البحث عن الزمن الضائع في الاجندة الامريكية
ما نعيشه من رداءة اخطر من ان يناط بالحاكم او المحكوم:
د.
محمد احمد الخضراوي
سمعت ذات مرة وانا اتابع
حوارا علي القناة الفرنسية الثانية، واحد المثقفين غير المرموقين يقول باحتقار
وتهكم وقد اخذته العزة بالاثم: ان العرب يجثمون علي ثروات وجدوها في الأرض، وليس
لهم خلاف ذلك من شيء يعتزون به، اما نحن، فاننا نملك التكنولوجيا (...) وبذلك فهم
المشاهد ان الغربي يتميز بالحكمة لكونه متحوزا علي العقل. واما العربي، فلا شيء
يفصله عن غيره من الكائنات الحية، وغير الحية.
وبالاستنتاج، فان الغربي هو
الاجدر بثروات الطبيعة التي وجدت بالصدفة في الحيز الجغرافي الذي تقيم فيه
الكائنات العربية ذات التوحش والبداوة بالاصالة. وهذا يعني، ان العرب بالتوصيف
المدني هم قصر غير راشدين لا يؤتمنون علي ما بين ايديهم من ثروات. وببعض الاوصاف
القانونية والتيولوجية، يكونون كالسفهاء الذين لا يحسنون التصرف فيما منحتهم
السماء من عطاء غير ممنوع. لذا تتوجب عليهم الوصاية من قبل ملاك العقل. لكن الزعل
والاستياء سريعا ما اندثرا، حين ايقنت ان الغرب اعلم بنا منا، وبحالنا من انفسنا.
اننا لسنا سوي ظاهرة صوتية، ومظهر كلامي، ومشاهد استعراضية خالصة. فالانتفاضة
الفلسطينية المقدسة هي من فضحت بنية النوايا والمقاصد المتكسرة. اذ بينمنا نحن في
احتفاليات دائمة منهمكون في توزيع الميداليات علي الواقف، وعلي من يجري وعلي
المدني، وعلي من يأتزر ببدلة عسكرية منسوجة بخيوط امريكية، وبينما نتداول علي
شاشاتنا القبلات علي الجباه وعلي الذقون وما بينهما، يضرب الامريكي بهستيريا وجنون
ابطال الحجارة باياد صهيونية (فالامريكي هو من يستعمل الاسرائيلي بالسخرة المطعم
والملبس والمسكن وليس الاسرائيلي هو الذي يتحكم في الامريكي، كما تزعم الافكار التضليلية)
وما دام شرطي العالم يريد توسيع رقعة عدوانه علي ارض عربية جديدة، فتلك ستكون فعلة
انتحارية (وليس طبعا عملية استشهادية كتلك التي نباركها في فلسطين) لأن الدول
الكبري لا تقتدر علي غير الحروب الخاطفة وقصيرة المدي. ولهذا فان السقوط الامريكي
بدأ فعليا بمعارك افغانستان اللامتناهية، وسيتحول الي انهيار مشهدي متشخص عند
المغامرة التالية، وهي ضرب العراق المناكد جدا.
كنت اصغي الي الاستاذ عبد
الباري عطوان علي بعض الفضائيات المشرقية، وهو يفكك ايديولوجيا الاستكانة والعدم،
وسقوط الوعي القومي، فأقسم ان العرب الحاليين لن يحركوا ساكنا حتي ولو قصفت مكة
والمدينة، ما داموا يتآمرون صامتين علي بيت المقدس. (لفظ التآمر من استعمالي)
فرفضت مقولة السيد عطوان، وصنفتها من قبيل التحاليل الاستباقية المستحيلة عقلا، اذ
لكل امة ضمير حي، وشيء من الاحساس الوجودي لكن، حينما انقسم العالم الي امريكا
بالموالاة والطواعية، والي مناهض للامركة بالاستقلالية، وصناعة القرار الحر، رأينا
انبساط الرجعية العربية مع الامريكان والصهاينة، وتسليمهم علي طبق من الورد، كل
الود وكل الحب بلا حد، حتي وهبوهم الارض والسماء وما بينها ما هو معلوم، وما هو
مطمور في باطن الارض من غير المعلوم، وهم يبيدون ابناء جلدتنا وعلي ارض لنا تسمي
فلسطين.
وعلمنا ان بعضهم ممن يعيشون
باستجداء الحماية الاجنبية بعد ان باعوا هوية الامة وقضاياها الي سماسرة الحضارات
(الاسرائيليون)، وفي هذه اللحظة القائمة والفاصلة من تاريخنا، يمتطون صهوات
طائراتهم المدنية من اجل السهر في تل ابيب، مع غانيات تل ابيب، يستنشقون العطانة،
ويلعقون اعقاب الأواني الصدئة، والاكوام البشرية المدنسة، ويعودون قبل شروق الشمس
الي قواعدهم سالمين.
وتتبعنا بتفاؤل كيف تناوش
كوريا الشمالية، وتناور بجرأة ضد الكل، وضد التيار، وبهذا التوقيت المحكم، الجبروت
الكوني الذي تجسده الامبريالية الامريكية، وتدير بتناظر، وبندية دبلوماسية
المراوغة، وسياسة التهديد والوعيد. عندها اسقط في ايدينا، ونفضنا كل الاسطورة
العربية التي كانت ستطيح بالاستكبار الصهيوني والصلف الامبريالي. لكن هذا الاستكبار
العالمي سيسقط تلقائيا متي تجاوز مقدراته، وقد فعل.
وما نعيشه من رداءة، هو اخطر
من ان يناط بالحاكم او بالمحكوم، كما نسمع في تراشقاتنا اللفظية، ذلك انه يتعلق
بالانسان العربي من جهة ما هو انطولوجيا، وجود متشخص. والا فالجميع مدانون: هذا من
اجل الخنوع، والآخر من اجل الخضوع للخنوع. فالمسألة هي مسألة رشد. وما دام الرشد
في محل الاستفهام، فاننا صرنا نتساءل مرتابين (كما طرح ذلك المثقف الفرنسي غير
المرموق) ان كان ثمة عقل عربي، او علي الاقل شيء من عقل عربي يحجزنا عن الوقوع في
الكارثة، او وقوع الكارثة علينا.
يبقي، ان نشكر السماء اننا
اصحاب قناعة، اذ لو كان لنا في الارض آلهة، وقررت امريكا قتلها، لأمدتها قواتنا
العربية الباسلة بالفؤوس والمعاول، وبالمعلومات الاستخبارية السرية، من اجل
استئصالها، ولقضوا علي ارواحنا الميتافيزيقية. وسلام علي ذرية ابراهيم من الغابرين.