أمريكا المتخلفة!

محمد كريشان

في علم التخطيط العمراني هناك ظاهرة معروفة باسم ترييف المدن أي تحول المدن تدريجيا إلي ما يشبه الريف بسبب عوامل كثيرة من بينها تراجع مستوي المرافق الأساسية والخدمات وتفشي البطالة وغير ذلك.

أما في عالم السياسة فلا أدري بالضبط أي تعبير يمكن إطلاقه علي قوة عظمي مثل الولايات المتحدة تزداد تراجعا كل يوم مع الإدارة الحالية في مواقفها وسلوكياتها حتي باتت تلامس في كثير منها مستوي الكثير مما يعرف منذ عقود في دول العالم الثالث المتخلفة.

أبرز المظاهر الصارخة لهذا التراجع السريع والتي أثارت بتخلفها الواضح استغراب أكثر من مراقب تتجلي فيما يلي:

1 ـ رئيس دولة متواضع الإمكانيات إلي أبعد الحدود ولعل ألطف ما قيل فيه وأكثره تهذيبا ما ذكره الزعيم التاريخي نلسون مانديلا من أنه لا يتمتع بأي بعد نظر فيما قال فيه آخرون أقذع من ذلك بكثير مما لا يتيح مجال ضيق كهذا لاستعراضه كاملا،كما أن الكثير من رسوم الكاريكاتور والطرائف تعكس المستوي الحقيقي لسمعة هذا الرجل في كثير من وسائل الإعلام الدولية المختلفة.

ومع هذا فالرئيس بوش مقتنع أو هناك من أفلح في إقناعه بأنه زعيم فذ فراح يكثر بشكل لافت جدا من ظهوره التلفزيوني لا لشيء سوي لتكرار نفس الجمل تقريبا عن العراق ورئيسه دون جديد يذكر، وفي كل مرة يزداد التواء وخيلاء في حديثه حتي لتظن أن الرجل يزف للعالم كلاما لم يأت به الأوائل.

الأغرب من كل ذلك أنه كلما يزداد كلامه تسطيحا وتفاهة زاد تصفيق الحاضرين له من مختلف مكونات المجتمع السياسي الأمريكي وبشكل مسرحي ومتناغم يذكر بخطب كيم إيل سونغ الشهيرة وغيره من عتاة الشمولية في العقود القليلة الماضية خاصة مع تكرر مشهد الوقوف الدائم لقطع الخطب بالتصفيق علي غرار ما وقع في خطاب حال الاتحاد الأخير أمام الكونغرس.

2 ـ كذب فاضح من مسؤولي الإدارة الأمريكية دون أن يرف لأي منهم جفن حتي بعد أن يأتي التكذيب من أهل الشأن أنفسهم، فقد اضطرت مثلا فرق التفتيش وهانز بليكس نفسه إلي تأكيد عدم صحة ما قاله المسؤولون عن تنصت يتعرض له المفتشون في العراق وعن تحريك دائم للمواقع والمعدات بهدف تضليلهم أو عن أن بعض عناصر المخابرات العراقية قدمت لفرق التفتيش علي أنها علماء وهي بعض من أكاذيب عديدة وردت جهارا نهارا علي لسان رامسفيلد وباول ورايس.

وقد وصل الكذب درجة أثارت حتي حفيظة الأجهزة الأمنية الأمريكية نفسها التي لا اقتناع لديها بعلاقة ما للعراق بتنظيم القاعدة ومع ذلك يواصل بوش وفريقه النفخ في الموضوع تماما كمن يختلق الكذبة بنفسه ثم يصدقها.

3 ـ انزلاق بعض المسؤولين الأمريكيين إلي نوع من الردح التقليدي في الدول المتخلفة وذلك بهدف تسخيف مواقف دول معارضة للحرب ضد العراق وآخر ما سجل في هذا السياق كلام رامسفيلد عن أوروبا القديمة و أوروبا العجوز فقط للتشهير بموقفي فرنسا وألمانيا من الحرب.

4 ـ وصول اهتزاز الموقف الأمريكي إلي حد الشعور بالحاجة إلي إعلان في الصحف من قادة دول ثماني أوروبية علي غرار مسارعة بعض الأحزاب والجمعيات الدائرة في فلك أي سلطة استبدادية متخلفة للإعلان في الصحف عن تضامنها مع الحكومة وزعيمها في بعض الأزمات مع الدول الأخري أو في أعقاب بعض التقارير الخاصة بوضع حقوق الإنسان في هذا البلد دون أن يكون لهذا التضامن أية مصداقية تذكر.

5 ـ تبعية الإعلام الأمريكي في مجمله للموقف الرسمي لإدارة بوش ومحاولة تقزيم أو تهميش أي رأي معاكس فهي تفسح المجال واسعا لأي صوت حاقد علي العراق ويدعو لضربه وتحجب كل من له وجهة نظر أخري حتي لو كان ذلك مجرد إعلان تلفزيوني ذي طابع إنساني عام أعده أمريكيون ينبذ الحرب ويدعو للسلام كما حدث مؤخرا مع إعلان من هذا القبيل.

6 ـ تناقص فادح في أعداد المحللين والخبراء الأمريكيين القادرين علي إعطاء وجهة نظر تختلف بنسبة أو بأخري عن الموقف الرسمي علي منوال مثقفي السلطة وانتهازييها في أي بلد متخلف عربي أو غيره حتي أن بعضهم بات يستعمل نفس مفردات المسؤولين من نوع أن الوقت آخذ في النفاد .

لقد بات أغلب من تستضيفهم القنوات التلفزيونية من هؤلاء لا يملكون القدرة أو الرغبة في تسليط الضوء علي مسائل أو أفكار غير محبذة من قبل الإدارة الأمريكية أو يمكن أن تفهم علي أنها إفساد أو حتي مجرد إرباك لمنطق القوة المتعجرف الذي تتبناه ضد العراق.

كل واحدة من هذه المظاهر تحتاج إلي تحليل أوفي يحاول إيجاد تفسير لهذا التقهقر لقوة سوقت نفسها لعقود علي أنها معقل الحرية واحترام عقل الإنسان ونضجه فإذا بها تسقط إلي درك الانحطاط السياسي والتخلف الخطابي السائد في دول لا تعرف من التعددية والديمقراطية شيئا.

قد يقول قائل إن كل ما سبق لا يعدو أن يكون بعضا من مظاهر ومنطق الوحدة الوطنية في الأزمات الكبري في كل أنحاء العالم والولايات المتحدة ليست استثناء... ربما ولكن كم من كوارث وحماقات ارتكبت من قبل في العالم تحت مثل هذه اليافطة؟