عالَمٌ ظالِمٌ بلا أخلاق ولا قِيَم :
غربيُّ
اللون .. أميركيُّ الهوى .. صهيونيُّ العقيدة !..
(الثانية)
بقلم:
الدكتور محمد بسام يوسف
اطلبوا
الكرامة، ولو من كورية الشمالية!..
لن
نتعرّض بالتفصيل للأزمة الساخنة بين كورية الشمالية والولايات المتحدة، سنحلّل بعض
مظاهر هذه الأزمة من زاوية أنّ هذا البلد الصغير الفقير، الذي يعاني من انهيارٍ في
اقتصاده، ولا يملك نفطاً ولا ثرواتٍ أو فائضاً من آلاف مليارات الدولارات .. أنّ
هذا البلد، عرف كيف يجعل أميركة وإدارتها المتغطرسة .. تبتلع التراب غيظاً
وكمداً!..
كورية
الشمالية، التي لا يتجاوز عدد سكانها ما نسبته واحد إلى خمسة عشر، من عدد سكان
الأمة العربية، وواحد إلى خمسةٍ وسبعين، من عدد سكان الأمة الإسلامية .. تتحدى
أميركة، بل تستفزّها، وتهدّدها بضربةٍ وقائيةٍ .. إن أقدمت على مجرّد بحث فرض
عقوباتٍ عليها داخل مجلس الأمن الدوليّ!.. وداست على كل الخطوط الحمراء التي
وضعتها في وجهها الإدارات الأميركية المتعاقبة، فطردت المفتشين الدوليين من أرضها،
وأعادت تأهيل منشآتها الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، وتوعّدت الولايات المتحدة
بتحويلها إلى بركةٍ من النيران الملتهبة، إن تجاوزت حدودها وفكّرت بأي عملٍ عسكريٍ
ضدها!.. وفوق ذلك كله، مزّقت الاتفاقية الموقّعة بين الطرفين في عام (1994م)،
وحمّلت الولايات المتحدة مسؤولية خرق هذه الاتفاقية، وبذلك وضعت كل النقاط على
الحروف، ولقّنت الفيل الأميركيّ الهائج، درساً في كرامة الشعوب وعزّة الأمم التي
تعرف كيف تؤكَل الكتف، وقبل ذلك عرفت كورية كيف تستعدّ لمواجهة الوحش الأميركي خير
استعداد، بامتلاك كل أسباب القوة والأسلحة المحرّمة وغير المحرّمة دولياً!..
لم
تكتفِ كورية الشمالية بكل ذلك، بل وضعت أميركة على المحكّ تماماً، عندما طلبت منها
-إن أرادت الحوار وحلّ الأزمة- تعهّداً خطياً مضموناً بموافقة الكونغرس الأميركي،
يؤكّد على عدم الاعتداء أو شنّ حربٍ عدوانيةٍ أميركيةٍ على أراضيها، وقالت للإدارة
الأميركية بصراحةٍ شديدة: لا نثق بكم ولا بتعهّداتكم، ولا بمعاهداتكم، وإن رغبتم
في أن نثق بما تقولونه أو تتعهّدون به، فما عليكم إلا أن توقّعوا على ذلك خطياً،
وبوثائق ممهورةً بخاتم الكونغرس!.. وكلما نبس أي مسؤولٍ أميركيٍ ببنت شفةٍ يُشتَمّ
منها هجوم ولو كلامياً على كورية الشمالية .. فإنّ هذه الأخيرة، تردّ بتصعيدٍ
أشدّ، ليس بالكلام وحسب .. بل بالفعل واستنفار الجيوش، ونشر الصواريخ العابرة
للقارات، وتسريب التقارير المختلفة عن قدرتها على إنتاج خمسين قنبلةً نوويةً
انشطاريةً في العام الواحد، مع إنتاج التكنولوجية اللازمة لإطلاقها ضد أعدائها!..
كورية
الشمالية أفزعت أميركة، وأقلقت الشعب الأميركيّ، وأرّقت مسؤولي الدولة العظمى،
فأجبرت إدارتها على التصريح مرةً تلو المرة، بأنها ستحلّ الأزمة مع كورية الشمالية
بالحوار والأساليب السلمية!.. على الرغم من أنّ هذه الأخيرة، هي أحد رؤوس مثلث الشرّ
الذي اخترعه البيت الأبيض، وإحدى الدول المارقة التي تنوي أميركة تأديبها كما
تزعم!..
كورية
الشمالية رسمت لوحةً بالغة الوضوح أمام العالَم كله، تفيد بأنّ القوة وحدها، هي
التي تلجم أميركة وتضعها عند حدّها، بل تمرّغ جبين القوّة العظمى بالطين!.. وأنّ
الإرادة الصلبة وحدها، هي التي تستنفر الطاقات مهما كانت ضئيلةً، وتوظّفها خير
توظيفٍ، لتحقيق كرامة الأمة التي تحترم نفسها، ولدحر كل من يفكر بالاعتداء عليها
أو مسّ حرماتها!..
اللوحة
الكورية الشمالية المرسومة بعنايةٍ فائقة، فضحت زيف أميركة، وزيف أباطيلها، وتهافت
قوّتها الرادعة أمام إرادة الشعوب والحكومات الوطنية العزيزة!.. فاختفت بين مشاهد
تلك اللوحة الكورية الشمالية، كل دعاوى محور الشرّ، وذرائع أسلحة الدمار الشامل
والحكومات الدكتاتورية، التي تستدعي قلب الكراسي من تحتها لصالح الديمقراطية
المزعومة وتحرير الشعوب المظلومة .. كالذي تزعمه أميركة الطاغية من مزاعم مزيّفة
ضد العراق الشقيق، الذي لم تستطع إدارتها أن تثبت أي اتهامٍ موجّهٍ إليه، لا من
حيث امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ولا من حيث دعمه لما يسمى بالإرهاب، ولا من حيث
علاقته المزعومة بتنظيم القاعدة .. ومع ذلك كله، تجيّش ضده الجيوش والأساطيل
والأسلحة المدمِّرة الشاملة .. لمحوه من على وجه الأرض .. لماذا؟!.. إن رغبتم في
الحصول على جوابٍ شافٍ .. فراجعوا مؤتمرات الاستخذاء العربية، وتصريحات المسؤولين
العرب، الذين لم يعد لهم من همٍّ، إلا تكرار اللازمة التي حفظوها عن ظهر قلب، بضرورة
تعاون العراق التام الوثيق الصارم الحازم، مع لجان التفتيش التجسّسية!.. ولم يعد
لها من عملٍ، إلا إطلاق التصريحات تلو التصريحات، والدعوات تلو الدعوات، ليدمّر
العراق ما بحوزته من أسلحة التدمير الشامل .. التي لا يمتلكها!..
كورية
الشمالية لقّنت -أيضاً- الأنظمة العربية والإسلامية درساً بليغاً، في الكرامة
والرجولة، ثم فضحتهم، وفضحت عجزهم المفتعل المصطنع، وزعمهم بأنهم لا يستطيعون أن
يفعلوا شيئاً أمام الوحش الأميركيّ، الممرّغ أنفه بأوحال أفقر دولةٍ على وجه الأرض
هي: أفغانستان، وبطين دولةٍ مفلسةٍ يعاني شعبها من المجاعة هي: كورية الشمالية!..
الأنظمة
العربية ومواقفها المتلوّنة الخائبة، وشديدة الوقاحة في تأييد معظمها (سراً أو
علناً) لمخططات طغاة أميركة، ضد أمتنا وشعوبنا العربية والإسلامية .. الأنظمة هذه،
تعيش في إجازةٍ من التاريخ والجغرافية والحاضر والمستقبل .. وتشكّل أحد أهمّ مشاهد
الظلم والقهر، ضمن لوحة هذا العالَم الأميركيّ الظالم، الذي يقتات على المبادئ غير
الأخلاقية، ليكون عالماً بلا أخلاق ولا قِيَم ولا كرامة، لذلك -إن لم تَثُب إلى
رشدها-فستنتهي تلك الأنظمة وتزول ذات نهارٍ قريبٍ قادم، حين تلفظ الشعوب العربية والإسلامية
الظلم الذي صنعته أميركة الباغية، وكان من مظاهره الرئيسة، هذا الإنتاج الرديء من
الأنظمة المارقة بحق أمّتها ووطنها وشعوبها!..
دَجَلٌ
أميركيٌ مكشوف!..
في
كل مرّةٍ تتحرك فيها الدبلوماسية الأميركية، لاستصدار ما يحلو لها من قراراتٍ في
مجلس الأمن الدوليّ .. تزعم أنها حريصةٌ على وحدة مجلس الأمن، ومن ورائه وحدة
المجتمع الدوليّ، وكان آخر فصلٍ في هذا السلوك الأميركيّ المشبوه، ما جرى أثناء
الإعداد لصدور القرار رقم (1441) ضد العراق الشقيق، فأميركة تحوّلت آنئذٍ، إلى قدوةٍ
مثاليةٍ للمحافظة على وحدة المجتمع الدوليّ، الذي تُهدّد الدول المارقة استقرارَه،
وأول تلك الدول المارقة -على حدّ زعم راعي البقر الأميركي- هي: العراق!..
كل
هذا الإخلاص والحرص الأميركيّ على وحدة المجتمع الدولي وسلامته .. يتحطّم بشكلٍ
مفاجئٍ من غير سابق إنذار، عندما تُبحَث في مجلس الأمن الدوليّ قضية تتعلق بالكيان
الصهيونيّ أو بالأراضي المحتلة في فلسطين!.. عندئذٍ فلتذهب وحدة المجتمع الدوليّ
إلى الجحيم!..
بعد
أيامٍ قليلةٍ من (حرص) أميركة، على وحدة المجتمع الدوليّ أثناء التصويت على القرار
رقم (1441) ضد العراق .. انتهى هذا (الحرص) الشديد، لدى التصويت على قرارٍ يدين
إسرائيل (مجرّد إدانة) على قتلها رجلين من موظفي الأمم المتحدة في الضفة
الغربية!.. ما الذي حدث؟!.. أشهرت أميركة سلاح (الفيتو) ضد صدور القرار، وعطّلته،
ووقفت (لسواد عيون كلبها الكيان الصهيوني) بوجه المجتمع الدوليّ كله، الذي صوّت
لصالح صدور قرار الإدانة!..
المجتمع
الدوليّ كان متحداً كله، والولايات المتحدة وحدها التي خرجت عن إجماعه، وخرقت
وحدته، على الرغم من أنّ القرار كان يتعلق بموظفين تابعين لرمز وحدة المجتمع
الدوليّ وهو: الأمم المتحدة، وأنّ القضية كانت قضية (القتل العمد) الذي ارتكبه
الجنود الصهاينة، وهي أكبر جريمةٍ يمكن أن ترتكبها جهة ما، بحق المنظمة الدولية!..
نفاق
أميركي ساذج مكشوف، وظلم تمارسه إدارة الشرّ الأميركية في وقت الظهيرة، واستخفاف
لا مثيل له بعقول البشر -إن بقي لهم عقول- بلا حياء ولا خجل!..
(بلير)
يزاود على الفاتيكان!..
قليلة
هي المرات التي يتدخل فيها (الفاتيكان) بالقضايا الساخنة في العالَمْ .. لكنّ
دخوله على الخط بقوةٍ في القضية العراقية -بغض النظر عن دوافعه- .. أقلق تلك
الغربان الحمقاء، الساعية إلى تدمير العالَم، وغَمْره بالفوضى ودخان الحروب، التي
لا يعلم أحد من الناس إلى أين يمكن أن تسوق البشرية كلها!..
أحد
الغربان المحرّضة على العدوان وإشعال فتيل الحرب ضد العراق، هو (طوني بلير) رئيس
الوزراء البريطانيّ، الذي يعمل موظفاً استثنائياً لدى سكرتارية وزارة الخارجية
الأميركية، منذ إعلان (جورج بوش) حربه الصليبية على العالَم الإسلاميّ في شهر
أيلول من عام 2001م!..
لم
نكن نعلم أن (طوني بلير) أشدّ صليبيةً من (البابا يوحنا)، إلا خلال زيارته الأخيرة
للفاتيكان بتاريخ 22/2/2003م، فهذا المخلوق العجيب (بلير)، المهزوم في مجلس الأمن
الدوليّ، وأمام الرأي العام البريطانيّ الجارف، وأمام أعضاء حزبه الحاكم (حزب
العمّال)، وأمام حلف شمال الأطلسيّ والرأي العام الأوروبيّ والعالميّ .. هذا
المخلوق، لم يجد سبيلاً للمزاودة حتى على (بابا) الفاتيكان، إلا بالتأكيد على
مكنونات نفسه، من أنّ حرب أميركة وبريطانية ضد العراق، هي (حربٌ صليبيةٌ
أخلاقيةٌ لتحرير العراقيين وتخفيف معاناة الشعب العراقيّ)!.. ولم ينسَ (بلير)
هذا، أن يعبّر في نفس الوقت، عن (تفهّمه لما تقوم به إسرائيل وسفّاحها شارون،
لمواجهة الإرهاب الفلسطينيّ)!.. (مفكرة الإسلام-22/2/2003م)، لكنه ربما نسي
أنّ معاناة العراقيين المستمرة منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة، هي بسبب الحصار الظالم
الذي تفرضه بريطانية مع أميركة على العراق!..
(بلير)
ربما نسي أيضاً، أنّ طائراته الحربية، ما تزال تشنّ عدوانها اليوميّ المتكرر على
جنوب العراق وشماله، وتقتل ما تيسّر من مواطنيه العراقيين، الذين يودّ مع معلّمه
(بوش) أن يحرّرهم ويخفّف من معاناتهم، وتحرق تلك الطائرات الإجرامية ما يحلو لها
من حقول قمحه، بمشاعل النار التي تقذفها غربانه عليها!..
هل
(طوني بلير) أصبح قدّيساً صليبياً يبشّر بتحرير الشعوب وتخفيف معاناتها، ما يؤهّله
لفهم هذه القضية أكثر من (بابا) الفاتيكان؟!.. أم أنّ تعرّضه للهزائم المنكرة
المتكرّرة أمام المجتمع البريطانيّ والأوروبيّ والدوليّ، جعله من أولئك الحمقى
الذين يطيش حجرهم عادةً في مثل هذه الظروف، فلا يعون ما يقولون، ولا يستوعبون
حقائق الأحداث والسياسات، فضلاً عن حقائق التاريخ؟!..
طاش
حجر (بلير)، فطاش عقله وتفكيره، وفقدت سياسته الرعناء إحداثيّاتها، ووصل إلى درجة
الإفلاس السياسيّ!.. وهذه كلها مؤشرات كبيرة بالقلم الأحمر العريض، على سقوطه
وسقوط الظالمين من أمثاله، فوداعاً أيها القدّيس الصليبيّ: (طوني بلير)، الذي
يبشّرنا بحربٍ صليبيةٍ .. أخلاقية!..
يتبع
إن شاء الله