حوارات القاهرة والمسؤولية عن تصويب المسار

 

بقلم : عوني فرسخ

 

      جرت في القاهرة حوارات الفصائل الفلسطينية حول ثلاثة محاور : تهدئة الانتفاضة باعلان هدنة من جانب واحد لمدة عام ، وتحقيق الوحدة الوطنية بالتفاف جميع الفصائل من حول قيادة الرئيس عرفات والسلطة ، وتصويب المسار باتجاه ما يسقط التحفظات الامريكية والاوروبية على الحراك الوطني الفلسطيني . فيما تواترت تصريحات رموز السلطة المطالبة بالعودة الى طاولة المفاوضات استنادا لما يسمى "خارطة الطريق" ، التي اوصت بها اللجنة الرباعية المعتبرة تجاوزا ممثلة "الشرعية الدولية"  .

 

     وذلك في وقت اوضحت فيه الانتخابات الاسرائيلية دعم التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني في غالبيته الساحقة لليمين بشكل عام ، والليكود بقيادة الارهابي شارون بشكل خاص . مما يعني الاجماع على تأييد ارهاب الدولة الذي مارسته ولا زالت حكومة شارون وبرنامجه في التصعيد ، وصولا لاستسلام كامل على الصعيدين الفلسطيني الخاص والعربي العام .  وبين النخب العربية من يزعم أن العمليات الاستشهادية هي المسؤولة عن هزيمة ما يعتبر يسارا صهيونيا ، متناسين أن صعود الليكود ، ومن هم على يمينه ، مضى في خط صاعد منذ مطلع سبعينات القرن الماضي ، وقبل أن  تكون هناك مقاومة وعمليات استشهادية مؤثرة في الوسط الصهيوني .

 

     ولقد تباينت وجهات النظر ، ولا تزال ، حول دوافع وغايات المبادرة الرسمية المصرية بدعوة  الفصائل الفلسطينية الرئيسية للقاء في القاهرة للبحث في مذكرة اعدها رئيس المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان ، كما حول دواعي واستهدافات الفصائل التي استجابت للدعوة واوفدت ممثليها الى القاهرة . ومما رشح من المحادثات التي جرت خلف ابواب مغلقة يتضح ان هناك خلافات حادة بين ممثلي الفصائل حول موجبات التهدئة وجدواها ، ومتطلبات تحقق الوحدة الوطنية ، وإلى من توجه دعوة تصويب المسار ، هل الى السلطة الملتزمة بخيار التسوية ، أم للفصائل التي لا تزال وفية لخيار المقاومة ، أم للجماعتين معا ؟

 

     وليس من شك ان الشعب العربي في فلسطين المحتلة من النهر الى البحر يعيش واحدة من أدق واخطر مراحل الصراع الممتد ، الذي فجره التواجد القسري للاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني على ترابه الوطني . وأن الامة العربية تعيش واقعا بائسا بعجزها الفاضح تجاه العدوان الامريكي التي تلوح نذره في  آفاق المشرق العربي  . وحين يكون الواقع مأزوما والظروف ضاغطة ، تتقدم عند الغالبية الساحقة الرغبة في الخلاص من المعاناة المتعاظمة ، دون تفحص دقيق للثمن المطلوب دفعه للخلاص المنشود ، ولا للاحتمالات المستقبلية التي سوف ينتهي اليها القبول بمنطق "انقاذ ما يمكن انقاذه " ، ويغدو ميسورا توظيف الشعارات ذات القبول الشعبي في تحقيق مآرب ذوي المصالح الخاصة .

 

     ومنذ البدايات الاولى للحراك الوطني العربي في فلسطين ادركت النخب النشطة سياسيا القائدة منها والمعارضة  ، ان لحراكها عمقا قوميا استراتيجيا يسندها في مواجهة تحالف الاستعمار والصهيونية . وبقراءة التفاعلات الفلسطينية العربية منذ هبة البراق سنة 1929 يتضح أن الشعب العربي في فلسطين كلما اشتدت معاناته ، وواجه حراكه الوطني مازقا لا يستطيع تجاوزه بقدراته الذاتية ، تطلع لمحيطه العربي طالبا العون والتأييد . وفي جميع الحالات كانت النخب السياسية الفلسطينية تبدو منقسمة الى جناحين ، متمايز توجه كل منهما وطلبه عن توجه وطلب الجناح الآخر . ولقد تحكمت ولا تزال ظروف الواقع العربي في توجهات النخب السياسية الفلسطينية نحو العواصم العربية وما تطلبه منها .

 

     فمن جهة أولى نجد ان النخب الاشد تأثيرا في صناعة القرار الوطني الفلسطيني ، وصاحبة الدور القيادي الاول ، تتوجه بشكل اساسي للانظمة وصناع القرار في الساحات العربية ، وبخاصة الاكثر فاعلية . وغالبا ، إن لم يكن دائما ، لا يتجاوز طموحها توظيف العلاقات العربية الدولية في الوصول الى تسوية سقفها الاعلى الابقاء على أكبر قدر مستطاع من مكاسب وامتيازات القادة وحوارييهم ، والحفاظ على دورهم القيادي . وفي المقابل نجد النخب الاكثر راديكالية تغلب التطلع الى الدعم الشعبي العربي ، وتنظر بغير قليل من الريبة للمداخلات الرسمية العربية ، تحسبا من نتائجها على ما قدمه شعب الصمود والتصدي من تضحيات واستعداد غير محدود للعطاء .

 

    وباستعراض تداعيات ما شهدته فلسطين في محيطها العربي ، على مدى العقود السبعة الماضية ، يتضح ان هناك تمايزا نوعيا بين الاستجابة الشعبية في الغالب الاعم ، وبين التجاوب الرسمي في معظم الحالات . فالقوى الشعبية ، الوطنية والقومية والاسلامية ، كانت ، ولا زالت ، سريعة الاستجابة عظيمة الاستعداد لتقديم كل ما تستطيعه من دعم مادي وادبي ، في حدود معوقات واقع التجزئة والتخلف والتبعية . ولطالما سقي ثرى فلسطين بدماء المناضلين  العرب الذين تقاطروا عليها من مشرق الوطن ومغربه . وذلك في مقابل انحسار الدعم الشعبي قطريا و قوميا لكل حركة او فئة اتخذت موقفا معارضا للحراك الوطني الفلسطيني ، أو بدت مؤيدة الطروحات الصهيونية .

 

     أما على الصعيد الرسمي العربي فندر الذين ادركوا  الترابط العضوي بين الامن والاستقرار القطريين ومواجهة تحدي تحالف الاستعمار والصهيونية ، ونظروا  بالتالي للحراك الوطني الفلسطيني من زاوية بعده القومي . وذلك في مقابل كثرة غالبة من صناع القرار ومستشاريهم الذين صدرت مواقفهم – ولا زالت – تجاه ما يجري على ارض فلسطين من زاوية تداعياته على أمن نظامهم واستقراره . وفي الذاكرة الجمعية العربية مرارات غير يسيرة نتيجة المداخلات الرسمية العربية الموحى بها في الشأن الفلسطيني . وهي المرارات التي تسببت في تمرير شعار "استقلال القرار الفلسطيني " دون تمعن في الغاية المستهدفة من رفعه .

 

     وفي ضوء معطيات الواقع المعاش ، والتجربة التاريخية للشعب العربي في فلسطين والمشرق العربي ، نقف مع المحاور الثلاثة التي كانت – ولا زالت – موضوعا لحوارات القاهرة ، مبتدئين بالدعوة لاعلان الهدنة والتهدئة . وأول ما يلاحظ بهذا الخصوص أن معاناة شعب فلسطين كانت دائما الحجة التي يتذرع بها المتدخلون من الرسميين العرب ، الذين لم يتحركوا يوما إلا بعد أن يوحى اليهم أن لدى التحالف الاستعماري الصهيوني بعض ما يمكن ان يقدمه وصولا لتسوية متفاوض عليها ، وكثيرا ما أخذ المتدخلون في حسبانهم تجاربهم القطرية مع التحالف المضاد .

 

     غير أن الذي لم يؤخذ في الحسبان ماضيا وحاضرا  أن ما يواجهه الحراك الوطني الفلسطيني اكثر تعقيدا بما لا يقاس مما واجهه الحراك الوطني في مختلف الاقطار العربية ، بما في ذلك ثورة الجزائر . ففي مواجهة تحالف قوى الهيمنة والاستغلال الدولية مع الحركة الصهيونية ليس ممكنا تحقيق انجاز يذكر على الصعيد الفلسطيني دون أن يكون الظرف الدولي والواقع العربي ملائمين ، الامر غير المتحقق في المرحلة الراهنة . وعليه يغدو منطقيا القول بأن اقصى ما يمكن ان يتحقق في حال التسوية المروج لها حاليا انما هو تنفيذ "خارطة الطريق"  بعد التعديلات الشارونية ، بحيث يقام كيان هجين ليس له من مواصفات الدولة غير اسمها . إذ سيكون مجموعة معازل ، محكومة بوكلاء لاسرائيل ، مهمتهم الاساسية قمع شعبهم ، والاسهام في تعزيز امن الصهاينة ، وتيسير تعميق وتوسيع تغلغلهم في مشرق الوطن العربي ومغربه .

 

          وأن يكون ذلك هو الممكن والمتاح  في ظل الظروف القائمة ،  فالشىء المؤكد ان حوارات القاهرة لن يكتب لها النجاح الكامل . واغلب الظن ان لا تشارك فيها حتى النهاية الفصائل التي لا زالت وفيه لخيار المقاومة . ونذكر الذين سوف يتحدثون بمنتهى البلاغة حول السلبية واضاعة الفرصة ، وما الى ذلك من مقولات مستهلكة  ، أن الاختلاف قد يكون ضروريا ومنتجا في الحالات التي تتطلب الحسم ، ولنا في التجربة العربية اكثر من مثال . فالخلاف حول حلف بغداد هو الذي اسقطه سنة 1954 ، والخلاف حول مشروع ايزنهاور هو الذي جمده سنة 1957 . ولطالما توالت الشكوى من قاعدة الاجماع المعمول بها في جامعة الدول العربية ، وتعددت المطالبة بالعدول عنها لمضارها الفادحة  .

 

 

          وأن يكون الخلاف مجديا  احيانا لا يلغي اهمية وضرورة الوحدة الوطنية" والعمل الجاد والمخلص لتحقيقها ، ذلك لأنها الدرع الواقي من الصراعات المحتم تفجرها سواء تحققت التسوية المذلة والمفرطة ، أم فشلت مساعي العاملين على استغلال الواقع المأزوم في تسويقهم "خارطة الطريق" ، التي لا تعدو كونها محاولة من اللجنة الرباعية تمرير الطروحات الامريكية – الصهيونية . غير ان الوحدة الوطنية " لا تتحقق بمجرد الدعوة اليها وتأكيد اهميتها وجدواها . فضلا عن انها لن تكون مجدية ، ولن يكتب لها الدوام ، ما لم تكن مؤسسة على قواسم مشتركة فيما بين القوى الملتزمة بها .

 

     وابسط مواصفات الوحدة الوطنية المطلوبة فلسطينيا ، في المرحلة الراهنة من الصراع الممتد مع تحالف الاستعمار والصهيونية . انما هي الوحدة التي تعزز الموقف الفلسطيني في الارض المحتلة سنة 1948 ، كما في الضفة والقطاع ، وعلى امتداد الشتات . وذلك لا يكون الا بالتلاقي على الالتزام النضالي بالحقوق الوطنية المشروعة للقطاعات الثلاثة : الحقوق القومية والديمقراطية لعرب الارض المحتلة سنة 1948 ، وحق تحرير كامل الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتفكيك جميع المستوطنات فيهما ، واقامة الدولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس ، وذات التواصل الحر مع كل من مصر والاردن ، والتفاعل المتحرر من الاشتراطات الصهيونية مع عمقها القومي . والمحافظة على حقوق اللاجئين بالعودة والتعويض بعدم التفريط بالقرار 194 لسنة 1948 .

 

          ويقينا ان افشال مخطط التسوية المثقلة بالتنازلات سوف يعني تواصل معاناة القابضين على الجمر في الضفة والقطاع  ، غير أنه سوف يجنبهم  معاناة اشد في المستقبل غير البعيد . كما أن هذا الفشل سوف يعزز قدراتهم  على الصمود والمقاومة ومضاعفة الاثار السلبية للانتفاضة والابداع المقاوم في معسكر العدو . وذلك هو القانون الحاكم للصراع الممتد مع الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني . وما تشهده فلسطين شهدته كل تجارب الاستعمار الاستيطاني السابقة ، وبخاصة شعبنا العربي في الجزائر .  مما يحتم و يفرض على نخب فلسطين في الارض المحتلة وفي الشتات ، التوجه الجاد للبحث بموضوعية في تصويب المسار . الأمر الذي لا يؤدي غايته على أفضل وجه وأكمله ما لم تسبقه قراءة موضوعية للواقع ، تحدد نقاط قوته ونقاط ضعفه ، بحيث يستهدف التصويب تجاوز النهج المثقل بالسلبيات ، وتحجيم نقاط الضعف ، وتعزيز نقاط القوة . ودون ذلك توظيف ما يحتاجه الشعب في واقعه المأزوم توظيفا يزيده معاناة ، ويعمق التناقضات الثانوية بين فئاته المختلفة والدفع بها لكي تغدو تناقضات رئيسية تحتم الصدام . وهذا ما تجنبته الفصائل الفلسطينية بكفاءة تذكر لها جميعها ، ومن غير استثناء

 

     وابسط مواصفات تصويب المسار فيما يخص قيادة الرئيس عرفات والسلطة اعادة النظر جذريا في نهج اوسلو  ، الذي التزمت به – ولا تزال –، بعد أن ثبت فشله المطلق خلال السنوات التسع الماضية ، والتحول جديا باتجاه تبني خيار المقاومة ، باعتباره الخيار الواقعي والمنتج في مواجهة الاحتلال الاستعماري العنصري . واعتماد مبدأ "جماعية القيادة" ، وإجراء عملية اصلاح شامل وعميق في مختلف مؤسسات السلطة ، بحيث يتم استبعاد جميع العناصر الفاسدة والمفسدة . والتوجه نحو تشكيل مجلس قيادة تمثل فيه الفصائل ذات الوجود الفعلي في الميدان ، ويكون صاحب الدور الاول في صناعة القرار ، حتى تتوفر فيه المواصفات الملزمة لمختلف الفصائل ، واعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها بحيث تصبح المعبرة بحق عن الحراك الوطني  الفلسطيني .

 

     أما الفصائل التي لا زالت ملتزمة بخيار المقاومة فانه لا خلاف انها حققت ابداعات تاريخية في عملها المقاوم ، واغنت التراث النضالي لامتها العربية ، وسطرت في تاريخ فلسطين صفحات مجيدة . إلا أنها ما زالت في نظر المراهنين عليها مطالبة بتطوير ادائها باتجاه ما يجعلها أشد فاعلية وأقدر على توفير متطلبات حماية عناصرها وتعزيز قدراتها النضالية . وذلك بالتحرر من الاستعراضات المظهرية غير المجدية فهي قد تجاوزت في نظر شعبها وامتها مرحلة الاعلان عن الذات واثبات الفعالية .

 

    والسؤال من المسؤول تاريخيا عن تصويب المسار : هل هي القيادة التاريخية التي تعيش مأزق التهديد بالغاء دورها لمصلحة المقبولين اكثر من قبل التحالف الصهيوني – الامريكي ؟ أم هي القيادات والقواعد الملتزمة بخيار المقاومة والمنتسبة لمعظم الفصائل وبخاصة حركة فتح ؟ ام هم المثقفون المسؤولون تاريخيا عن صياغة استراتيجية المقاومة ؟ ذلك هو التحدي الذي تواجهه نخب فلسطين في الزمن العربي الصعب .