عندما تتحدث الأرقام !!

 

بقلم: عبدالعزيز آل محمود

 

    مررت مذكرة سرية على بعض مكاتب الأمم المتحدة المعنية بشئون الصحة واللاجئين، والمذكرة تحوي مختصرا لتقرير قامت باعداده لجنة من الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وبعض الجهات المعنية بشئون الاغاثة، ولندع التقرير يتحدث عن نفسه فيقول :

 

    خلال حرب الخليج الثانية توفي حوالي مئة وعشرين ألف جندي عراقي بالاضافة الى حوالي عشرة آلاف مدني، وأودت الحرب بأكثر من مئة ألف ضحية من الاطفال والعجائز والمرضى الذين قضوا نحبهم جراء أمراض لها علاقة مباشرة بالحرب خلال السنة الاولى فقط.

 

    لقد كان الكثير من العراقيين يملك حينئذ ما يستطيع به دفع غائلة الجوع والحاجة للدواء ولكن الاوضاع الآن في أدنى مستوياتها فالصيدليات خالية، والمخازن تم افراغها من الغذاء، فما الذي ستحدثه الحرب حين يأمر الرئيس بوش بتفجير صاعقها ؟ يقول التقرير ان عدد الضحايا سيتراوح بين ثمان واربعين الفاً الى اكثر من ربع مليون شخص، ومع تواصل القصف لن يستطيع الملايين من السكان الحصول على العلاج والطعام او حتى الحصول على الماء الصالح للشرب، وقد تنتشر امراض مثل الدوسنتاريا والحصبة والكوليرا وغيرها من الامراض المصاحبة عادة للحروب وتوابعها.

 

    يعيش حاليا 60% من الشعب العراقي على الحصة الغذائية التي تقدمها الدولة، ولو عطلت الحرب نظام توزيع المواد الغذائية فان ثلاثة ملايين من النساء والاطفال سيعانون من نقص في الطعام، وسيحتاج اكثر من سبعة ملايين عراقي الى نوع ما من الاغاثة العاجلة وخمسة ملايين الى الحصول على اساسيات الحياة، وستكون هناك حاجة ملحة لايجاد مأوى سكني لحوالي مليوني لاجيء، وسيحتاج حوالي 40% من الشعب العراقي للحصول على ماء شرب نظيف، وسيتكدس حوالي نصف مليون جريح بانتظار اسعافهم.... الخ.

 

    اعلم ان هذه الارقام تفسد طعم شاي الصباح المصاحب للفطور، ولكن من حقنا ان نطلع على نتيجة القرار الذي سيخرج من فم الرئيس بوش يوما ما، فهؤلاء الضحايا لن يكونوا في اميركا الجنوبية او استراليا، بل هم قريبون جدا، ومنطقتنا العربية هي ساحة المعركة الرئيسية والمذبح الذي ستقدم عليه تلك القرابين في سبيل السيطرة على منابع النفط.

 

    لقد ادهشني حقا ذلك التوازن الهش في عالمنا الذي نعيش فيه، فلم يتطلب الامر سوى تفجير برجين في نيويورك لتمطر كل تلك المشاكل والمصائب ابتداء من افغانستان وحتى بالي في اندونيسيا مرورا بكينيا واليمن، ثم بوصم العرب والمسلمين بالارهاب وحتى زج الكثيرين من الابرياء في اقفاص صغيرة في غوانتينامو دون محاكمة، ولتمتليء شوارع اوروبا بالمتظاهرين المحتجين على الحرب، وليتم قنص الاميركان في شوارع الكويت، ولتهاجم واشنطن بعض الانظمة التي كانت يوما ما من اكثر حلفائها، ولتفكر دوائر صنع القرار في اميركا باعادة رسم خريطة المنطقة، وليتم اكتشاف هذا العدد الضخم من الخلايا المستعدة لتنفيذ عمليات في اوروبا، وليتم ربط نظام البعث العراقي العلماني بالقاعدة التنظيم الديني المتشدد، ولتقرر واشنطن ازاحة الرجل الذي خدمها في لجم الثورة الاسلامية في ايران، ولتتسابق الدول العربية على فتح قواعدها وموانئها ومطاراتها للقوات الاميركية، ولتتحول اكبر ديمقراطية الى ثيوقراطية يحكمها اهوج متأثر باليمين المسيحي واللوبي اليهودي الى سجن ضخم لملايين الشرق اوسطيين. ولولا شيء من الحياء وبعض المعارضين لتحول الرئيس بوش الى كاهن يرأس محاكم التفتيش الاميركية ليذكرنا باهوال تلك المحاكم التي أعقبت العهد الاسلامي الرائع في الاندلس. انه فعلا عالم هش، اساسه من تراب، وتوازنه تحكمه القوة غير المسئولة.

 

    ليس هناك عاقل على وجه البسيطة يريد الحرب، فما نقرأه هنا على انها ارقام قد تصيبنا بالاحباط، هي على ارض الواقع ملايين القصص لمآس ممزوجة بالدموع والاهوال والتشتت والتشريد والترويع والجوع وتراب القبور وصراخ الثكالى وعويل الارامل ودعوات العجائز، فمن سيتحمل ان يكون مسئولا عن كل ذلك؟