حلفاء
العهد الجديد
جيم هوغلاند
بات الرئيس الأميركي
جورج بوش وسياساته مصدرا حيويا لمشاعر القلق والحيرة التي تسود العالم مع بزوغ عصر
جديد قاتم وحافل بالمخاطر.
ويتوجب على الأميركيين
ألا يتجاهلوا الآثار السلبية ومظاهر المعارضة التي باتت تنمو نتيجة لاتساع حجمها
العالمي، ولأخطاء وعيوب الرئيس بوش. لكن علينا أيضا أن لا نستسلم لردود الفعل هذه،
أو أن نسمح لها بأن تملي علينا تصرفاتنا داخل أميركا أو خارجها.
فالمخاطر المتوقعة اضافة
الى سياسات ادارة بوش، باتت
تجبر أمتنا على الاختيار، على اعتبار ان مبدأ «معنا أو
ضدنا» لم يعزز موقعنا باعتباره تنبيها ملزما، أو حتى اختبارا عمليا لوضوحنا
الأخلاقي في مكافحة الارهاب. فقد أثبتت باكستان واليمن
وغيرها من الدول ان بامكانها
تبني الموقفين معا وفي نفس الوقت أيضا. لكن هذا التعبير لا يوجز مطالبتنا للآخرين
بالتعاون معنا أو التراجع والابتعاد عن مجرى السياسة الاميركية
الرامية الى جعل استعادة مشاعر الأمن لمواطنيها في
مقدمة اهتمامات الجميع.
هل يعني ذلك اننا
طغاة؟ مؤكد. وهل هذا موقف فريد في التاريخ؟ شيء يصعب تصديقه. فقد وصف شارل ديغول
دوره كرئيس لفرنسا باعتباره اخصائيا نفسيا. كما انه أرغم زعماء آخرين ودولا على الانحناء لرؤى التجديد
المتباهية التي تبناها لتمكين فرنسا من التغلب على جراحها العميقة.
وها
هو الرئيس بوش يجد نفسه أمام موقف مشابه فرض عليه يوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)،
كما انه هو الآخر يمضي قدما بحماس مشوش.
ويبدو ان وزير
الدفاع دونالد رامسفيلد أخطأ
في فهم اتجاه ومسار التغيير عندما لفت الانتباه الى «أوروبا
القديمة»، في ايماءة مقتضبة لخلاف المانيا
وفرنسا مع الموقف الأميركي من العراق ومن قضايا الشرق
الأوسط؟ اذ أن موقفهما
السلبي جاء متعارضا مع استعداد دول وسط أوروبا، التي باتت الآن ضمن حلف شمال
الأطلسي، لدعم استراتيجية الولايات المتحدة المتعلقة بالعالم.
فالخط
الذي يفصل بين الأمم في عالم اليوم لم يعد مبنيا على أساس جغرافي ويقسم أوروبا
وفقا لما شهدته القارة خلال الحرب الباردة. لقد أصبح خطا استراتيجيا يفصل بين
الأمم استنادا الى رؤاها لمفهوم الزعامة وللاجراءات المطلوبة لمكافحة انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية وأنظمة الصواريخ وأنظمة الحكم غير المسؤولة وشبكات الارهاب.
يشير تواصل الأحداث التي جرت خلال الاسبوع الماضي فقط الى مدى تسارع
تأرجح التاريخ فوق مفاصله: فالتقرير الذي قدمه هانز بليكس
لمجلس الأمن الدولي، وخطاب الرئيس بوش الذي القاه أمام
الكونغرس، يشيران معا الى اقتراب الحرب. وقد توجه الاسرائيليون الى مراكز الاقتراع
وانتخبوا حكومة لا تحمل غصن الزيتون للفلسطينيين، مما تسبب في اثارة
حالة من الاستياء التام في أوروبا رغم تأييد بوش المطلق. وها هي السحب الكثيفة للحرب والنزاعات تغطي أفق الكون.
جريدة «لوموند»
اليومية الفرنسية كتبت في افتتاحية لها خلال الاسبوع
الماضي: «لم يجانب رامسفيلد العجوز الحقيقة.. بعض
الحقيقة على الأقل.. فالمشكلة ان رؤية فرنسا والمانيا لأوروبا باتت تمثل الأقلية في أوساط الاتحاد
الأوروبي»، الذي يواصل توسعه شرقا. فالدول حديثة العضوية «لا تطمح الى اقامة أوروبا التي ستكون لها
هوية سياسية موحدة» كما هو حال باريس وبرلين. وقد أضافت الجريدة باسلوب تهكمي ان على وزير الدفاع الأميركي أن يعترف أيضا «بعجز أميركا عن التسامح مع حليف
أوروبي مستقل».
لقد ظلت واشنطن تختلف مع باريس حول امكانية أن تكون الدول مستقلة وحليفة في نفس الوقت. لكن ما
نحن بصدده ليس مجرد جولة أخرى في ظل الحرب الباردة سيتم
وضع حد لها باسم الحاجة الى وحدة الموقف. ويبدو ان بوش قد تعمد اختيار استراتيجيات الاستقطاب وهو يخوض الحرب
ضد الارهاب أو يواجه خطرا عراقيا أعرب آخرون عن
استعدادهم لتنحيته جانبا. والاجراءات التي يقوم بها
تفرض أهمية تحديد الموقف بطريقة منقوصة لكنها واقعية.
من الممكن أن يتخيل المرء هذه الأيام أن
لا يصبح أهم تحالف أميركي في المستقبل مبنيا على أساس
الخطوط التاريخية والجغرافية المنقوصة في أوروبا، كما كان الحال مع حلف شمال الأطسي (ناتو)، بل انه سيكون مبنيا
على التقاء الديمقراطية والخوف من الارهاب المستند الى الدين ومن الأعمال العدائية
التي تدعمها دول. ويبدو ان هذا الوصف ينطبق على الولايات
المتحدة واسرائيل والهند وروسيا. فجميعها تسعى لامتلاك
نظام دفاعي صاروخي قد يؤدي في نهاية المطاف الى اجبارها على التعاون في مجال أمن كل منها.
لقد اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتن السماح لفرنسا أن
تصعد من وتيرة مناقشات مجلس الأمن بشأن العراق، على اعتبار انه لا يرغب في
المغامرة بصداقته لبوش أو بدعم الولايات المتحدة للاقتصاد الروسي أو بتغاضيها عن
الحرب البشعة في الشيشان. وها هو وزير خارجية باكستان
يزور واشنطن مؤخرا ليشكو من تعاظم الهند في الدوائر الأميركية.
ويبدو ان رياح
التغيير هذه الأيام تحمل شيئا من القش، لكنها تسلك نفس اتجاة
رياح التغيير العالمي. ويبدو ان تبني بوش سياسة استعراض
القوة في العالم جاء نتاجا لمشاعر الاستياء والاحباط من
واقع الحال التي سادت خلال العقد الماضي. وهو بذلك أكد حقيقتين اساسيتين احداهما تشير الى أنه لن يقف مكتوف اليدين في حالة الخطر وانه لن يسمح لأحد
بأن يفعل ذلك.