بين (ركل) بالونة وركل وطن

د. عمر بن قينة

 قالت الأنباء ذات يوم: إن إحدى المحاكم في اسطنبول بدأت محاكمة مغنية تركية بتهمة إهانتها لعلم بلادها بركلها بالونات كانت مرسوماً عليها علم تركيا. وطالب المدعون بسجن الممثلة المغنية المعروفة هوليا أفشار ستة أشهر لإهانتها العلم التركي المرسوم على بالونات حمراء اللون، كانت قد ركلتها عندما كانت تسير لتحيي الجمهور في برنامج تلفزيوني في أبريل 2002 .

وكانت البالونات تستعمل للديكور في العرض الخاص بالبرنامج في المحطة التلفزيونية، وعرض برنامج أفشار على الهواء لتشجيع فريق تركيا لكرة القدم الذي كان يشارك في كأس العالم لأول مرة منذ 1954. والقانون التركي لا يسمح باستغلال العلم التركي كأن يرسم على الأشياء، كما لا يسمح بإلغائه على الأرض .

 حاول محامي المتهمة الدفاع عن موكلته بدءاً بكونها لم تكن تعرف أن القانون يشمل أيضاً علم تركيا المرسوم على البالونات التي تستعمل للديكور. الأمر منطقي وسليم وطبيعي في بلدان للقانون يده الطولي التي لا يفلت منها أحد، مهما كان موقعه، وللوطن كرامته، ولرموزه حرمتها المصانة التي لن يمسها بسوء أي نذل وإلا فالزنزانة مثواه، لكنه في العالم الإسلامي يبدو الأمر لافتاً للنظر مفرحاً، معبراً عن صرامة القوانين في التعامل مع المتهورين، وهي صرامة لم تفلت منها هذه المواطنة التركية، رغم عدم القصد في إهانة علم بلادها وعشوائية التصرف في ذلك المرتبط بالمناسبة الصاخبة العربيدة التي تفقد هذه الفئة من الناس الشعور بموقع القدم، والإحساس بالأشياء. وكان على ذوي الصلة دفع الثمن، ففضلاً عن (المغنية) فالمحاكمة تشمل منتج البرنامج التلفزيوني ومساعده والمزود بالبالونات الذين يدعوهم القانون للتوجه للزنزانات، لقضاء ستة أشهر.

مرة ثانية أقول: إن الأمر أكثر من منطقي في بلدان يحكمها القانون، وتخضع الحياة فيها لضوابط المؤسسات التي لا تحابي، وفي مقدمتها المؤسسة القضائية، لكنه بدا لي مفرحاً في بلد من عالم إسلامي عودنا في الغالب على أن مثل هذه الحالات استثنائية، ونريدها قاعدة كما في عالم متحضر يحترم فيه المرء نفسه وغيره، ووطنه ورموزه وحضاراته، ونحن روّاد في ذلك في زمن الرجال قبل حضور الأشباه في أزمنة التيه والضياع.. والضباع. هذه مواطنة في لحظة صخب ركلت بالونة عليها علم بلادها من دون وعي، غير متعمدة الإهانة، فماذا عن الذين يركلون كل يوم وطناً؟ ماذا بين ركْل بالونة للزخرفة المبتذلة وركْل و طن ركلاً عنيفاً في كلّ مسامه؟ ما الموقف الحضاري الوطني المسؤول تجاه أولئك الذين يركلون صباح مساء وطناً أبياً تاريخياً؟ يركلونه بكل وقاحة وسفالة مع من فيه وما فيه: رموزاً وقيماً وتاريخاً وديناً وناساً، وحياة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية؟! مرارة السؤال الملح تغدو غصة في الحلق، وكابوساً على الصدر، وظلاماً في الوجدان، وقتامة في العقل الذي بات من دون عقال يضبط سيره، ولا بوصلة في دروبه. أكرر السؤال المر للواقع الأكثر مرارة: ما المسافة بين ركْل بالونة في ظاهرها البراءة، وبين ركْل وطن في ظاهر هذا الركل الوقاحة والاستفزاز والتحدي، وفي باطنه الحقد على الوطن وكراهية ما فيه: ديناً ولغة وتاريخاً وقيماً، والحقد على من فيه: إنساناً صامداً لصروف الزمن رافضاً الاستسلام، وأقطاب فكر ورجال رأي ورواد سياسة من زمن سلف مضى في الأولين، قبل وفود خلفٍ حضر في الآخرين.

الشعوب التي تحترم نفسها: تلزم نفسها بالتزام الضوابط المشتركة، فينصاع أفرادها اختياراً لا جبراً للقانون الذي يضبط حياتها، فتحترم قيمها ورموزها المختلفة الكبيرة والصغيرة. أما الشعوب التي تصاب بخلل ما لأمر ما فتغدو الساحة فيها مستباحة تملأها الخفافيش و الغربان و البوم ومختلف الزواحف فتغدو الجرأة على المقدسات نفسها أمراً مغرياً، وطريقاً إلى المجد السياسي و الشهرة الاجتماعية، فيكون ركْل الوطن حينئذ بمن فيه وما فيه من أبسط الممارسات، فالعلم لا يركْل فحسب، بل ينتزع من جبين المؤسسة الرسمية ويمزق تمزيقاً، أو يشنق في أعلاها شنقاً، ويحرق في جميع الحالات تحت هتاف عربيد هو دخان الحقد و أنفاس الكراهية وتأشيرة الولاء و العمالة للعدوّ التاريخي التقليدي، لأي وطن، وهو عدوّ ذكي عادة، خبير في صناعة العبيد الأوفياء.