أو مسوغة لتسهيل مهمة المعتدين؟!
وهل وصلنا إلى مواقف عربية
أفضل في قضية أعقد وأشد تأثيراً على الوجدان والوجود العربيين، أعني قضية فلسطين،
ونحن نشهد سيل الدم الفلسطيني يومياً كما نشهد تصاعد وتيرة الإرهاب والعنصرية
والقتل والتدمير الصهيوني ـ الأميركي في كل لحظة، ومع ذلك يعمل بعضنا على وقف
الانتفاضة والمقاومة بدلاً من دعمهما، ويرسل التهاني والتحايا للإرهابي المجرم
شارون بعد فوزه في انتخابات الكيان الصهيوني بذريعة أنه قد يشده إلى عدم قتل
المزيد من الفلسطينيين؟!
اجتهاداتنا في الوطن العربي
شتى، ومواقفنا متناقضة في كثير من القضايا الواضحة والمبدئية والمصيرية، ونحن
مخترَقون بشكل فظيع وشنيع ومريع من دول وقوى وأجهزة وشخصيات تهمها مصالحها
وأطماعها وأهدافها البعيدة والقريبة في أوطاننا، كما يهمها ألا نكون شيئاً في تلك
الأوطان، وأن نتحول عن كل ما يمثل كينونة واعية لذاتها ولتمايزها ودورها الحضاري
ووجودها التاريخي، وأن يشمل عمق التحول مجالات: الدين واللغة والقيم والمقومات
القومية والثقافية، ولا يهم أولئك الأعداء الثمن الذي ندفعه لكي يتحقق لهم ما
يريدون، كما لا يهمهم كيف نكون بعد أن نتنازل عما نحن عليه من هوية عربية ـ
إسلامية ونهمل ما لدينا من ثروات ومصالح لتكون لهم وتحت سيطرتهم كلياً.
نحن في مفاوز الضيق ومخانق
الطرق، الامتحانات قاسية وموج المحنة أشد قسوة وخطراً.. ومع ذلك لا نقوم بما يمكن
أن يقوم به، ولا أقول بما ينبغي أن نقوم به، من يدرك حقيقة ما هو فيه لينقذ ذاته
قبل فوات الأوان.
لسنا من دون فائدة إذا ما
تحركنا حركة مدروسة ملموسة ومتكاملة الآن، ولم يمض الوقت بعد لتفويت الفرصة على
المعتدي الأميركي كما قال بعض الزعماء العرب الذي أكد إننا نحتاج إلى معجزة ليتوقف
قرار الحرب الأميركية على العراق، أو للتخفيف من وقع الكارثة على أقل تقدير، إننا
بحاجة إلى أن تكون مواقفنا صادقة وصحيحة ومتماسكة وقوية ومبدئية من حرب تقع على
قطر من أقطارنا ولا تستثني الأخرى من شررها وشرورها، ومن مسلسل إبادة يستمر ضد
شعبنا الفلسطيني ولا نكاد نلتفت إليه، وعندما نصل إلى تلك اللحظة الموقف تكون كل
قوانا وسياساتنا وإمكانياتنا قد وضعت، أو يمكن أن توضع فعلاً، في خدمة موقفنا
وقرارنا وقضيتنا الواحدة.
نزوع استعماري
وهذا لا يعني أن نترك
مستقبلاً كل من يعن له من حكامنا أن يبطش بأخيه، أو أن يعتدي على جاره، أو أن يظلم
مواطنيه، أو أن يتأله في قطره وقصره؛ أن نتركه يفعل ما يشاء كيف يشاء ومتى شاء،
وأن يكون حر التصرف وفق نزواته وقواعده الخاصة الخارجة على كل قاعدة قانونية أو
شرعية أو إنسانية.. ذلك لأننا في المركب الواحد معاً ومن يخرق المركب يودي بنا
جميعاً فإذا أخذنا على يده نجا ونجونا وإن تركناه غرق وغرقنا.
يجب أن نضع حداً للاستقراء
السلبي للتاريخ.. ونضع حداً لاستقراء الخلاف عبر التاريخ لكي نسوغ مواقف الخلاف
اليوم وغداً على أساس ما كان من مواقف وخلافات وعداوات بالأمس.. علينا أن نتوقف عن
نبش الذاكرة بهدف إحياء الضغائن وخوض حروب الثأر، لا بد من أن نبدأ بداية صحيحة
وسليمة.. بداية فيها تجاوز وتعال وترفع ومسامحة وتسامح، بداية مواقف قومية مسئولة
ندرأ بها الخطر عن أقطارنا وأمتنا وعقيدتنا وثقافتنا ومصالحنا أولاً، ومن ثم نعود
إلى المخاطر في داخل الوطن.. إلى المصالحة على أسس متينة.. إلى إنصاف المظلوم ووضع
حد للمتجبر والمتكبر والطائش و«الفائش» من الأحكام والأفعال والأقوال والحكام..
ونضع الأشخاص في مواضعهم من الأمر والحكم والقانون والشرع والعقل، أياً كان موقعهم
ومركزهم.. ونرفع للحرية المسئولة عرشاً في القوانين والعقول والقلوب والممارسات.
كفى الأمة موتاً وخوفاً
ورهقاً وإرهاباً يمارسه ضدها الصهيوني المحتل والأميركي الطامع والعربي الضالع في
ركاب الاستعمار والاحتلال، وكفانا خضوعاً للخاضع الخامع الخائف على كرسيه أو ماله
بينما يضحي بشعبه ودينه وأمته وكرامة كل ما يتصل به حديثاً وقديماً في سبيل بقاء
خير منه الموت.
آن لنا أن نصحو من غفلة
طالت، وأن نتحرك بعد سبات مديد.. فالحديد والنار والموت والاستعمار على أبواب
الوطن العربي كل الوطن العربي من خليجه إلى محيطه، ومن ينجو به اليوم لن ينجو
برأسه غداً، فالحملة الأميركية الصهيونية البريطانية بتحالفاتها وأبعادها وأهدافها
حملة تقوم على نزوع استعماري عنصري وتستند إلى خلفية عقائدية دينية صهيونية
ومتصهينة، وتعمل على تأمين مصالح دائمة وفرض استسلام على بلدان العرب والمسلمين.
ولن يستنقذ المستسلمون
والخانعون والخائفون والسائرون في ركاب «متألههم» الجديد جورج بوش، لن يستنقذوا
بسلوكهم دروب الاستكانة والضعف تلك ذبابة.. ضعف الطالب والمطلوب.