شجرة آدم العراقية

خليل السواحري

 

    في مدينة القرنة جنوب بغداد تقف شجرة آدم ذات الجذوع المتيبسة الا قليلا وكأنها الشاهد الحي الميت على حضارة العراق الضاربة في اعماق الارض والانسان.

    شجرة آدم تحولت الى مزار ترتاده العراقيات للتبرك، وقطع بعض الاغصان الجافة لتكون تعاويذ للابناء الذاهبين الى الحرب او الذين ستأتي اليهم الحرب الغادرة.

    احدى العراقيات اللواتي يذهبن الى الشجرة قالت لمندوب وكالة الصحافة الفرنسية وهي تتحسس بأصابعها جذوع الشجرة المصفرة الاوراق: »املي ان تحمينا بركات هذه الشجرة من صواريخ العدوان الاميركي « ويقول آخر ممن يسكنون في جوار الشجرة: قال لي والدي نقلا عن اجداده ان عمرها لا يقل عن الفي سنة وانها كانت موجودة قبل تشييد مدينة القرنة.

    امرأة اخرى كانت تقف الى جوار الشجرة رفعت بيدها تفاحة حمراء كتلك التي قطفتها حواء ذات يوم، في محاولة لتشبيه هذه الشجرة باشجار الجنة، بل ان بعض المعتقدات الراسخة لمن يقطنون المنطقة تقول ان منطقة التقاء نهري دجلة والفرات هي جنة عدن وان هذه الشجرة هي التي قطفت منها حواء اول تفاحة قدمتها لآدم.

    اما مؤذن مسجد الحاج نجم في القرنة فيعتقد ان موقع الشجرة لم يكن فيه في الازمنة الغابرة غير الماء ثم تجمع تراب النهرين ليظهر اول انسان على وجه الارض.

    وحضارة العراق ليست مجرد اساطير نمت حول جذوع شجرة آدم ولكنها الحقيقة التي اكدتها الاديان السماوية، فالطوفان كان في العراق وسفينة نوح ومن قبلها الحضارات البابلية والاشورية واول تشريعات مكتوبة عرفها الانسان في زمن الازدهار البابلي.

    في احدى الفضائيات العربية كان ثمة مناظرة قبل ايام بين المفكر الاسلامي محمد عمارة، ورجل سياسة اميركي، قال الاميركي: انتم (اي العرب) تدعون ان حضارتكم عمرها خمسة الاف سنة، ونحن نعترف بان عمر حضارتنا هو فقط مئتا سنة، ومع ذلك فأي مسافة تفصل بيننا وبينكم الان.

    السياسي الاميركي يعرف ان العراق ومصر احتضنتا اقدم الحضارات البشرية على وجه الارض، وان الحضارة الاميركية الملفقة لم تحتضن في ذاكرتها سوى حروب الابادة ضد الهنود الحمر وثورات العبيد من اجل تحررهم ومن ثم حروب توحيد الولايات، وهو يعرف كذلك ان ابادة الهنود الحمر لم تقتصر على ابادة ملايين البشر، ولكنها تجاوزت ذلك الى ابادة تلك الحضارة والمعتقدات والمعابد التي عرفها الهنود الحمر وتم تدميرها على يد الاسبان والانجلو ساكسون الغربيين.

    من هنا جاء الحقد الاميركي على العراق، وهو حقد يتجاوز حدود النفط والهيمنة وحماية اسرائيل، انه حقد على اقدم الحضارات البشرية، وعلى الانسان الذي ابدع هذه الحضارة حين كانت اميركا مجرد غابات تسكنها القرود، الى ان وصلها المد الانساني الذي خرج من هذه المنطقة ايضا قبل مولد كريستوفر كولومبس بمئات السنين، وكل الدلائل التاريخية تشير الان الى ان العرب هم اول من اكتشف اميركا وليس كولومبس الذي وصلها عام 1592م.

    حقد له ما يبرره، ولكن الصواريخ وادوات القتل والدمار لن تغتال حضارة العراق، ولن تقتلع منها الحجر والانسان، ذلك الانسان الذي علم البشرية اول حروف الهجاء.