مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية الشعب – والى
الحلقة 14
سجن
القطا و السجون شديدة الحراسة سبة فى جبين عهد مبارك
الأربعاء 12 إبريل 2000 :
استيقظنا فى الصباح على الطقوس العادية .. و كنا فى طريق ذهابنا و عودتنا
من دورة المياه نلتقى بالمساجين الذين أصبحوا يحيونا بصورة أكثر حرارة .. و ماكدنا
نبدأ موقعة أكل الفول الميرى (وكان معقولا على خلاف الخضار ) .. وجدنا من يطلب منى
مقابلة أحد الضباط .. فخرجت الى الفناء فوجدت الضابط الذى يتولى الشئون الادارية
.. و قال لى : ان اشارة نقلكم الى سجن مزرعة طره وصلت أمس مساء أو اليوم صباحا (لا
أذكر) .. فقلت له : هل وصلت الترحيلة ؟ قال : انها فى الطريق لقد جئت لأقول لكم
استعدوا .
و عدت الى صلاح و عصام و قلت لا مناص من الاعلان عن رحيلنا ،
فالاشارة جاءت و الترحيلة فى الطريق .. و قلت لشركائنا فى الزنزانة على هذا الخبر
.. و قلت : أنا أبشركم بخبر سعيد فلطالما كنتم متضررين من ترك أماكنكم الطبيعية ..
و المعيشة معنا .. و هنا انقلب الفيلم بصورة عكسية و انقلبت المشاعر : و تحولت الى
آسى الفراق .. و ادراك بعض المزايا التى كان يمكن ان تعود على السجن اذا بقينا ..
و مهما كانت سعادتهم الداخلية لانتهاء هذه العاصفة التى جدت عليهم فى السجن ، و
انهم الآن سيعودون الى أحضان أصدقائهم .. إلا ان عشرة ثلاث ليالى كانت قد أثرت
فيهم بعض التأثير .. و كان النبطشى هو الأكثر حزنا .. ليس على فقده المرتب (10
سجائر يوميا ) .. و لكن على فراق من موقع المحبة .. و قد حسبت ان معدنه أصيل .. و
كنت أستبشر به خيرا .. و أ رتاح له ..
و عندما ألتقيت (بالمسير) فى الفناء و أبلغته بالخبر .. لم يكن ساعتها
المسير (شبيه الباقورى) بل الانسان دون المسير .. الانسان الذى أحسب ان 16 عاما فى
السجن قد طهرته .. و تجمد فى موقعه و نظر فى الأرض مليا و ترقرقت الدموع فى عينيه
.. و لعله بكى .. و أنا أيضا اختنقت العبرات فى مآقىّ .. و قلت له : هون عليك يا
رجل فاننا سنلتقى ان شاء الله خارج السجن بعد 4 سنوات !! .. و ذكّرته باننى كتبت
مقالا أطالب فيه بتعميم الافراج فى نصف المدة على كل الجرائم بما فى ذلك المخدرات
، شريطة ان تكون هناك وسائل للتأكد من التوبة .. و أعتقد ان 10 سنوات فى حالة
المؤبد كافية لهذا التأكد اذا كانت هناك أجهزة دعوية و أمنية و اجتماعية متضافرة
تعمل بجد فى تمحيص أحوال المساجين .. ( و أقصد تضافر جهود الداعية و رجل الامن و
الاخصائى الاجتماعى الكفء و المدرب و ذى الخبرة ..
و قلت له : اذا أقتنعت الدولة بوجهة نظرى .. فربما تخرج فورا و تبدأ صفحة
جديدة يرضى الله عنها و ترضى أنت عنها ..
و كانت علاقتنا قد قفزت سريعا
رغم قصر المدة ، و رغم المشكلات التى اعترضت طريقنا .. و هذا عادة يحدث فى
السجن (و فى ظروف الشدة عموما) .. و رغم اننى كنت قليل التحدث اليه ، و أميل لأن
أسمعه أكثر .. حتى حكى لى تاريخ حياته ..
و السجين انسان عاطفى جدا .. و حتى أكثر المساجين غلظة و خشونة .. يبكون
كثيرا سرا أو علنا .. و لعل (المسير) تذكر فى هذه اللحظة ، عديدا من المواقف التى
تعرض لها على مدار 16 سنة ، عندما كان يودع مسجونا مفرج عنه ، أو منقولا لسجن آخر
.. و تجمعت فى مخيلته كل لحظات الفراق .. و هى قاسية و دامية لانسان لا يبرح
المكان (السجن) لفترة طويلة .. و مهمته ان يودع الراحلين .. دون ان يرحل هو مرة و
يجد من يودعه . و لاشك ان وجودنا فى السجن كان أشبه بالفاكهة أو الشئ المثير فى
جدب الصحراء .. و كان فى حالة يرثى له عندما جذبته ليودع صلاح و عصام .. و بدأنا
فى تحضير حاجياتنا .. و لم يكن الأمر ليحتاج وقتا طويلا .. و نفس مشاعر المسير
كانت مشاعر الجميع داخل و خارج الزنزانة .. و بدأ الخبر يتسرب الى العنبر .. محدثا
انفعالات شتى .. بين السعادة لنا و الحزن على فراقنا .. فقد كنا حدثا هز أعماق
العنبر .. و رأى كل سجين فائدة فيه أو طرافة .. فها هو الحدث ينقشع و سيعودون الى
الروتين اليومى القاتل ..
و رأت ادارة السجن اننا لو انتظرنا فى العنبر لتحول وجودنا الى ندوة وداع
.. فطلبوا مننا الانتقال الى الادارة .. و كنا بدأنا مع (المسير) فى بحث وسيلة
سداد ديوننا التى وصلت الى 70 جنيها ، و أصر المسير بكل إباء و قوة على اغلاق هذا
الموضوع و أعتبره اهانة .. حتى كدت أسلم ، و لكن صلاح أصر ، و قلنا : نحن لا نحتاج
لموافقته كى نطلب 70 جنيها من حسابنا و نقلها الى حسابه .. و تصورنا أن أرصدتنا
المجمدة لاشك ستفك بمناسبة رحيلنا ..
و قبل أن نرحل حدث مشهد عاطفى آخر بين عصام و صديقه الحميم الذين أحبا
بعضهما البعض من أول نظرة .. و الشاب بالفعل جدير بالحب ، و كان يتحدث لنا و كأن
سكينا قد طعنه فى قلبه .. فقد كنا بالنسبة له خاصة عصام واحة مفاجئة أعترضت طريقه
القاحل فى القطا ، و أخذ يمدنا بعصائر و هدايا أخرى لتعيننا على متاعب الرحيل . و
عصام يرفض .. و أنا أنظر لعصام متعجبا دون ان أتحدث .. حتى رصدنى النبطشى .. و قال
: ان عيونك تقول لعصام خذ الهدايا .. فقلت له : يا أريب ! نعم أنا عيونى و قلبى
تدعو الى ذلك .. و كانت علبة العصير كبيرة و مثلجة .. بينما موجة الحر لم تنته بعد
.
و فى هذا السجن يعتمد المساجين على وضع الخيش على الزجاجات البلاستيك
لتبريد المياه بنفس نظرية الزمزمية ، و نتائجها معقولة ، إلا ان رائحتها تتحول
سريعا الى ريحة العفن (بسبب تعفن الخيش المبلل !! ) ، و هم يشربون من مياه السجن
التى يقال انها يتم ضخها من تحت الأرض .. و ان بها نسبة أملاح ، و انه يتعين عمل
بعض التنقية لها بالقطن .. و لم أكن بعد قد تعمقت فى هذا الجانب ، لان كل أوضاعنا
اضطرارية و لا تحتمل البدائل .. فكنت أعب من الماء عبا بلا قلق و مصيرى كمصير هذه
الحشود من الآدميين .
و كان لابد للركب ان يرحل فى اتجاه الادارة .. فتعددت الأحضان و القبلات
بصورة ثنائية بين كل منا و زملاء الزنزانة و المساجين الذين تجمعوا بشكل عفوى داخل
الزنزانة و على بابها .. حتى أصبحت كأتوبيس من اتوبيسات العتبة .
و الحقيقة لقد كنت فى شغل شاغل من تجميع و حمل أثقالنا حتى انى لم ألحظ
حركة العبرات فى العيون المختلفة .
و فى ردهة العنبر وجدت عشرات المساجين يتطلعون إلينا بعيون حيرى .. فقلت
لنفسى : لو سلمت باليد على كل منهم فان الأمر يستغرق ساعات .. و نحن محاطون بعدد
من صف الضباط و المخبرين .. و قد تكون سيارة الترحيلات قد وصلت فعلا .. فلن يكون
التلكؤ مقبولا .. فرفعت صوتى و لوحت للجميع مودعا بصورة جماعية .. فاذا بهم يلتفون
حولنا فقلت لهم : نحن آسفون أن نترككم سريعا بهذا الشكل ، و لكننا لن ننسى
مشكلاتكم و معانتكم و سنتبناها و ندافع عنكم .. فكان التأثير باديا على الجميع و
أخذوا يرددون بكلمات متداخلة مع بعضها البعض : مع السلامة .. ربنا يحميكم .. ألف
سلامة ..
و عندما استدرت تجاه باب العنبر كان قلبى مكلوما و قلت لنفسى : يا ويلتى ..
كيف أترككم هنا و أذهب الى سجن مريح .. و قبل أن أخرج حزينا لانى كنت أود أن أصافح
الجميع و أسمع كلمة من كل واحد منهم (كلمة تشجيع لنا – شكوى شخصية – الخ الخ ) ..
وجدت بجوارى سجين مسن لم أره من قبل .. و لم أكن بعد حفظت إلا عددا يسيرا من
الوجوه .. فقلت ليكن هذا الشيخ هو ممثل هذه الجموع فهمست فى أذنه وسط الزحام حتى
لايسمع أحد من المخبرين : هل تريد شيئا ياعم الشيخ ؟! هل لديك شكوى ما ؟ مش عاوز
أى حاجة تقولها ؟
فرد علىّ بكل قوة : ربنا
ينصركم على الظلمة !! فاحتضنته و
أخذت أقبل رأسه .. و قد بلغ بى التأثر مبلغه ، فهذا الرجل الذى اخترته لأسمع منه
شكوى أو أنين أو طلب .. اذا به غير مهتم الا بالدعوة لنا بالنصر على الظلمة .. و
قد أراح صدرى .. لانى كنت أخشى ان يكون الاعتقاد السائد ، اننا حصلنا على كوسه
للخروج من هذا الجحيم / فاذا كان هذا الموقف ممثلا للمجموع .. فانهم اذن غير
غاضبين علينا ان تركناهم ، و يعرفون ماذا نفعل بالضبط ؟ و لماذا جئنا الى هنا ؟! و
ان ترحيلنا من سجن الى سجن ليس إلا محطة عبر طريق الجهاد الطويل ؟ و لعلهم رأوا ان
مجرد الإتيان بنا الى هذا السجن و لو لمدة 4 أيام ، فيه دليل كاف على مصداقيتنا و
تجردنا و عملنا لوجه الله تعالى .
و انفصلنا عن الجموع بمجرد الخروج من باب العنبر ، و سار الركب الى الادارة
و معنا المسير الذى كان مايزال لم يخرج من حالة التأثر ، مبلم ، لا يحير جوابا ..
عندما وصلنا الى مدخل الادارة كان المأمور فى انتظارنا مع عدد من الضباط ..
لتوديعنا .. و مع اصرار صلاح طرحت مسألة خصم 70 جنيها من أموالنا و اعطائها للمسير
.. فأثاروا من جديد العقبات البيروقراطية .. و ان تحويل أموال من حساب مسجون لحساب
مسجون ضرب من المستحيلات .. فهو ممنوع .. و قال صلاح : نرسل له حوالة .. فسأله
المأمور ، و أصر المسير انه لم يقم إلا بواجب الضيافة و لا يجوز الحديث فى الأمر
.. و هنا همس أحد الضباط لى : " ان حالته ميسرة و هذا مبلغ تافه بالنسبة
له" . و أنا أعلم من تقاليد السجن مسألة واجب الضيافة ، فالسجين الجديد يأتى فى
حالة كرب ، بلا أكل أو تجهيزات ،و يعتمد على زملائه حتى تنتظم زياراته ، و قد قمت
بهذا الواجب مع آخرين، و قام آخرون بهذا الواجب معى مرارا و تكرارا .. و رأيت أن
نغلق الملف عند هذا الحد .. و نشكر الرجل و نودعه .. و لم تكن سيارة الترحيلات قد
وصلت فانتظرنا فى أحد المكاتب الادارية حيث كنا نتبادل بعض الأحاديث مع بعض الضباط
المتواجدين بالادارة . بينما أقوم بالسير فى الممر من حين لآخر كنوع من الرياضة
الضرورية و كسرا لملل الانتظار .
فى هذه الأثناء من بين الضباط الذين جاءوا إلينا : ضابط المباحث الذى
استقبلنا و كاد يغلق علينا الزنزانة بدون صفيحة بول أو كهرباء ، و الذى أبلغنا
بضرورة ضم 3 مساجين إلينا ، و الذى طلبنا الى مكتبه ثم أشاح بيده "خذهم
للفيش" دون أن يسلم علينا أو يسمح لنا بالاقتراب من مكتبه رغم اننا لم نطلب
مقابلته .
و الآن هاهو يأتى لاستكمال مهمة الوداع و كانت التقارير الفورية قد وصلت
إليه عن الوداع الحار و كلمتى القصيرة التى قلت فيها : اننا سنتبنى مشكلاتكم ..
فابتدرنى بالقول .. ماهى ملاحظاتك عن سلبيات السجن ؟! قلت له 3 سلبيات رئيسية :
أولا الزنازين القاتلة الحرارة غير الصحية ، قال : هذا عيب تصميم .. قلت : و ماذا
يستفيد المسجون من هذا التفسير انه يتعذب بسبب عيب التصميم و ليس بسبب سوء معاملة
مقصود ، و لكن النتيجة واحدة .. انه تعذيب مستمر ..
فرد علينا : لقد خففنا عيوب التصميم بفتح مزيد من الفتحات ، و منذ عام سمحنا بتركيب مراوح.
و قبل أن أقول له ان هذا غير كاف .. و لم يحل المشكلة جذريا ، و لكنه خفف
منها .. اذا به يقول لى : و ماهى
السلبية الثانية ، قلت : عدم وجود دورات مياه لمدة 17 ساعة ، فأخذ يحاورنى على
أساس ان القفل يتم الساعة الخامسة و ليس الثانية و النصف ، و قلت له هذا كلام نظرى
فالقفل يبدأ من الثانية و النصف .. فقال : و ماذا أعمل عدد المساجين كبير و الأمر
يحتاج لوقت لان الاغلاق لابد و ان ينتهى مع الخامسة .. و كذلك ليس لدى قوة ضباط و
صف ضباط كفاية ..
و كنت على وشك أن أقول له : ما أكثر عدد الضباط و صف الضباط فى وزارة
الداخلية .. و لكنه واصل حديثه ليشرح لى الفلسفة العقابية "السليمة" ..
فقال : لماذا تحنو على المساجين و تريد أن تدلعهم ؟ اننى لابد أن أقسو على المسجون
حتى لايعود الى تكرار الجريمة خاصة أصحاب الأحكام الصغيرة .. لان هؤلاء اذا لم
يتعبوا فى السجن سيعودون الى الجريمة مرة أخرى بسهولة ، ألا يكفى انهم يأكلون بصورة
جيدة .. حتى وصل الأمر الى اعطائهم البيض 3 مرات فى الأسبوع .
و هنا وجدت ان الحوار لايمكن ان يستمر مع هذا المنطق ، منطق المن على
المساجين بأكل البيض 3 مرات .. و كان هو لا يحتمل الاستمرار فى المناقشة فلم
يسألنى عن السلبية الثالثة .. و انصرف و هو غير مستريح . أما أنا فرغم استفزازى من
هذا المنطق الذى يحاول ان يضع عقوبات غير منصوص عليها فى القانون : فاننى استفدت
من سماع وجهة نظره ، و لى تصور أطوره بالبحث حول فلسفة العقاب فى السلام ليست هذه
المذكرات مجال طرحه .. و قد تناولته فى احدى مقالاتى منذ عام أو عامين .
إلا انها بذرة تحتاج الى تطوير لم يأت بعد آوانه ، بسبب الانشغال بأولويات
أخرى فى البحوث الاسلامية .
إلا ان ضابط المباحث كان له هدف آخر من الاشتراك فى مراسم الوداع .. عندما
اتجه الىّ و سألنى بمنتهى الجدية : هل لديك أوراق أو شكاوى ؟! قلت له : إطمئن ليس
لدينا أى شئ .. و من جاء إلينا قلنا له : ارسل شكواك الى الجريدة ، و الشكاوى
متعلقة بأشياء خارج السجن فى حياتهم الشخصية أو المهنية . فقال لى : كلام رجاله ..
لان اكتشاف أوراق معكم فى سجن المزرعة فيه اساءة لنا .. قلت له: عيب هذه كلمة
رجالة . و قال : سأعتمد على كلمتك و لن أفتشكم .. قلت له : و نحن نقدر هذه الثقة و
لن نخذلك .
كانت هذه هى الحركة التى قدرت فيها الضابط ، فهذا هو الأسلوب المحترم
الواجب مع أمثالنا .. و لم يكن لدى بالفعل أية أوراق من أى نوع .. و عيبى أننى
ألتزم بكلمتى رغم اننى لم أرتح لتصرفات هذا الضابط ، عموما ، و لا نظرياته
العقوبية غير المنصوص عليها فى القانون فقد كنا نتحدث عن دورات المياه .. و
الأحكام القضائية لا تنص – و لا القانون أصلا – على تقييد حق الانسان فى التبرز ،
فالقانون ينص على سلب الحرية فحسب بالاضافة للأشغال ( أعمال داخل السجن) .
أقول رغم ذلك فقد إلتزمت مع الرجل .. و كنت عند وعدى .. فعندما اكتشفت
أثناء وجودنا فى عربة الترحيلات أن صلاح معه أوراق عبارة عن شكوى لمسجون فى مسألة
لا تتعلق بالسجون، بالاضافة لمشروع بيان سياسى كنا نعده فى تخشيبة الخليفة ، فطلبت
منه أن يمزقها فورا و يلقيها من
شباك الشاحنة ،و لما كانت النوافذ مغلقة بالأسلاك رمى الأوراق على أرضية الشاحنة و
قد مزقها الى قطع صغيرة .. و أرتاح ضميرى . فلابد من إعطاء كل ذى حق حقه .. و قد
كان قرارا موفقا لان أمتعتنا تم تفتيشها بصورة دقيقة ، و فى غيابنا ، عندما وصلنا
سجن مزرعة طره .
كنا مانزال فى انتظار الترحيلة و كنت أتريض فى الممر الكائن بين المكاتب
الإدارية .. عندما صافحنى أحد المساجين و قال لى : أنا فلان محامى الأستاذ المطعنى
(صاحب مشروع نقابة الصحفيين الموازية و المحبوس فى نفس السجن و ينتهى حكمه خلال
شهور ) قلت له : أهلا و سهلا ، قال : فيه احتمال كبير أن يأتى الآن المطعنى و هى
فرصة للحديث معك قلت له : أهلا
وسهلا فأنا لم ألتق به من قبل .. و متعاطف معه من الناحية الإنسانية (أعنى كما
ذكرت ان بعض السلطات استخدمته ثم تخلت عنه ) ، إلا ان هذا اللقاء لم يحدث فبعد ذلك
بدقائق .. قالوا لنا ان سيارة الترحيلة وصلت .. و خرجنا الى بوابة السجن من الداخل
.. و كانت موجة الحر عاتية و أوقفونا بجوار الحائط حيث يوجد ظل خفيف .. رغم وجود
أماكن قريبة للجلوس .. و لكن منذ متى فى القطا يجلس المساجين فى حضرة الضباط .. و
قلت لصاحبى السجن : نحن نترك القطا فى الوقت الذى يرغد فيه فصل الصيف و يزبد .. و
كأننا على موعد مع النجاة فى الوقت المناسب ..
و للمرة المائة قلت لعصام ألم أقل لك إنك "حتيجى مبسوط كتير" !!
أمامنا كانت هناك تكعيبة خشبية يجلس تحتها جمع من الضابط و المخبرين فى
إنتظار استكمال اجراءات ترحيلنا .. و وجدت من بينهم الضباط ذى القميص النبيتى الذى
زارنى صباح أمس فى الزنزانة بعد موقعة البول .. و رأيته يبتسم لى و يقول : كده مية
مية قلت له : المهم هو رضاؤكم عنا سواء هنا أو فى أى مكان آخر .. قال : أليس سجن
طره أفضل ؟ قلت له : هنا الشعب .. لديكم هنا فى هذا فى هذا الشعب .. العمال و الفلاحون .. و تحالف قوى الشعب العامل
، أما فى مزرعة طرة فالمساجين من المرفهين عادة . و لم أرد الاستجابة لمزيد من
الحوار .. لانه كان جالسا أو واقفا تحت التكعيبة .. ونحن واقفون الى الحائط نصفنا
فى الشمس و نصفنا فى الظل .. و لكن لم يطل بنا المقام .. وجاء الضابط قائد
الترحيلة لوضع الكلابشات ، و كنا قد نسيناها .. و كان يريد أن يكلبشنا نحن الثلاثة
معا .. فقلت له : أنا لا أريد أن أُثير مشكلة الكلابشات .. و لكن لا تضعنا جميعا
معا لاننا (عصام و انا) مصابين بالانزلاق الغضروفى و نحتاج الى حرية الحركة كى
نسند أنفسنا ، كذلك برجاء مراعاة المطبات ، فاستجاب الرجل و كلبشنى أنا و عصام معا
و صلاح لوحده دون أن يربطه بالشاويش و هكذا أصبح صلاح حرا داخل العربة لان
الكلابشات موجودة فى يد واحدة دون الأخرى .. فكنت سعيدا له و غيورا منه .. لان
المشوار طويل و استغرق ساعتين .
_______________
بعد وصولى الى سجن المزرعة بعدة أيام ، عرفت من خلال خبراء السجون هنا أو
الذين طافوا بكثير منها .. و الذين لديهم معلومات يوثق فيها ، ان الثلاجات الأربعة
الموجودة للجثث فى سجن القطا هى من أموال المساجين ، الذين طالبوا بها .. لتكريم
جثثهم و هم أموات ، طالما انها لم تحظ بالتكريم فى الحياة ، و بالتالى فان مشرحة
القطا ليست إلا نتاج أموال المساجين ، كما يسمح لهم فى بعض السجون بشراء مراوح أو
ثلاجات أو تلفزيونات شريطة أن يتركوها فى السجن عند الافراج عنهم !! و قد جاء ذلك
بعد المآسى التى عانت منها جثث القتلى ، و التى كانت تنتظر لعدة أيام .. و تتعرض
للعفن ،و عدوان القطط !
و قلت : أشهد أن لا اله الا الله .. و أن محمدا رسول الله .. و تعاهدت مع
الله .. ان يكون هدم سجن القطا من أهدافى ، و كل السجون الجديدة المماثلة .. فهى
جريمة قتل مستمرة للنفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق .
ان الأمر يحتاج لقرار شجاع من وزير الداخلية و من الدولة .. و عليهم ان
يستعوضوا الله فى مئات الملايين التى ضاعت فى هذه الجريمة المتجسدة فى شكل مبانى
غير آدمية .. فتحسين أحوال هذه السجون مستحيل ، لان المشكلة كما قال ضابط المباحث
فى السجن .. هى مشكلة تصميم .. و لاحل إلا بهدمها .. و محاكمة المصممين على عشرات
أو مئات القتلى ..
ان أرواح البشر أهم من مئات الملايين التى ضاعت فى الصحراء .. و ان التخلص
من هذه السجون شرط – و الله أعلم – للنجاة من النار !!
***********
(انتهت مذكرات سجن
القطا)
الحلقة الحادية
عشرة من المذكرات
الحلقة الثانية
عشرة من المذكرات
الحلقة الثالثة
عشرة من المذكرات