الحداية لا تلقي كتاكيت

 

تعليق علي الزفة المنصوبة لسيد قراره "سابقا"!

 

 

 

بقلم: سليم عزوز

Azzoz66@hotmail.com

 

 

إذا رأيت أنياب الليث بارزة.. فلا تظن أن الليث يبتسم!

تذكرت هذه النصيحة الغالية بمناسبة الزفة التي نصبها البعض لمجلس الشعب الشهير ب "سيد قراره"، وذلك بمناسبة قراره ببطلان عضوية ثلاثة من النواب، الأمر الذي اعتبره المحتفلون بالحدث الجلل، سابقة تاريخية وفتحا مبينا في تاريخ الحياة السياسية في البلاد، يستحق أن تخرج بسببه الزوجة دون إذن زوجها، والعبد دون إذن سيده، لتقديم التحية العطرة للسيد الأستاذ الدكتور رئيس المجلس، ولأفراد الحكومة فردا فردا، وفي موقع الصدارة منها  قادة الحزب الحاكم بعد أن من الله علي الحزب بتبعية الحكومة له، وهو الذي كان قليل الحيلة من قبل، عندما كان مجرد تابع لها، فقد صار الأمر – ولله الحمد –  علي هذا النحو: حكومة الحزب، بدلا من الاسم السابق وهو: حزب الحكومة!

ذلك لان لاتجاه الأخير لتطبيق أحكام القضاء – وعلي غير المتبع – لا يمكن ان يكون راجعا إلى تصرف فردي من رئيس البرلمان ومساعده السيد رئيس اللجنة التشريعية، وانما هو بالقطع سياسة حكومة، وتوجه حزب قرر الانصياع لاحكام القضاء، وانزالها المنزلة اللائقة بها بإعمالها، واحترامها، والضرب لها تعظيم سلام، بعد أن كان المجلس قد درج علي إهمالها، والتعامل معها علي أنها هي ومقالات الرأي "سيان"، من حق صاحب القرار أن يأخذ بها، او ان يتجاهلها ويغط الطرف عنها!

 

الذين زغرتوا ورقصوا عشرة بلدي، ليسوا جميعهم من كتاب السلطة او منظريها، ولكن منهم – ويا للهول –  كتاب من المحسوبين علي المعارضة، وقد سعدوا لانهم اعتبروا أن ما حدث هو دليل علي ان هناك إصلاح حقيقي قد حدث في الحزب الحاكم، الأمر الذي سيترتب عليه ان تتوقف الحكومة عن ممارسة البلطجة وترضخ لحكم القانون، وتنزل علي إرادة الشعب، وقطعا – وبعون الله – فان هذا سيكون سببا في إصلاح الحياة السياسية، بعد أن اصبحت بلا طعم ولا لون وان كانت لها رائحة نفاذة، بسبب التدخل الحكومي السافر فيها بهدف الإفساد!

وقد اعتبر ناصبو الزفة ان انصياع البرلمان لحكمين قضائيين مؤشر علي ان هذا سيكون بمثابة غيث ثم ينهمر، وان المجلس لن يبق علي عضوية لأحد ثبت بطلانها، حتى وان كان ينتمي لحزب الحكومة ذاتها، كما حدث مع نائب عابدين السيد طلعت القواس. وقد أخذت الجلالة البعض فطالبوا المجلس الموقر بأن يتعامل مع أحكام القضاء الإداري نفس تعامله مع أحكام محكمة النقض، وهو طلب جاء بصيغة الرجاء، وربما اعتبر المطالبون ان الاستجابة لهم تحصيل حاصل، وحتى يكون لهم فضل السبق، وقد يمشون بعدها في الأرض مرحا، لأن أصحاب البلد قد استجابوا لمطلبهم مما يؤكد انهم أصحاب حيثية!

 

لا أريد أن أكون كمن حمل كرسيا ونسف به كلوبا فحول الفرح إلى مأتم، لكن ومن باب النصيحة أطالبهم بالاقتصاد في فرحهم، فالحدادية لا يمكن البتة ان تلقي كتاكيت، والحكومة التي أهانت أحكام القضاء، وداستها بالبيدات – جمع بيادة – لا يمكن أبدا ان تحترمها بعد ذلك، حتى يلج الجمل في سم الخياط، وبالبلدي حتى يري من يعارض رأينا حلمة أذنه، كما لا يمكن البتة لحزب – هو الحزب الحاكم – أدمن الاستهانة بهذه الأحكام ووجد قوته في إهمالها ان ينتهي به المطاف الي التعامل معها كما ينبغي ان يتم التعامل من قبل حزب قانوني في بلد ينص دستوره علي "سيادة القانون"!

والأمر لا يحتاج إلى كثير من الفتاكة لكي نفهم الزير – وفي رواية أخرى البئر – وغطاه، ذلك لان متابعة وقائع ما جري لا يمكن إلا ان تجعلنا أحوط من ان نقع ضحية الظن الحسن، مع أناس ينبغي ان نعد أصابعنا اذا وضعنا أيدينا في أيديهم!

ففي الواقعة الأولى تعامل مجلس الشعب - الامتداد الطبيعي للحكومة - بحكم الأغلبية التي يمتلكها حزبها داخل المجلس - مع حكم محكمة النقض "تقرير ادق" الذي انتهي الي ضرورة إعادة الانتخابات في دائرة شبراخيت علي انه – اي التقرير – نجدة من السماء لاخراج النائب الاخواني "جمال حشمت"، ليس لان الرجل يسوي الهوايل، وليس لان نواب الإخوان بمقدورهم ان يستولوا علي الحكم اذا كانوا سبعة عشر، وسوف يفشلون في هذا اذا نقصوا واحدا، ولكن لان هناك خصومة بين الإخوان وأهل الحكم، لا نعرف أسبابها، فقد كانوا من قبل يمتدحون اعتدالهم، ولم يكونوا يسمعون لنا عندما نقول انهم الوجه الآخر لجماعات التطرف الديني، لكن حدث بعد هذا مالا نعرفه، وربما يكون هناك من عكر ليصطاد، فاصبح الإخوان هم خصوم السلطة، التي تعمل اللالي من اجل ضربهم، لدرجة تقديمهم الي المحاكم العسكرية، وبتهم مختلفة وصلت في بعض الاحيان الي الاتهام الفظيع والشنيع لبعض عناصرهم بالعمل – ويا للإجرام – لخوض الانتخابات النقابية!

ولم تكن الحكومة تريد ان تري صنف إخواني داخل المجلس، لكن وكما ورد في الأثر لايغني حذر من قدر،  فقد اصبح للإخوان المطاردين سبعة عشر نائبا في عين من يسمع ولا يصلي علي النبي، وهم اكثر من عدد نواب أحزاب المعارضة مجتمعين وفوق منهم بوسه ممثلة في تسعة نواب يتم استلافهم من الحزب الوطني لزوم المقارنة، وقيل ان محافظ البحيرة استدعي جمال حشمت في هذه الانتخابات ولفت نظره انه لو نجح فسوف يضر به وبالسيد مدير الأمن، لكن حشمت الذي رأي التفاف الناس حوله، قال لهم ما معناه فليذهبوا بهما الي الجحيم، وبرغم الممارسات التعسفية إلا ان السبعة عشر نجحوا، ولم يكن هناك مناصا من تعيين اثنين من عتاولة الشيوخ، ما ان ينتهي الاخواني من كلمته، حتى يطلب رئيس المجلس من الدكتور فلان النائب المعين ان يرد عليه، ثم يتبعه بالطلب من الدكتور علان المعين أيضا!

ولهذا فقد اعتبروا تقرير محكمة النقض بإعادة الانتخابات كأنها هدية جاءت لهم علي طبطابة ولم يكذبوا خبرا واخذوا التصويت عليه، ولان الحزب الوطني يمتلك الأغلبية الباسلة، فكان خروجه هو شئ لزوم الشيء، واعيدت الانتخابات، وتدخلت السلطة بشكل سافر ، وضحت بسمعتها الغالية من اجل إسقاطه، تخلصا من إخواني رعديد من ناحية، ومن ناحية أخرى فان لهم في التخلص منه مأرب اخر، علي رأسها حتي يتعلم الجميع من رأس الذئب الطائر، ويعلم الكل ان العين لا تعلو علي الحاجب، وانه ليس من العقل ان الإنسان بمجرد ان ينجح في الانتخابات يظن انه اصبح من الفرقة الناجية فيتطاول علي أصحاب البلد او يخرج في المقدر، فباب الطعون مفتوح وقد يستيقظ النائب من النوم فيجد تقريرا قد صدر ضده ليصبح في يد المجلس "حزب الأغلبية أدق" ان يطرحه أرضا، ويسحب منه الحصانة والمنجهة، ومن المعروف ان الذي يخرج من المجلس لا يدخله ثانية إلا بعد ربع قرن من الزمان، هذا ان بقي علي قيد الحياة، فقد خرج منه كمال احمد في عهد السادات عندما خرج عن شعوره واتهم رئيس الدولة بالخيانة في وجهه بسبب ذهابه الي كامب ديفيد، وعاد اليه بعد اكثر من ربع قرن!

أما الواقعة الثانية – يا قراء – فهي الخاصة بدائرة عابدين، وهي شارحة لمعني الحكم "التقرير ادق" المفاجئ، فالنائب المعارض لم يكن قد طعن فيه أحد وانما الطعن تم تقديمه ضد نائب الوطني سالف الذكر، لكن جاءت الطوبة في المعطوبة وقال التقرير ان هناك أصواتا من خارج الدائرة قد دخلت في كشوف الناخبين، وان كلا من النائبين استفاد منها وعليه رأت المحكمة – وهناك فرق بين الرأي والحكم – ان تعاد الانتخابات، وعلي الفور اجتمعت اللجنة التشريعية وقررت الاستجابة للتقرير واعادة الانتخابات، وعلي الفور أيضا باعتبارنا في عصر السرعة قرر المجلس في التو واللحظة إعادة الانتخابات، ليتفرغ بعد هذا لما هو اهم وهو جدول الأعمال، ولان هناك هدف فلم تراع الأصول الدستورية، او السوابق البرلمانية حيث تم إسقاط عضوية النائبين في نفس واحد، مع انه كان من المفروض ان يتم نظر قضية كل نائب علي حدة، لانه من الجائز ان يوافق ثلثي الأعضاء علي إسقاط عضوية هذا ويعترضوا علي إسقاط عضوية ذاك، كما حدث في برلمان 90 عندما صدر حكم ببطلان الانتخابات في  دائرة النزهة ورأت الحكومة تنفيذ الحكم لصالح الدكتور حمدي السيد، فعلي الرغم من ان تقرير محكمة النقض جاء ليبطل الانتخابات برمتها، الا  ان المجلس وقتها وافق علي اسقط العضوية علي مقعد الفئات، والإبقاء علي ممثل العمال! وهذا حق خوله له الدستور وبالتحديد بالمادة 93 منه!

المستهدف مما حدث في دائرة عابدين هو النائب المعارض رجب هلال حميدة، وربما استشعرت الحكومة الحرج من التصويت علي كل نائب علي حدة فتخرجه وتبقي علي طلعت القواس، مرشح الحزب الحاكم، لانه من ناحية هو الذي كان مستهدفا بتقديم الطعن ببطلان الانتخابات، ومن ناحية أخرى فان الحزب الحاكم لن يخسر شيئا، فهو في جميع الحالات يضمن مقعد الفئات، حيث ان المرشح المنافس للقواس، هو أيضا ينتمي الي الحزب الوطني واعني به الدكتور محمد حسن الحفناوي، والذي اصبح من آل البيت بعد التطوير الذي لحق بالحزب، وقيل انه عضو في لجنة السياسات، وسواء نجح هو او القواس فان المقعد سيكون من نصيب الحزب الحاكم!

ومن يدري فقد يفوز هذا الحزب بالحسنيين ويحصل علي مقعد العمال، وهو المتوقع، ولا اريد ان أقول المتيقن، فالحكومة لم تكن تمزح عندما أخرجت حميدة، وكل الدلائل تشير الي ان خروجه مستهدفا، ذلك لان من يتابع ما حدث معه من قبل صدور الحكم سوف يقف علي أصل الحكاية، فيكفي ان نعلم ان جنرالات وزارة الأوقاف تحركوا وضموا الزاوية التي يخطب فيها الجمعة في سابقة هي الاولي من نوعها، فلم يعرف ان الوزارة قد ضمت من قبل شارعا، فالمضموم يسمي مسجدا تجاوزا ولا تنبطق عليه الشروط القانونية للمسجد، وانما هو شارع يمارس فيه التجار عملهم وعند وقت الصلاة يلمون عذالهم حتى يفرغ المصلون من الصلاة ثم يعودون مرة أخرى لاحتلاله!

"رجب" أعلن عن قبوله إعادة الانتخابات احتراما لاحكام القضاء، وهو حر، فمن لا يدافع عن نفسه، لا يستحق الدفاع عنه، وهو حر  في نظرته للتقرير علي انه حكم، وقد سبق من قبل ان طالبناه "انا ومجموعة من الأصدقاء" بالوقوف في صف جمال حشمت، فنحن نواجه حكومة متعطشة لدماء المعارضين، وقد تلتهم اليوم إخواني، لكنها قد تلتهم غدا ناصري، وبعده ليبرالي، وهكذا.. ووعدنا، لكنه وقف ضد حشمت، وقال لنا انه فعل هذا لانه خشي من الاتهام بالوقوف ضد موقف المجلس من احترام أحكام القضاء، ولأن الفأس كانت قد وقعت في الرأس، فلم نناقشه، فقد طويت الأوراق وجفت الصحف!

ويبدو ان صاحبنا نظر للأمر كما نظر اليه الذين أقاموا زفة وغمرتهم السعادة بسبب خروج المجلس علي المألوف واحترامه لاحكام القضاء!

 

مثلي لا يمكن ان يصدق ان الحدادية يمكن ان تلقي كتاكيت، واذا كنا في زمن المعجزات، فان هناك العشرات ممن قضت محكمة النقض ببطلان عضويتهم، ولكنهم لا يزالون حتى الان في المجلس، وقد قرأت مرة انهم أربعة وخمسون ومرة انهم أربعة وثلاثون، ولا نعلم الرقم الحقيقي، ولم يتدخل الامين العام للمجلس فيصحح المعلومة، وانما ضرب عليها طناش ليدخلنا في متاهة!

والذي يؤكد بالإضافة الي هذا ان الهدف هو الانتقام وليس النزول علي أحكام القضاء، انه تم التعامل مع الأحكام بشكل انتقائي، ففي دائرة شبراخيت صدر تقريرين لمحكمة النقض الأول بإعادة الانتخابات علي مقعد الفئات، والثاني بإعادتها علي مقعد العمال، فتم احترام الأول لان الخارج هو جمال حشمت، ورفض الثاني لان الخارج هو نائب حزب الحكومة، ولم تستشعر حكومة الحزب حرجا، ولو استشعرت شيئا من هذا القبيل لتم الإيعاز إلى برلمان الحزب ان يستجيب للحكم الثاني ولا مانع من عودة نائب الحكومة مرة الأخرى، والتزوير الفاضح ضد النائب الاخواني يؤكد ان الحزب الحاكم قادر علي هذا!

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فان الدستور قد خول مجلس الشعب الفصل في تقارير محكمة النقض حيث نص علي ".. وتعرض نتيجة التحقيق والرأي الذي انتهت اليه المحكمة علي المجلس للفصل في صحة الطعن خلال ستين يوما من تاريخ عرض نتيجة التحقيق علي المجلس ولا تصبح العضوية باطلة الا بقرار يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس"

وهو نص سوف يصدم من ليسوا علي دراية به، فلم يكن الراحل رفعت المحجوب عندما صك عبارة " المجلس سيد قراره" يفتئت علي سلطة القضاء ولكنه يستند الي نص دستوري يطالب كثيرون بإلغائه لكنه موجود فعلا!

وإذا كان ذلك كذلك فانه إذا استبعدنا تقارير محكمة النقض، لوجدنا ان  أحكام القضاء الإداري هي الأولى بالتطبيق، والتي لا يجوز للمجلس ان يتدخل فيها، لانه إذا كان مخولا له ان يصوت علي صحة عضوية أعضائه، فان الذين صدرت ضدهم أحكام من قضاء مجلس الدولة لم يكتسبوا العضوية أصلا حتى وان حلفوا اليمين او حملوا الكارنيهات، ومع هذا ابقي المجلس الموقر علي عضوية النائب الأمي، مع ان شرط إجادة القراءة والكتابة من الشروط الواجب توافرها في عضو المجلس، كما ابقي علي عضويه النائب المتجنس بجنسية أخرى، وكذلك النائب المزور في صفته الانتخابية.. ومع هذا  لم ينظر الي العديد من الأحكام واجبة النفاذ التي صدرت في هذا الصدد!

ولماذا نذهب بعيدا وموقف المجلس من إسقاط عضوية رامي لكح خير دليل علي ان الأمر لا يستدعي هذه الزفة أو إطلاق  الزغاريد في سماء الحياة السياسية، فرامي دخل البرلمان بالرغم من صدور حكم ببطلان ترشيحه لكونه مزدوج الجنسية، وذلك عندما كان علي الحجر، وتم التعاطي عن عشرات الأحكام التي صدرت بعد ذلك، لكن عندما غضبوا عليه، استخدموا ذات الأحكام في الإطاحة به، وعلي الرغم من ان الأحكام واجبة النفاذ الا ان المجلس قد عرضها علي التصويت، وكأنه قرار وليس حكم يحوز قوة الشيء المقضي به. وقد كان الهدف من هذا العرض حتى يعطوا لانفسهم الحق في تنفيذ الأحكام عندما تصادف هوي عندهم او تجاهلها عندما لا تحوز الرضا السامي!

لقد اعمل المجلس حكم القضاء الإداري ضد رامي لكح وغض الطرف عن عشرات الأحكام الأخرى، وهو تصرف يضع النقاط فوق الحروف لمن تصورا ان حزب الحكومة وحكومة الحزب، وبرلمان الحكومة وحكومة البرلمان، يمكن ان يدخلوا بنا مرحلة احترام حجية القوانين، ويصبح المجلس اسمه مجلس الشعب "سيد قراره سابقا"!

معذرة ان كنت قد نكدت علي المتفائلين وحسني النية في هذا الوطن!