اجتماع
وزراء الخارجية العرب لأي غرض؟*
جورج علم
كان مطلوباً من وزراء خارجية دول الجوار
للعراق، أي مصر، السعودية، سوريا، الأردن، تركيا، وإيران الذين التقوا في اسطنبول
مؤخراً، إقرار خطة تحرك تقضي في نهاية المطاف بتوفير لجوء آمن للرئيس العراقي صدام
حسين وأركان نظامه، مقابل وقف التهديدات الأميركية،
وتعطيل خيارات الحرب ضد بغداد، وإفساح المجال أمام تغييرات هادئة في بنية الدولة
والنظام، إلا أن المجموعة العربية المشاركة في هذا المؤتمر رفضت الدخول في هكذا
رهانات وحسابات، وعندها انتهى الاجتماع ببيان إنشائي يحفظ للمجتمعين بعض ماء الوجه.
وعندما حاول لبنان، الرئيس الدوري للقمة
العربية، الاستفسار من دمشق والقاهرة حول حقيقة ما جرى في اسطنبول، جاءه الجواب
بأننا كنا أمام خيارين: إما أن نوافق على خطة أميركية
تنتهي بتنحي الرئيس العراقي وأركان نظامه عن الحكم، أو الفشل، فاتفقنا بعد طول
مناقشات على إصدار بيان يعكس الحد الأدنى من المواقف التي توافق عليها المؤتمرون،
وانتهى الاجتماع عند حدود البيان؟!.
في ضوء الفشل الذي مني به اجتماع
اسطنبول، لماذا سارع لبنان إلى الطلب بعقد اجتماع طارىء
لوزراء خارجية الدول العربية؟ الجواب المتداول في بيروت هو أن لبنان لم يسارع، بل
طلب منه أن يقود تحركاً في هذا الاتجاه بوصفه رئيساً للقمة العربية، وأيضاً للدورة
الحالية لمجلس الجامعة بعدما استخفت الولايات المتحدة الأميركية
بالنتائج التي انتهى إليها مؤتمر اسطنبول، وأعلنت فشله، واقتنعت بأن دول الجوار
للعراق هي أعجز من أن تقوم بمبادرة تقود إلى تنحية النظام العراقي.
وكانت سوريا قد نسقت مع لبنان وحثته على
الدعوة إلى عقد اجتماع طارىء لوزراء الخارجية العرب
لأنها تتحسس جيداً مدى الانعكاسات التي ستترتب فيما لو قررت الإدارة الأميركية تنفيذ تهديداتها، ولأنها وجدت بأن الأوان قد آن
فعلاً لخروج العرب من موقع الصمت والحيرة والانتظار والتردد إلى موقع الفعل وإبداء
الرأي وإعلان موقف خصوصاً وأن ما قد يجري لن يستهدف العراق فقط إنما ستطال
تداعياته معظم دول المنطقة بدون استثناء.
ورأت سوريا أنها تمثل المجموعة العربية
في مجلس الأمن الدولي، لذلك لابد من جس نبض الأنظمة العربية للوقوف على الآراء
والتوجهات كي تتمكن من التعاطي مع المسألة العراقية في مجلس الأمن من موقع العارف
والمطلع والمتحسس لنبض الشارع من التطورات المتسارعة
والتحديات المتعاظمة.
أمام هذا التوجه السوري تحرك لبنان ودعا
إلى عقد اجتماع طارىء لوزراء الخارجية العرب في مقر
الجامعة العربية في القاهرة منتصف الجاري، وقام بهذه المهمة على أفضل ما يرام لأن
الصعوبة لا تكمن في الاتصال وتوجيه الدعوة، بل في تحقيق الغاية المرجوة منها. ما هي هذه الغاية؟
- يختلف العرب في تحديد تعريف موحد يعكس
المرجو والمنتظر من هذا الاجتماع الطارىء. البعض يريده
رفعاً للعتب، أي صورة، وابتسامات، وتصريحات ومواقف تشيد
بالتضامن العربي... وكل اجتماع وأنتم طيبون... لا خبر،
لا موقف، ولا مبادرة.
البعض الآخر يريده، كما تريده الولايات
المتحدة الأميركية، أي التفاهم والتضامن حول خطة تنتهي
بتنحي النظام العراقي وعلى قاعدةأن الأقربين أولى
بالمعروف، طالما أن الإدارة الأميركية قد انتهت إلي وضع
الرأي العام العالمي أمام خيارين: إما تنحي صدام، أو الحرب؟!
أما الطرف الثالث فلا يريد الخوض في
الخيارات الأميركية المرسومة، ولا يقبل باجتماع
فولكلوري، صوري، بل يريد اجتماعا ًيعكس موقفاً عربياً واضحاً برفض الحرب، وبدعم
الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وعمل هيئة المفتشين الدوليين في العراق،
والإصرار على التعاون والتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع كل من روسيا وفرنسا
وألمانيا والصين ومع كل القوى داخل مجلس الأمن وخارجه المحبة للسلام وللخيارات
السلمية بهدف إبعاد شبح الحرب عن دول المنطقة.
أما هذا التباعد- كيلا نقول التضارب في
المواقف- يصبح من الصعب القول أن الاجتماع الطارىء في
القاهرة قد تأمنت له مستلزمات النجاح، بدليل أن ورقة
العمل لا تزال قيد البحث والتشاور، ولم يصار بعد إلى حسم المواضيع التي ستدرج على
جدول الأعمال.
يقول وزير الخارجية اللبناني محمود حمود
أن الورقة تنطوي على بندين الأول: وقف الحرب ضد العراق استناداً إلى التوصية التي
صدرت عن القمة العربية في بيروت في مارس الماضي والتي تقول برفض استفراد أي دولة
عربية أو توجيه أي ضربة تستهدف دولة عربية، فيما البند الثاني يتعلق بفلسطين أو
بما يجري على الأراضي الفلسطينية.
لا خلاف البتة حول الموضوع الفلسطيني،
لكن السؤال لا يزال يتمحور حول السبيل أو السبل التي يفترض اعتمادها لتنفيذ توصية
قمة بيروت العربية والحؤول دون قيام الإدارة الأميركية بضرب العراق واستهداف دول المنطقة من خلاله؟ إن
الجواب العملي على هذه الفرضية يتوافر عندما تتوافر الأجوبة الصريحة الواضحة على
أسئلة ثلاثة.
- هل العرب مستعدون للعب ورقة التنحية،
ومساعدة الولايات المتحدة الأميركية على تنفيذ خطط
أعدتها أجهزة مخابراتها للوصول إلى هذه النتيجة دون اللجوء إلى حرب مدمرة؟
- هل هم مستعدون للتعاون مع الولايات
المتحدة من خلال الأمم المتحدة للوصول إلى مخارج تنتج حلاً للمسألة العراقية من
خلال تنفيذ القرار 1441 بشكل يؤدي إلى تحقيق المآرب الأميركية
في العراق من دون تدميره، وتدمير المنطقة معنوياً واقتصادياً وسياسياً؟
- هل هم مستعدون لموقف تاريخي واضح صميم يقول: لا للحرب. وهل هم مستعدون لتسخير كل إمكاناتهم كي تكون هذه الـ لا
مسموعة ومحترمة على مستوى مجلس الأمن الدولي وعواصم دول القرار؟!