رسالة من تركيا

 

بقلم: أحمد منصور

 

    ببساطة شديدة ودون أى تعقيدات دخلت مقر رئاسة الوزراء التركية فى أنقرة فيما كان مجلس الوزراء مجتمعا صباح الأربعاء الماضى يبحث فى الطلب الأميركى بنشر ثمانين ألف جندى فى تركيا من أجل مهاجمة العراق، ويبدو أن شخصية رئيس الوزراء التركى عبد الله غول قد انعكست على كل شيء فجعلته بسيطا حتى أن الشارع الذى يقع فيه مجلس الوزراء والذى كان مغلقا فى عهد الحكومات السابقة فتحه للسيارات والناس،

 

    ويستطيع أي عابر أن يشاهد رئيس الوزراء وهو يتحرك فى سيارة واحدة وليس موكبا طويلا عريضا كما كان يفعل أسلافه، وأطرف ما فى الأمر أن باب المدعي العام الجمهورى الذى يترصد كل حركات وسكنات حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا يقع مباشرة فى مواجهة باب مجلس رئاسة الوزراء ليعد على جول ووزرائه كل تحركاتهم وسكناتهم على الهواء مباشرة.

 

    وفى مكتب صغير فى مبنى رئاسة الوزراء التركية التقيت الرجل الذى ينظر إليه الآن على أنه الصانع الرئيسى لسياسة تركيا الخارجية، أحمد داود أوغلو كبير المستشارين لرئيس الوزراء التركى عبد الله غول والأكاديمى التركى البارز الذى قدم من خلال كتابه «العمق والاستراتيجية» الذى صدر قبل حوالى عامين رؤية استراتيجية عملية متكاملة للدور الاقليمى والدولى الذى يجب أن تلعبه تركيا فى المرحلة المقبلة، ويرى كثير من المراقبين للشأن التركى فى أنقرة أن معظم ما ورد فى الكتاب يمثل النهج الذى بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية نهجه بعدما تم اختيارها من قبل الشعب فى انقلاب سياسى خلال الانتخابات البرلمانية التى تمت فى تركيا فى الثالث من نوفمبر الماضى.

 

    أول ما أخذنى فى شخصية داود أوغلو أنه شاب فى الثالثة والأربعين مثل معظم قيادات الحزب وأفكاره، ويحمل رؤية طموحة لتحول المنطقة من منطقة تابعة إلى منطقة مستقلة فى صناعة قرارها ومراعاة مصالحها، وكان واضحا أن الرجل يحمل رسالة ليس منه وإنما من حكومته إلى دول المنطقة كى تسعى للبحث عن مصالحها وفق منظومة إقليمية تحافظ بها على أمنها وتراثها وتاريخها وهويتها، وعلاقاتها الدائمة، فالجوار لايمكن الفرار منه، والجوار شراكة يجب أن تقوم على الثقة المتبادلة وحفظ الأمن والاستقرارا والتكامل والتعاون. ويبدو أن حكومة أنقرة لم تنتظر طويلا لتطبيق مفاهيمها الجديدة، فعلى الصعيد الاقتصادى قام الوزير المكلف بالشئون التجارية كورسات توزمن بزيارة للعراق ضمت أكثر من ثلاثمئئة وخمسين من رجال الأعمال وأبرم اتفاقات وصفقات وعقود زادت قيمتها عن سبعمئة مليون دولار رغم ما يحيط بالعراق من ضبابية ومستقبل مجهول كما أنه من المقرر أن يكون الوزير فى سوريا خلال هذه الأيام مع عدد مقارب من رجال الأعمال لتذويب الجليد في علاقات كان يشوبها التوتر على المياه تارة وعلى الحدود تارة أخرى، حيث أصبح الاقتصاد والتكامل الاقتصادى من أهم عوامل المصاهرة السياسية بين الدول.

 

    وعلى الصعيد السياسى جاءت مبادرة عبد الله غول وجولته على الدول العربية الخمس وإيران والمؤتمر الوزراى الذى عقد فى اسطنبول، كأحد الأفكار الأساسية لتكوين نواة إقليمية تضع الأمن والمصالح وشراكة الجوار كأهداف أساسية تتجاوز التبعية التى تغرق فيها دول المنطقة.

 

    وحينما تحدثت مع البروفيسور داود أوغلو عن مخاوف الدول العربية وما كتبته الصحافة العربية عن الباب العالى والأستانة ومحاولة تركيا استعادة الهيمنة من جديد من خلال تلك المساعى قال الرجل بعدما ضحك: التاريخ لا يعود، ونحن لا نسعى للهيمنة على أحد ونحن حكومة اختارنا الشعب بثقة كبيرة من أجل أن نحقق الأمن و السلم وتحسين الأوضاع ونحن نريد أن نكون عند هذه الثقة، وعلى المستوى الخارجى وجدنا أن أول هدف نسعى إليه هو خلق وعى أقليمى بين القوى الأقليمية الأساسية يقوم على أخذ مبادرة أنفسنا بأيدينا فالحلول التى تأتى من الخارج لن تكون دائما فى صالحنا، ومصالحنا نحن أدرى بها.

 

    فقلت له: معنى ذلك أنكم مستعدون للدخول فى مواجهة مع أمريكا، فقال: مطلقا، مبادرتنا الأخيرة للحل السلمى بالتعاون مع القوى الاقليمية لا تعنى أننا ضد الولايات المتحدة، ولكننا فى الواقع نحاول الضغط باتجاه حل سلمى أكد عليه باستمرار قادة الولايات المتحدة، والحلول السلمية فى مثل هذه الأزمات لابد أن تصنع بتعاون وتقارب إقليمى وليس بشكل منفرد أو إملاء خارجى، لأننا إذا نجحنا فى خلق وعى إقليمى ومسار متعدد عندها نستطيع أن نحقق سلاما مستمرا، وإذا كانت الولايات المتحدة تتغنى بأنها دولة ديمقراطية فنحن أيضا لنا مرجعيتنا الديمقراطية التى يجب أن تضبط تحركاتنا ومطالب الولايات المتحدة والغرب منا.

 

    إننى أريد أن أقول لأشقائنا العرب إن مبادرتنا ليست عملا عفويا، أو محاولة لبيع صفقة أو مجرد خطوة معزولة، و إنما يجب النظر إليها على أنها مسار بدأ ويجب أن يستمر من أجل مصلحة كل قطر فينا ومن أجل مصلحتنا الاقليمية جميعا فالمصالح هى المحرك الأساسى الآن للدول كما هى للأفراد ويجب ألا ننتظر الآخرين حتى يحققوا لنا مصالحنا ولكن علينا أن نأخذ المباردة وننطلق بثقة وتفاهم ووعى حتى نتجاوز الخطر الذى يحدق بنا جميعا.

 

    قلت له: يبدوا أن كتابك الذى يزيد على خمسمئة صفحة قد بدأت الحكومة تطبيق كثير مما ورد فيه فضحك وقال: لا نحن مازلنا فى الصفحات الأولى.

 

    عندئذ دخل علينا أحد مساعديه وقال: آسف جدا لقد جاء السفير اليابانى،ثم علمت أنه ضمن قائمة طويلة من السفراء والمبعوثين الذين أدركوا مكانة أوغلو ودوره فى صناعة السياسة الخارجية لتركيا فى هذه المرحلة فطلبوا لقاءه حتى يستوعبوا الدور التركى الجديد من خلال هذه الحكومة الجديدة،لكنى لا أدرى كم سفيرا عربيا زاره أو طلب زيارته حتى الآن ليفعل ما يفعله السفراء الآخرون، شكرت الرجل وسلمت عليه فخرج إلى الباب يودعنى ثم قال لي: لقد أخبرت رئيس الوزراء بزيارتك، وبالبرنامج الذى سوف أشترك فيه معك فى قناة الجزيرة فسعد بذلك، لكنى أود أن تنقل رسالتنا إلى العرب بقلمك أيضا، فضحكت وقلت له: سأفعل.