الاصلاح يأتي من الداخل ولا يُفرض من الخارج
بقلم : الدكتور محمد
علي الفرا
اعتقد الرئيس الاميركي »جورج
بوش« بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ان سبب الكراهية لبلاده ما حققته من تقدم
وتفوق، وما يتمتع به الشعب الاميركي من حرية وعدالة وعيش رغيد، ولكن بعض مفكري
الادارة الاميركية ومنظريها قالوا بان السبب يكمن في الدعم والتأييد الاميركي
للانظمة المستبدة والفاسدة في عدد من الاقطار الاسلامية والعربية، فشعوب هذه
الاقطار التي تعاني من الظلم والفساد والاستبداد تحمل اسبابه وتبعاته ومسؤولياته
ونتائجه وتداعياته الولايات المتحدة، والتي قالوا، انه لا يهمها الا مصالحها،
ونريد تحقيقها بواسطة حكام اقوياء يمكنها الاعتماد عليهم، ولا تهتم بالطرق
والاساليب التي يحكمون بها شعوبهم، ولكنها على استعداد لمحاربتهم او التخلي عنهم
والعمل على اسقاطهم وتغييرهم اذا انتهى دورهم، او افترقت وتضاربت مصالحها معهم،
متذرعة بذرائع وتهم جاهزة، مثل الفساد والاستبداد، وانتهاك حقوق الانسان، واضطهاد
الاقليات، وممارسة سياسة التمييز الديني او العرقي والطائفي.
لقد اعتقد هؤلاء المفكرون
بان ظاهرة الارهاب التي وصموا بها الاقطار الاسلامية والعربية هي من نتائج هذه
الكراهية وافرازاتها، وقالوا بان علاجها يمكن ان يتحقق بعدة وسائل تطبق معا وبشكل
متزامن مع بعضها، وان من اهمها شن حرب استباقية او وقائية على الارهاب في اي مكان
تستشعر الادارة الاميركية انه قد يشكل خطرا عليها، او تظن انه ربما كان وكرا
للارهاب او داعما او مساعدا للعمليات الارهابية. وفي الوقت نفسه القضاء على
الاسباب المولدة للارهاب بتشجيع دول منطقة الشرق الاوسط للتحول الى النهج
الديمقراطي والقيام باصلاحات ادارية واقتصادية، واعادة النظر في البرامج التعليمية
والمناهج الدينية ومقررات التربية الوطنية، وتعديلها وتغيير بعضها وشطب ما تعتقد
انه يركز على الاعتزاز القومي والانتماء الديني، والذي تظهر انه قد يولد الكراهية
والعداء للاخرين.
ويبدو ان الادارة الاميركية
سائرة في هذا الاتجاه ومطبقة لهذا التوجه، وبخاصة فيما يتعلق باستخدام القوة،
واتباع اسلوب الضربات الوقائية او الاستباقية، وتعديل البرامج والمناهج الدراسية.
اما بالنسبة لفكرة دمقرطة دول الشرق الاوسط، فقد تم الاتفاق في الادارة الاميركية،
وبعد نقاشات ومداولات مطولة، على ضرورة السير في عملية الدمقرطة، ومكافحة الفساد،
والاصلاح الاداري، لاعتقادها بان ذلك يخدم المصالح الاميركية. وقد عبر عن هذا
التوجه »ريتشارد هاس« مدير ادارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الاميركية في
شهر ديسمبر من العام الماضي، وايّده في ذلك »كولن باول« وزير الخارجية، في خطابه
الذي القاه في الثاني عشر من الشهر نفسه حيث قال فيه بان من مصلحة اميركا القيام
بمساعدة العالم الاسلامي بعامة، والشرق الاوسط بخاصة، على اصلاح نفسه من اجل تعزيز
النمو الاقتصادي، وتحرير المرأة، وتحقيق درجة اكبر من المشاركة السياسية للمواطنين
في الحكم.
وقد نتساءل - من جانبنا -
فيما اذا كانت عملية تحول انظمة الحكم في البلاد العربية والاسلامية الى
الديمقراطية كاستجابة للطلب الاميركي ستحقق الاهداف الاميركية وتخدم مصالحها في
تلك الاقطار؟
وللاجابة عن هذا السؤال نقول
بان توفير المزيد من الحرية وتحقيق العدالة والمساواة والقيام بالاصلاحات ومكافحة
الفساد واتباع النهج الديمقراطي في الحكم، سيلقى الترحيب من شعوب المنطقة، لان هذه
الامور كانت ولا تزال، اهم مطالبها، ولكنها تريد ان تكون هذه التحولات، وتلك
الاصلاحات استجابة لمطالبها، وثمرة لمساعيها، ومنبعثة من ذاتها، ومن داخل نفسها،
وليست مفروضة عليها من الخارج وغير مرتبطة بمصالح قوى خارجية باهظة التكاليف تدفع
اثمانها من طموحاتها وتطلعاتها، وقد تؤدي الى التفريط بهويتها وبانتمائها الديني
والقومي وباعتزازها الوطني، وبخاصة اذا كان الهدف تعديل او تغيير البرامج والمناهج
الدراسية والتربوية من الخارج. ولهذا نقول بان الامة العربية، كأي امة في العالم
لا تقبل المساومة والمقايضة فيما يتعلق بهويتها وانتمائها القومي والوطني والديني.
ونعتقد بان الادارة الاميركية مخطئة ان هي سارت على نهجها هذا، وستثبت لها الايام
ان مزيدا من الحرية والديمقراطية سيؤدي الى تقوية الانتماء القومي والديني وتعزيز
الولاء الوطني، لكونها مشاعر دفينة متأصلة في اعماق نفوس الامم والشعوب ولا يمكن
استئصالها. وقد فشل الاتحاد السوفييتي من قبل في مهمة الاستئصال هذه، اذ انه بمجرد
تفككه برزت الانتماءات الدينية والقومية والعرقية، وعادت الى الظهور بقوة. وقد
فشلت الايديولوجية الشيوعية في احتواء هذه الانتماءات ولم تنجح في طمس الهويات
القائمة على الثقافات والاثنيات، والذي حدث في الاتحاد السوفييتي حدث في الاتحاد
اليوغوسلافي كما يعرف الجميع.
ونجد حاليا اقطارا تتمتع
شعوبها بالحرية والديمقراطية وحليفة للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تهتم بالبحث
عن هويتها القومية وعقيدتها الدينية. وربما كانت تركيا خير مثال على هذا. فقد
افرزت الانتخابات الاخيرة فوز التيار الاسلامي، صحيح ان هذا الفوز لم يكن سببه
عقائديا بقدر ما هو الرغبة في الاصلاح ومكافحة الفساد والتضخم، الا ان التوجه
العام للشعب التركي يرفض ضرب العراق ويمقت السياسة الاميركية في المنطقة. والشيء
نفسه قد ينطبق على دول اخرى مثل المانيا وكوريا الجنوبية اللتين وقفت معهما اميركا
في محنتيهما، فساعدت الاولى في اعادة بناء اقتصادها وحمت الثانية من غزو كوريا
الشمالية لها. وهما اليوم تشهدان حركة مد قومي معارض للسياسة الاميركية، قد ترقى
احيانا الى مرتبة الكره، فالكوريون الجنوبيون لا يرتاحون الى معارضة اميركا لسياسة
الشمس المشرقة الداعية الى توحيد الكوريتين ما دامت هذه الوحدة لا تنسجم مع
توجهاتها ولا تحقق مصالحها.
وقد تجسدت موجة الكره
للسياسة الاميركية في الخطاب الانتخابي للمستشار الالماني »جيرهارد شرودر« والذي
جاء منسجما مع نبض الشارع الالماني، والرافض للانجرار وراء الولايات المتحدة في
حربها ضد العراق. وقد شبّهت وزيرة المانية سابقة اعمال الرئيس »بوش« بممارسات
»هتلر« النازية، مما اثار حنق الادارة الاميركية.
ومما يؤلم الادارة الاميركية
حاليا اتفاق كل من فرنسا والمانيا في معارضتهما لضرب العراق دون صدور قرار من مجلس
الامن، وترى انهما ناكرتان للجميل، فقد نسيت فرنسا وقوف الولايات المتحدة معها في
اثناء غزو هتلر واحتلاله لاراضيها في الحرب العالمية الثانية، وانها وبموجب مشروع
»مارشال« اعادت بناء اقتصاد فرنسا والمانيا ودول غرب اوروبا. وقد عبر عن هذا
الاستياء من البلدين »دونالد رامسفيلد« وزير الدفاع الاميركي حينما قال عنهما
بأنهما اوروبا القديمة، اي التي عفّى عليهما الزمن، ولا تعيشان في الحاضر، ولا
تنظران الى المستقبل الذي اصبح اميركيا، كما تنظر غالبية الدول الاوروبية التي
تؤيد الولايات المتحدة وتقف معها، وان مركز الثقل الاوروبي قد تحول من الغرب الى
الشرق.