فليعبدوا... ربَّ البيت الحرام، لا... رب البيت الأبيض.

 

بقلم: طارق حميدة

 

    قال تعالى في سورة الإخلاص:" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ،اللَّهُ الصَّمَدُ،لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ". هذه السورة تعدل ثلث القرآن، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد لنا نحن المسلمين من أن نتوقف ملياً عند آياتها: قل هو الله أحد..الواحد الذي لا ثاني له، والمتفرّد في ذاته وصفاته.

الله الصمد.. الذي تحتاج إليه المخلوقات، وهو سبحانه غني عنها لا يحتاج إلى شيء منها.

    لم يلد ولم يولد.. لا يحتاج والداً يصدر عنه، لأنه الأول بلا بداية، ولا يحتاج ولداً يظل بعده لأنه الحي القيوم وهو الآخر بلا نهاية، ولا يلزمه مساعدة الولد لأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. وباختصار فشتان بين الخالق والمخلوق.. فالله تعالى لا مثيل له ولا شبيه، ولا ند ولا ضد،سبحانه لم يكن له كفواً أحد.

    هذه المعاني وغيرها تلزمنا خاصة في هذه الظروف التي تتأله فيها الولايات المتحدة وتعطي لنفسها الحق الإلهي في تصنيف الناس إلى أخيار وأشرار وتدعي أنها صاحبة (العدالة المطلقة)، وتعلن أنه لا خيار لأحد أن يغرد خارج السرب وعلى الجميع أن يخضعوا لها رغباً ورهبا.. ومن لم يقبل دخول (جنتها) فإنه لا محالة محترق (بنارها) ؟ !. وما دام الأمر على هذه الحال فلا مناص لنا نحن المسلمين من أن نوازن بين ربنا تعالى وبين هذا الرب الآخر.. وكلاهما يدعونا لعبادته وحده:

الله تعالى يقول:" فليعبدوا رب هذا البيت".. يعني رب البيت الحرام،..وأمريكا تقول: فلتعبدوا رب البيت الأبيض.

 

    لقد علمنا إبراهيم عليه السلام بالتجربة والأدلة الملموسة، حين حطم أصنام قومه،  أن الرب الذي يمكن النيل منه وإصابته في مقتل لا يصلح أن يكون إلهاً يُعبد، ونحن نعلم علم اليقين أن ربنا سبحانه لا يضره أحد ولو كفرت جميع الخلائق وتظاهرت إنسها وجنها وأوائلها وأواخرها على حربه تعالى. ولكننا نشاهد أن رب البيت الأبيض قد أمكن للكثيرين في أمريكا وخارجها أن ينالوا منه ويمرغوا أنفه في التراب.

    وعلمنا إبراهيم عليه السلام أيضاً أن الرب لا يستحق العبادة إذا كان من شأنه الغياب والزوال.. لأن الرب الحقيقي  يشترط له الحضور الدائم،.. وذلك حين جارى قومه في عبادة الكواكب والشمس والقمر، وهو يناظرهم من أجل إبطالها (فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين). ونحن نقول مع إبراهيم عليه السلام إننا لا نحب الآفلين.. ولا ينبغي لنا أن نعبد الآلهة التي لا خلود لها ولا بقاء.. وألا نتوكل إلا على الحي الذي لا يموت.. وذلك يشمل فراعنة الحكام كما يشمل ما يسمى بالدول العظمى. إن أمريكا يجري عليها القانون الذي جرى على الحضارات والدول العظمى والصغرى عبر التاريخ، فكم من دولة وحضارة سادت ثم بادت.. وإذا لم يحن موعد أمريكا بعد فإن ذلك لا يعني أنه لن يأتي أبداً.. لا نحب الآفلين.. ولن نعبد رباً تغيب شمسه، ويأفل نجمه، ويصير محاقاً قمره. بل إن هذا الرب المزيف لا قوة ذاتية له، وإنما قوته من دعم عُبّاده، كما أن غناه هو مما يمتصه من دماء هؤلاء العُبّاد.. فهذه الدولة العظمى قائمة على النهب والسلب وسرقة ثروات الشعوب، وتسعى كي تديم غناها إلى مزيد من الإجرام وهي تزحف بقواتها إلى حيث منابع النفط في أرض العرب أو بحر قزوين وغيرهما.. واللافت للنظر أنها قبل حربيها الأخيرتين: حرب الخليج وهذه الحرب، كانت تكون على شفا ركود اقتصادي لا تجد له حلاً إلا افتعال الأحداث واستغلالها..

    فأين هذا الرب المزعوم من ربنا سبحانه الذي يقول (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزّاق ذو القوة المتين)..  الله تعالى لا يريد منا رزقاً لأنه الرزّاق ولا يريد طعاماً لأنه ذو القوة المتين..  فهل تظل أمريكا على سيطرتها وقوتها وغناها لو ثابت الشعوب المغلوبة إلى رشدها، ومنعت اللصوص ومصاصي الدماء من نهب ثرواتها؟. قال تعالى في حق عُبّاد الأصنام الحجرية وغير الحجرية (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم يُنصرون، لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون).. هؤلاء الأغبياء يعبدون الآلهة المزيفة وهم يرجون أن تنصرهم، ولكن كيف تستطيع نصرهم وقوتها من قوة عُبّادها الذين هم جُندٌ محضرون لحمايتها وحراستها والدفاع عنها.. ولو انفضوا عنها وتركوا نصرتها ما بقي لها من قوة.. فكيف إذا انقلبوا ضدها وصاروا حرباً عليها ؟!. بعد كل هذا فإن المؤمنين محقون وهم يعلنون أنهم لن يعبدوا إلا رب البيت الحرام ولن يخضعوا لرب البيت الأبيض.. وسنظل نردد خلف إبراهيم الخليل عليه السلام: (لا أحب الآفلين)، وإذا جاء من يجادل ويحاجج كما حصل مع إبراهيم إذ حاجّه قومه فسنقول ونردد مع خليل الرحمن حيث" قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ،الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ".