القابلية للاستسلام ... لماذا ..؟؟
د. نورة السعد
جميع علماء الدورة الحضارية
أكدوا على عدد من العوامل الاقتصادية والسياسية والروحية التي تؤدي إلى انهيار
الحضارات من خلال دراستهم للحضارات السابقة، واستقرائهم لعوامل نهضتها، ثم
مسيرتها، ثم انهيارها.
وأغلبهم أكد على عامل الفساد الروحي والأخلاقي الذي يؤدي إلى
تفكك الأبنية الاجتماعية والثقافية في المجتمع فتسرّع من مراحل الانهيار
والاضمحلال.
ابتداء من أوزوالد شبنجلر
الألماني ومروراً بأرنولد توينبي البريطاني ومروراً بيتريم سوروكين الروسي الأصل
الأمريكي الجنسية مع عدم تجاوز ابن خلدون ومؤخراً مالك بن نبي الجزائري المسلم..
لن أتوقف عند عوامل الانهيارعند جميعهم.. ولكن سأستعرض باختصار بعض ملامح هذا
الانهيار عند توينبي ومالك بن نبي.
فقد أكد كل منهما على أن من
أسباب هذا الانهيار (الفساد الروحي والأخلاقي) ويريان أن انحلال الحضارات يسبقه
ويرافقه فساد روحي وأخلاقي ذلك أن أوج أي حضارة أي قمة تفوقها يتزامن مع بدء مرض
اجتماعي معين يرى مالك أنه قلما يجذب انتباه المؤرخين وعلماء الاجتماع.. لأن آثاره
المحسوسة لا تزال بعيدة، ويعني بها بداية ظهور الانحلال والتفكك نتيجة انطلاق
الغريزة وتحررها من الدين فكلما ضعفت سلطة الدين وقوته ازداد الفساد الروحي
والأخلاقي.
وكما يربط مالك بين التدين
والوازع الأخلاقي ودورهما في تماسك المجتمعات، وغيابهما أو ضعفهما يؤدي إلى انحلال
هذه المجتمعات وبالتالي انحلال الحضارة.. فإن توينبي ينحو هذا الاتجاه أيضاً فهو
يرى أن انحلال الحضارات يرافقه فساد يدب في أرواح الناس وتغيير جذري يطرأ على
سلوكهم ومشاعرهم وحياتهم كلها، يحل محل الصفات السابقة والقوى المبدعة التي كانت
تزخر بها ذواتهم في دور النمو الحضاري.
ثنائية من النزعات والمواقف
العقيمة المتناقضة، وفي هذا الدور يعتري الفسادَ الروحي فوضيةٌ تعم الأخلاق
والعادات وانحطاطٌ يسود الآداب والفنون، واللغات، ومحاولات عقيمة للتوفيق بين
الديانات المختلفة.
في هذا المناخ يرى مالك أن
كافة الظروف مهيأة لميلاد ظاهرة (القابلية للاستعمار) التي تعتبر مفصلاً ثقافياً
في تحليلاته لأسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية.. حيث إن الأفراد في هذه
المرحلة تسودهم مشاعر السلبية والاستسلام والخضوع لمفاهيم إما السهولة في التعامل
مع القضايا أو الاستحالة في النظر إلى حلولها.. وهم في هذه المرحلة لا ينقصهم
(التدين) ولكنه تدين فردي وبالتالي هم يفتقدون التماسك الاجتماعي ويكونون أرضاً
خصبة تشجع المستعمر، وكأنها تغريه بالاستعمار.. فالقابلية للاستعمار هي التي
تستدعيه وتمكن له.
توينبي، أيضاً له رأي مقارب
لهذا التحليل عند مالك بن نبي.. فهو يرى أن المجتمع في هذه المرحلة من التدهور
والفساد الروحي، هو الذي يجلب على نفسه عوامل الانهيار التي يجلبها عليه غزو خارجي
تماماً كالمنتحر الذي اعتدى عليه خصم له، عقب شروعه في الانتحار، فجاءت وفاته
نتيجة ما أصاب به نفسه لا ما أصابه من خصمه، إن أقصى ما يفعله الغزو الخارجي هو
توجيه ضربة قاضية إلى مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة.. ويرى توينبي أن هذا هو سبب
انهيار حضارات اندثرت ولم تقم لها قائمة.. أما إذا حدث هذا العدوان الخارجي على
مجتمع في مرحلة نموه.. أي لم يتسرب إليه الفساد الروحي والأخلاقي ولم ينهزم ذاتياً
ويستسلم لهزائمه النفسية والروحية.. فإن هذا العدوان سيشكل (تحدياً) يستثير طاقاته
الكامنة وعوامل الإبداع فيه.. ذلك أن توينبي كان يرى أن نمو الحضارة يرتبط بالقدرة
على (الاستجابة للتحدي) البيئي الجغرافي أو الكوارث والنكبات كالهزائم العسكرية.
وإذا عدنا إلى ظاهرة
القابلية للاستعمار التي يتفق مالك بن نبي وتونيبي على انتشارها في مرحلة التخلف
الحضاري.. واستعرضنا محاولة تطبيقها على واقعنا الحالي فسنجد أن مشاعر الانهزامية
والتبعية ولغة التخاذل التي أصبحت تغلف الخطاب الإعلامي لدينا كعرب هي صورة واضحة
لمدى تغلغل هذا المستعمر الذي خرج من عتاده العسكري إلى رداء الايديولوجيات وشكّل
منذ عقود مزارع استنبت فيها بذور هذه الانهزامية لدى الفريق الذي يتحدث بلغة
منهزمة، لتسويق الاستعمار المعاصر، وتلميع صورته والانسياق في منظومته الفكرية
والثقافية، بل ومحاولة تحويل الرصاصة إلى حبة قمح!!