تناقضات المشهد السياسي الراهن
بقلم: محمد الخولي
هكذا اضطربت الأوضاع وانقلبت
القضايا رأسا على عقب.. لم يعد حساب الحقل مطابقا لحساب لبيدر ولا عادت المقدمات
تقود منطقيا إلى نتائج.. تلك هي أبعاد المشهد السياسي الراهن في أهم قضية باتت
تؤرق العالم في اللحظة التي نعيشها ـ قضية الحرب التي أعلنتها واشنطن ضد بغداد
ومازالت تهدد بإشعالها بين لحظة وأخرى.
وبين الاعلان والتهديد
بالاشعال والاندلاع تشكلت معالم أزمة لها طابع غريب ومثير حقا.. هي أزمة اللامنطق
أو هي أزمة التناقضات كما وصفتها بحق مجلة الأيكونومست البريطانية في أحدث أعدادها
الصادرة (15/1/2003).
مظاهر التناقض
ويؤسفنا
أن نعرض لابرز معالم هذه التناقضات على النحو التالي:
..
قالت واشنطن أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي من صنع عناصر تنتمي إلى ما يسمى
باسم تنظيم القاعدة ونسبت إلى هذه العناصر أنها نشأت في السعودية وتدربت في
السودان أو في اليمن أو في الصومال.. ثم أفضى هذا المنطق إلى حيث أعلنت واشنطن
الحرب على .. العراق.
..
تحدثت أركان الإدارة الأميركية الحالية عن صلات وعلاقات قالت أنها تربط بين
القاعدة وبغداد. والمفروض أنها علاقات تكتسي طابعا هو من الخطر والخطورة بمكان
وإلا لما أتخذتها أميركا تكئة وذريعة لإعلان الحرب على العراق ومع ذلك فلم تستطع
أميركا حتى تاريخه أن تقدم للعالم ولا لحلفائها ولا حتى لجماهير الرأي العام في
بلدها ذاته معلومات شافيه ولا قرائن مقنعة ولا أدلة يعتد بها في ميزان الحق
والمنطق على أن العراق متورط في مثل هذه العلاقة التي تربط بينه وبين ما أطلقت
عليه السياسة الأميركية وصف «منظومة الإرهاب».
مازالت واشنطن تتحدث عن
ضرورات التعاون مع الدول الأخرى دون إنفرادها بقرار خطير مثل قرار شن الحرب على
دولة عربية وإشعال نيران صراع مسلح لا تحمد عقباه ولا تؤمن عواقبه في الشرق الأوسط
وحمدت دوائر شتى لأميريكا إعلامها (على لسان الرئيس بوش) أنها ستعمل من خلال مجلس
الأمن والامم المتحدة في هذا المعنى ومع ذلك فقد تسامح العالم بالأمس القريب بما
أعلنه وزير خارجية الولايات المتحدة باول في خطابه أمام منتدى دافوس في سويسرا بأن
أميركا على استعداد لأن تتصرف بمفردها (يعني خارج نطاق مجلس الامن وخروجا على ما
يتوصل إليه الاجتماع الدولي) إذا ما قررت يوما أن تشن حربها على العراق.
ولعل هذه التصريحات من جانب
مسئول أميركي كبير مازال المحللون يعدونه من عقلاء الإدارة الأميركية هو الذي دفع
بلير رئيس وزراء جلالة البريطانية إلى أن يفضي إلى هيئة إذاعة البي.. بي.. سي
بتصريح أكد فيه أن الحليفتين على ضفتي الأطلسي ـ لندن وواشنطن على استعداد لإشعال
القتال والضغط على زناد الصراع المسلح حتى ولو تم استخدام حق النقض (الفيتو) من
جانب أحد الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي..(والمعنى أن ساكن المبنى 10)
أوننغ ستريت في لندن يكاد يحول مجلس الامن إلى مجمع بروتوكولي أو مجرد «مكلمة»
دولية تصدر قرارات لا ينفذها سوى المستضعفين ولا ينصاع لها الأقوياء كما في حالة
أميركا أو الذين يستقوون بغيرهم كما في حالة إنجلترا وبهذا فبلير يتناقض مع مجمل
تقاليد السياسة البريطانية التي ظلت تكرس دور مجلس الامن بوصفه الجهاز التنفيذي
والذراع الفعال لمنطقة الأمم المتحدة وخاصة في آخر قضايا الحرب والسلام في العالم.
يزيد الأمر استغرابا أن
يتنادى الفرقاء من الشرق الأوسط إلى اجتماع على مستوى وزراء الخارجية في اسطنبول
ويلتئم عقدهم على ضفاف البورسفور وربما انتظر المتفائلون أن يسفر اجتماعهم
«المبارك» عن نداء إلى أميركا بالتريث والتحقق وترطيب الاجواء والتماس السبل من
أجل تجنيب العالم ويلات صراع عسكري بل هو دموي وخيم العاقبة في أشد مناطق الدنيا
التهابا.. وبالفعل شمر السادة وزراء الخارجية عن ساعد الجد السياسي والدبلوماسي
وامضوا 7 ساعات في اجتماعهم الختامي وبعدها أصدروا النداء المرتقب ولكنه كان موجها
إلى.. العراق بأن يمتثل (بالأدق يزيد امتثالا) لقرارات الشرعية الدولية.
(وبالمناسبة ومع افتراض
قناطير وأطنان من حسن النوايا فقد جاء اجتماع اسطنبول في رأينا وكأنه تمييع وربما
الغاء لدور جامعة الدول العربية بوصفها المؤسسة القومية المسئولة عن قضايا النظام
الإقليمي العربي فيما جاء مؤتمر اسطنبول المذكور وكأنه يجسد فكرة الشرق أوسطية
التي سبق وطلع بها على أهل المنطقة السياسي الإسرائيلي المعروف شيمون بيريز).
المتابع المدقق لما أورده
الصحفي الأميركي المحقق «بوب وودوارد» في كتابه الصادر مؤخرا عن الملابسات
والمواقف التي واكبت أحداث سبتمبر وما حولها يستطيع بسهولة أن يلمح ثأرا مبيتا
وموقفا مترصدا متربصا إزاء العراق بالذات من جانب عدد من مساعدي الرئيس بوش ممن
يمكن تصنيفهم في فصيلة الصقور يستوي في ذلك رامسفيلد وزير الدفاع ومساعده بول
وولفيتز في البنتاجون أو تشارلس بيرل في وزارة الخارجية وفيما كان الكاتب ووداوارد
يحيل في ثنايا الكتاب إلى محاضر اجتماعات مجلس الأمن القومي أو مجلس الوزراء
برئاسة الرئيس بوش شخصيا - كان بوسع القارئ أن يطالع كيف كان واحد أو أكثر من
هؤلاء الصقور يقطع سباق النقاش ويطرح تساؤلات أو ملاحظات تفيد استعجاله ضرب..
العراق.
يزيد من حدة ظاهرة التناقض
التي يتسم بها الموقف الحالي.. تياران أساسيان لا يحتاجان بداخله إلى عمق في الرصد
أو تدقيق :أولهما تيار المظاهرات الشعبية التي تعكس آراء قطاعات عريضة شتى في شرق
العالم وغربه (وهي لا تقتصر على بقاع في الوطن العربي بل ربما يكون أقلها ما شهدته
أقطار الوطن العربي وربما يكون أشدها بروزا وأقواها شكيمة وأغزرها عدوا ما شهدته
العاصمة الأميركية واشنطن منذ منتصف يناير الجاري) وهذه المظاهرات تقول لا لاشعال
الحرب وتطالب بشعاراتها وطروحاتها بإقامة الحجة وبيان الدليل..أو ما يسمى في
أديبات السياسة بل وعلم الجريمة في أميركا بأنه «دخان البندقية الحديثة
الاستخدام».
أما التيار الثاني فهو ما
يشهده العالم من اللامعان في تعبئة القوات وإرسال حاملات الطائرات وزيادة حجم
الحشود المسلحة من جانب كل من أميركا وإنجلترا والاعلان عن إستهداف الوصول بحجم
القوات إلى نحو 200 ألف مقاتل مع تكرار عمليات التسريب المعلوماتي على الطريقة
التي تعودناها من دوائر السياسة ، والميديا في الولايات المتحدة تحت اسم
سيناريوهات الاجتياح والإغارة وشن الهجوم ومن ثم الصور المختلفة لما يسمى عراق ـ
ما بعد صدام.. الخ.
ثم نقرأ في التحليلات
السياسية الأميركية ما يفيد بأن من دوافع الرئيس بوش إلى شن الحرب رغبته في إكتساب
شعبية موعودة حين يمارس دوره كقائد أعلى لقوات بلاده المسلحة وحين يثبت أمام شعبه
مدى المتعة ، بل الجبروت الذي باتت تمتع به أميركا خلال ولايته الأولى بوصفها
القوة العظمى بل الاعظم بمعنى الوحيدة القادرة على الإمساك بمقاليد ـ هل نقول
بتلابيب عالمها منذ العهد الغائر لإمبراطورية قياصرة الرومان في سالف الزمان.. ولا
يتورع هؤلاء المحللون عن التذكير بأن شعبية بوش آخذة في التناقص حاليا حتى لتصل
أقل من 58 في المائة في إستطلاعات الرأي العام بعد أن كانت قد حلقت إلى أكثر من
80% وهو مستوى شعبية غير مسبوق لأي رئيس أميركي، ولا سيما في أعقاب أحداث سبتمبر
المأساوية.
مع ذلك نلمح عند الطرف الآخر
من معادلة التناقض الذي أحلنا إليه تصريحا للسيد فلايشر الناطق باسم البيت الابيض
يؤكد فيه للصحفيين أن الرئيس بوش لا يعمل ولا يتصرف وفق إستطلاعات الرأي العام.
يزداد التناقص المذكور عمقا
وربما يكتسب أبعاد مأساوية كما نراها عندما نتصور أن الرئيس بوش شخصيا قد يقع
أسيرا لمؤيديه وأعضاء حزبه الجمهوري بعد كل هذه الاشواط التي رأينا أن ادارته
الراهنة قد قطعتها على طريق شن الحرب على العراق:
إذا مضى بوش إلى إستخدام
القوة العسكرية، فلسوف يتجسد أمامه فورا المقولة الشهيرة التي لا تلبث تلوح أمام
كل قائد وكل مسئول:
ـ
إنك تستطيع إشعال الحرب ولكن قد لا تستطيع إخماد نيرانها.
حذار
من المفاجآت
والمعنى أن إشعال فتيل
الصراع أمر ميسور ولكن هناك قانون الاحتمالات وهناك أيضا قانون المصادفات..
السيئة. وهناك كذلك قانون النتائج غير المتوقعة..وكلها تحذر صاحب القرار من عواقب
مفاجآت الاحداث خاصة إذا كان القرار يتعلق بالدمار..وبالموت وبالحياة ثم أن الحرب
في العراق لها إيقاع ومسرح عمليات،ولها معادلات ونتائج تختلف كليا ونوعيا عن الحرب
في أفغانستان بالأمس القريب بل وعن الحرب في فيتنام منذ أوائل الستينات والحرب في
شبه الجزيرة الكورية عند منتصف القرن العشرين:
أفغانستان كيان معزول أو شبه
معزولة لا تربطه وشائج ثقافية ولا تاريخية ولا بشرية ولا حتى مصيرية مع دول الجوار
المحيطة به..ويكاد الشئ نفسه يصدق على كوريا (علما بأن أميركا ذهبت وحاربت في ذلك
البلد الأخير تحت إعلام الأمم المتحدة وهو ما أصبح مستبعدا على الأقل حتى تاريخه
في ظل الإنقسام الواضح بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين ( ثم أن العراق ) نتحدث
تحديدا عن الكيان - الوطن والشعب والدور الإقليمي ولا نتحدث عن النظام الحاكم وهو
لا يعنينا في هذا السياق).
ـ
العراق هو في التحليل الأخيرة جزء من كل بمعنى إنتمائه العضوي إلى الجماعة العربية
وخصائصها المميزة الثقافية والعقيدية واللغوية ودورها الذي لا ينتكره سوى جاهل أو
جاحد في العصر وفي التاريخ.
العراق ليس أفغانستان
ولا تنس ـ فالقوم لا ينسون ـ
أن العراق وعلى خلاف المسرح الأفغاني والكوري أيضا دولة موارد..وهي موارد نفطية
غزيرة واعدة وإستراتيجية من حيث حجم الناتج والاحتياطي على السواء.
ولا تنس أيضا أن مراصد
المستقبل تتوقع إستمرار دور النفط كمصدر رئيسي للطاقة متصدرا بذلك سائر الموارد
الأخرى وهو ما عبرت عنه مجلة المستقبليات المتخصصة (فيوتشرست، عدد يناير ـ فبراير
2003) حين قالت في إيجاز حاسم:
ـ
برغم كل الدعوات التي تحبذ تطوير مصادر بديلة للطاقة، فمن المتوقع أن يزداد
إستهلاك النفط بمعدلات سريعة (وقد نعلق على ذلك فنذكر أن العالم كان يستهلك 57
مليون برميل يوميان من النفط في عام 1973 ولكن العالم إستهلك في عام 1999 أكثر من
73 مليون برميل نفط في اليوم حتى مع تناقض حصة النفط ذاته من مجموع الإستهلاك
العالمي من الطاقة حيث بلغت هذه الحصة نحو 40 في المائة من المجموع المذكور في عام
1999.
السؤال المطروح
ـ
يبقى السؤال مطروحا ومعبرا في الوقت ذاته عن الطرق الأخرى المعادلة التي قد تواجه
الرئيس الامريكي بوش: ـ هل يمكن أن يقرر بوش تلافي مسار الحرب ويختار الإستجابة
إلى دعوات التماس المسارات الأخرى في إدارة الأزمة الراهنة مع العراق ؟
هذا الاحتمال يظل مستبعدا
على نحو ما تؤكده مجلة الايكونومست ومن عجب أن المشكلة لا تكمن في ضرورة الحرب بحد
ذاتها ولا في خيار السلام في حد ذاته..إنها تكمن كما تلمح الايكونومست أيضا في أن
الرئيس بوش قد أصبح أسيرا لقرار الحرب ولاجراءات الحشد العسكري ومن قبلها التعبئة
النفسية لدوائر حزبه الجمهوري وجماهير مؤيديه بشكل عام.
تقول الايكونومست:
في
حالة ما إذا قرر بوش عدم خوض الحرب ضد العراق فلسوف يتهمه المحافظون وهم قاعدته
السياسية بالتراخى وضعف الشكيمة كما سبق واتهموا والده الرئيس الأسبق (مازال
الرئيس الاب يعاني من الإتهام بأنه ترك العملية مبتورة وترك « الشغل » دون إكمال
والمهمة بغير إنجاز بمعنى أنه لم يكمل المسيرة إلى بغداد بعد إنجاز عملية طرد قوات
صدام حسين وتحرير الكويت في حرب الخليج الثانية).
القوة والتهديد والفعل
وعندنا أن الإدارة الأميركية
إستثمرت الكثير من رصيدها السياسي في تعبئة جماهير المواطنين الأميركان بإتجاه
الحرب والضرب وامعنت إلى حد الغلو في تصوير أخطاء النظام العراقي وعلاقاته مع
منظمات إرهابية ومدى ما يمثله من خطورة على.. الولايات المتحدة ذاتها.
ولقد وصلت درجة الغلو
والمبالغة في هذا المضمار إلى حد يكاد يصعب التراجع عنه أمرا في حكم المتعذر أن لم
يكن المستحيل.. اللهم إلا إذا إستطاع الرئيس بوش شخصيا أن يقنع جماهير حزبه
وجماهير مواطنيه بعامة بأن تهديداته الشفوية وتحركات إدارته داخل أروقة مجلس
الامن..وعمليات بناء التحالفات التي باشرها منذ الخريف الماضي وضم فيها إنجلترا ثم
إيطاليا - برلسكوني المبغض للعرب والكاره للإسلام.. فضلا عما لايزال يدور على قدم
وساق في مجال حشد الجنود والأساطيل وأسراب الطائرات المقاتلة وشن حرب الدعاية
المحرضة سواء بالمنشورات التي تهطل في سماوات العراق أو في تصريحات المسئولين
الأميركا من عسكريين ومندنيين محمولة على أجواز الأثير بالصوت وبالصورة - كل هذا
يمكن أن يصفه الرئيس بوش
ـ
في حال اختياره طريق السلام ـ بأنه كان أمرا مقصود إستراتيجية مرسومة لكي يضغط على
نظام بغداد حتى يتخلى عن ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي تقول واشنطن إنها كامنة
شاخصة، مودعة في بقعه من أرض الرافدين..ومن ثم يحق للرئيس الاميركي أن يقول أن
تهديداته قد آتت أكلها وأنه بهذا قد حقق المقولة الشهيرة المنسوبة إلى مفكر
الأستراتيجية الألماني «كارل فون كلا وزفيتز» وهي :
ـ
أن التهديد الجاد بإستعمال القوة يساوي في تأثيره الاستعمال الفعلي للقوة..
ومازال الخيار مطروحا أمام
القيادة الأميركية الحالية وفي كل حال تختم الأيكنومست تحليلها فتقول :ـ أن التردد
في قبول الحرب وعدم الرغبة في خوضها أفضل من التحمس وإنفتاح الشهية نحو إشعال
الحرب وإراقة الدماء.