العولمة بين منظورين: قدر محتوم أم وهم جغرافي من
صنع أهل الهيمنة؟
خلال العام الدراسي الفائت
كانت قضية العولمة محل نقاش محتدم في سمنارات مركز دراسات الديمقراطية بجامعة
وستستمر، ما بين مشكك ورافض ومتحمس• وانتقي هنا مداخلتين تمثلان اتجاهين على طرفي
نقيض حول المسألة، الاولى هي مداخلة الدكتور توني ماكجرو، المحاضر في العلاقات
الخارجية في الجامعة المفتوحة، الذي يميل الى اعتبار العولمة واقعا لا مفر من
التعامل معه، ومع ان ماكجرو يورد اقوال المشككين، الا انه يرجح كفة المتحمسين، وقد
استدل على ذلك بوقائع منها:
في كل يوم تتداول اسواق
العملة الصعبة مبالغ تفوق تريليون وربع تريليون دولار، وهو مبلغ يساوي خمسين ضعف
حجم التجارة الدولية وتتضاءل امامه ارصدة اغنى الدول من العملة الصعبة•
تسيطر الشركات متعددة
الجنسيات على ثلث الانتاج العالمي و07% من التجارة الدولية و08% من الاستثمارات
الدولية•
‹
المشاكل البيئية وتعقد العلاقات التجارية الدولية تفرض على الدول تعاونا وثيقا
لمعالجة المشاكل المشتركة•
زاد عدد السياح بين عامي1960
و1995 من 70 مليونا الى 500 مليون•
وما پبين مطلع هذا القرن
وعام 1993 زاد عدد المنظمات الطوعية ذات النشاط الدولي من 176 منظمة الى 90082
منظمة•
كل هذه التطورات دفعت البعض
الى القول بان عهد الدولة القومية قد انتهى، وان التطورات الاقتصادية والسياسية
الدولية اصبحت اقوى من سيطرة اي دولة• ومع ان ماكجرو لا يقبل مقولة تهميش الدولة
القومية، الا انه يرجح مع انتوني جيدنز ان هذه التطورات تغير وتعيد صياغة الدولة
ومهامها• ولعل اهم نتائج العولمة في نظر ماكجرو هي وجود مراكز للسلطة خارج اطار
الديمقراطية• ذلك ان الديمقراطية حسب المفاهيم السائدة تقتصر على اطار الدولة
القومية• فالحكومات تنتخب وتحاسب في البرلمان داخل اطار دولة معينة• ولكن لا احد
من الملايين الذين يتأثرون بالشركات المتعددة الجنسيات يملكون وسيلة لمحاسبتها
-فيما عدا القلة من مساهميها طبعا-• وعليه فان الوضع الجديد يتطلب توسيع نطاق
الديمقراطية حتى تشمل الاطار الدولي، بما في ذلك مؤسسات الامم المتحدة وغيرها من
المؤسسات الدولية•
من جانبها فان دورين ماسي،
استاذة الجغرافيا -في الجامعة المفتوحة ايضا- تتحفظ بقوة على خطاب المتحمسين
للعولمة، مشيرة الى انهم ينطلقون من منطلق قدري يرى علاقة حتمية بين التطورات
التقنية وشكل العلاقات الدولية، وفوق ذلك فان خطاب العولمة مليء بالتناقضات
والتلاعب بالحجج بنقل النقاش من مستوى الى مستوى• مثلا نجد المتحمسين للعولمة
يتحدثون عن حتميتها وكونها قدرا مقدورا لا مفر منه ـ وفي نفس الوقت، نجدهم يجتهدون
اجتهادا لا حد له في انفاذ هذا القدر المقدور! فالمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد
الدولي والبنك الدولي تضغط جاهدة على دول العالم الثالث لكي تلغي الحواجز في وجه
التجارة الدولية والتركيز على التصدير بدلا من الانتاج المحلي وعموما انتهاج
سياسات تضر بالفقراء• وبالمثل يمكن النظر الى جهود الولايات المتحدة وغيرها من الدول
الصناعية الكبرى لاتمام اتفاقية منظمة التجارة العالمية• فنحن هنا امام »قدر« هو
في الواقع من صنع اطرافه التي تحتال لانفاذه بالاحتجاج بانه قدر لا مفر منه•
وبالمثل فان تخيل العولمة في
صورة فضاء جغرافي مفتوح بلا حدود يضع مفهوم العولمة امام مأزق التناقض مع حقائق
الواقع، ولكن المتحمسين للعولمة لا يعدمون حيلة هنا ايضا• فاذا قيل لهم ان مالي
-او حتى الصين- ليست جزءا من هذه القرية الكونية، اجابوا: ليس بعد• وهكذا يتحول
الحجاج من مستوى المكان الى مستوى الزمان، ويستمر خلط الاوراق المتعمد•
هنالك جانب اخر مهم مسكوت
عنه في خطاب العولمة• فمشروع العولمة فوق انه غير مكتمل، الا انه يقوم على عدم
مساواة اصيلة فيه فتحت خطاب وحدة العالم الجغرافية، يختفي مشروع للهيمنة تكشف عنه
الارقام: ففي هذه القرية الكونية »الواحدة«، نكتشف ان 5،19% من الاستثمار المباشر
و08% من التجارة الدولية تنحصر في منطقة من العالم يعيش فيها 82% فقط من سكان
العالم•
ولكن اكبر تناقض في خطاب
العولمة يبرز بوضوح في التباين في خطاب انصارها تجاه قضايا يصعب الفصل بينها•
فخطاب العولمة هو في حقيقته خطاب الليبرالية الجديدة الذي يركز على حرية التجارة
ويدعو لازالة كل العقبات في وجه حرية حركة الاموال والبضائع، ولكن حرية التجارة لا
تكتمل الا بحرية تحرك العمالة• ولكن قوى اليمين التي تستميت في الدفاع عن حرية
التجارة، تتحول الى نقيض موقفها هذا عندما يأتي الحديث عن قضية الهجرة• فهنا لا
يمثل العالم قرية واحدة بلا حدود، بل يتحول الى »اقاليم« منفصلة، لكل منها حق
الدفاع عن وجوده و»هويته«، وهكذا تتبخر في لحظة كل تلك الدعاوى عن حرية التجارة
والحركة، وتتهم العمالة التي تريد الانتقال الى الدول الصناعية بانها نموذج
لـ»هجرة اقتصادية« يجب الحد منها ومحاربتها•
من كل هذا تستخلص دورين ماسي
ان خطاب العولمة ابعد ما يكون عن تقرير لواقع، واقرب ما يكون الى تبرير لأفعال
ومصالح وتوجهات من يصدر عنهم هذا الخطاب• اما التناقض في داخل هذا الخطاب فليس
مصادفة، بل يعكس طبيعة هذه »العولمة« والمصالح الاقتصادية التي تقف وراءها• وتؤيد
شانتال موف، الباحثة في مركز دراسات الديمقراطية، آراء ماسي، حيث توجه انتقادا
حادا لقوى اليسار الجديد في اوروبا، وعلى رأسهم زعيم حزب العمال البريطاني، توني
بلير، حين يتعللون بضرورات العولمة للتهرب من مسؤوليات دعم دولة الرفاه التي كان
اليسار يتمسك بها• فهؤلاء يقولون ان ايدينا مغلولة، ولن نستطيع الاستجابة لمطالب
العمال بسبب ضرورات العولمة• وتقول موف انه بالفعل اذا كانت الشركات متعددة
الجنسيات تستأثر بنصيب الاسد من التجارة والانتاج، وتتهرب من الضرائب، فان من
الطبيعي الا تجد الدولة موارد تفي بدعم الطبقات الفقيرة، وسد احتياجات الصحة
والتعليم وتقول موف بان الرد على هذه »العولمة« يجب ان يكون بمجهود »عالمي« مضاد،
ينطلق من منطلقات مختلفة، ويستند على التناقض القائم بين مصلحة رأس المال ومصلحة
غالبية العاملين•
يمكن ان نستخلص من هذا
الحوار نتيجة أولية: وهي اتفاق من يقرون بالعولمة ومن يتشككون في دوافع المروجين
لها على انه مهما كانت حقيقة العولمة، فان الدول والشعوب ليست بلا خيار تجاهها•
فمن يقبلون حتمية العولمة يرون ضرورة التقنين لنتائجها، انما بالسعي لخلق
ديمقراطية كونية، او بخلق آليات دولية مثل منظمة التجارة العالمية وغيرها من
المؤسسات• وتصب في هذه الخانة ايضا التجمعات الاقليمية، مثل الاتحاد الاوروبي
ومنظمة التجارة الحرة في شمال امريكا، او تجمع آسيا والمحيط الهادي، وغيرها من
التجمعات الرامية الى خلق وحدات تجارية اكبر تحمي اطرافها من بعض عواقب العولمة•
اما المتشككون فهم يرون بالطبع ان العولمة ليست قدرا، بل هي نتيجة سياسات متعمدة
تروج لها الرأسمالية الدولية، وبالتالي فان هناك وسائل تتحكم في الأمر من بدايته•
ومع التسليم بان هناك مجالا واسعا للتحرك في اطار العولمة، الا ان ما يضعف حجة
المتشككين في العولمة ما كشفت عنه الاحداث في السنوات الماضية يظهر ان هامش الحركة
محدود• فقد عجزت بريطانيا ووراءها السوق الاوروبية بكل امكانياتها عن الدفاع عن
عملها في وجه المضاربين في مطلع التسعينات، وحدث الامر نفسه بنمور جنوب شرقي آسيا
العام قبل الماضي• ولكن حتى هنا فان من الواضح انه لو تعاونت كل الدول الكبرى في مجال
معين فان من الصعب على المضاربين ان يتلاعبوا باقتصاديات دول كاملة كما يفعلون
الآن•
يمكن تلخيصا اذن ان نقول ان
التطورات الاقتصادية والتقنية خلال العقدين الماضيين ومنها ثورة الاتصالات وتوسع
التجارة الدولية، قد خلقت ظروفا تحد من قدرة الدول منفردة على التحكم في حركة
السوق، وفي نفس الوقت ركزت قدرات وسلطات واسعة في ايدي جهات لا يحاسبها احد، مثل
المضاربين، والشركات متعددة الجنسيات وغيرها• ولكن هذا الوضع لا ينبع من حتمية
قدرية، بل انه يعكس الطريقة التي اختارت بها الجهات النافذة في المجتمع الدولي ان
تدير بها شؤونها وشؤون العالم• وقد اثبتت ماليزيا من طريقة تعاملها مع الازمة
الأخيرة ان هناك خيارا غير الاستسلام لتيارات العولمة المزعومة• وبالمثل نجد
الولايات المتحدة لا تتوانى عن الفعل حين يتعلق الامر بمصالحها• فالولايات المتحدة
تنفذ اليوم اشكالا من الحظر التجاري ضد ما لا يقل عن اربعين دولة، بدون اي سند
دولي في ذلك•
العولمة اذن هي جدل مستمر
بين التطورات التقنية والاقتصادية والاجتماعية من جهة وبين الانسان ممثلا في
المجتمعات والدول وسياساتها من جهة اخرى• وارادة الانسان تؤثر تأثيرا كثيرا ما
يكون حاسما في اي اتجاه تأخذه العولمة، وكما اثبتت حادثة مطعم »بيرغر كينغ«
الاخيرة في المستوطنة الاسرائيلية وانسحاب الشركة منها بعد تهديد العرب بمقاطعتها،
فانه حتى الشركات متعددة الجنسيات تفهم منطق هذه الارادة حينما تواجه بها•
التحدي اذن امام مجتمع القرن
الحادي والعشرين يكمن في كيفية تشكيل عالمنا لينسجم اكثر مع ارادة الانسانية في
العدل والمساواة والديمقراطية، وتحقيق هذه الغاية لن يتم بغير صراع كما اثبتت
تجارب التاريخ• فتحقيق الديمقراطية في المجتمعات الصناعية وغيرها لم يتم بغير صراع
عنيف دافع فيه المتنفذون من الملوك والنبلاء عن سلطاتهم وامتيازاتهم شبرا بشبر،
حتى تحقق قيام البرلمانات المنتخبة، وحتى اصبح حق الانتخاب متاحا للجميع• تحقيق
قدر معقول من العدالة الاجتماعية ايضا تم بعد صراع طويل قادته النقابات وبعض
الاحزاب اضافة الى بعض وسائل الاعلام والجمعيات الطوعية، وهنا ايضا دافع الرأسماليون
ومعهم الدولة عن امتيازاتهم شبرا شبرا حتى بدأت ملامح دولة الرفاه الحديثة تبرز في
مرحلة ما بعد الحرب الثانية•
ظروف العولمة تتيح ايضا
وسائل جديدة لخلق ائتلافات قوية تجمع الغالبية المتضررة من الاتجاهات السائدة
المتجهة لصياغة عالم مصمم خصيصا حسب مصالح اهل الهيمنة القلة، وتوحد جهودهم للنضال
من اجل استغلال الامكانيات التي تتيحها العولمة لخلق عالم افضل للجميع• فالعولمة،
وخاصة في جانبها الاعلامي، هي عصر قوة الضعفاء• فيكفي ان يبث التلفزيون مشاهد
المجاعات في اثيوبيا والصومال، او يصعد عمليات الاضطهاد في كوسوفو وتيمور الشرقية،
حتى يجبر العالم كله للتحرك، العولمة اذن طريق ذو اتجاهين، وليست مبررا ساذجا
لاضفاء الشرعية على سياسات متعمدة تقدم على انها قدر مقدور لا مفر منه•
وهذا درس مهم في عالمنا
العربي خاصة، حيث اخذ البعض يسوق الهزيمة والتقاعس والقعود على انها قدر لا مفر
منه• او لم ينجح عالمنا العربي باصالته وبصيرة حكامه النافذة في النجاة من تيار
الديمقراطية الذي اجتاح بقية العالم مشرقا ومغربا؟ او لا يكفي هذا دليلا على ان
الارادة البشرية الصلبة قادرة على تحقيق المعجزات؟