الحزب الثالث الأمريكي: الميثولوجيا العمياء التي تريد حكم العالم
بقلم : مالك العثامنة
في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة،
والتي انتهت بقرار قضائي رسم جورج بوش الإبن رئيسا للولايات المتحدة،
تفاجأالمراقبون بتيار جديد علي السطح السياسي الأميركي قاده رالف نادر، خارج عن
سياق الحزبين التقليديين الجمهوري والديمقراطي!
وتجاوز تيار رالف نادر حاجز الـ 5%، وهو
تجاوز مدهش وغير مسبوق، جعل بعض المحللين يتنبأون بظهور (الحزب الثالث) في الحياة
السياسية الأميركية، لكن سرعان ما تلاشت فكرة الحزب الثالث المتمثلة برالف نادر
وتياره السياسي مع الأيام، ولأول مرة في التاريخ الديمقراطي الأميركي، يسكن البيت
الأبيض رئيس غير منتخب بالكامل وبشكل قطعي، وحين أقول غير منتخب ، فإنني أقتبس
العبارة عن عضو الكونغرس السيد دنيس كوشينينتش، الديمقراطي عن ولاية أوهايو والتي
أوردها في كلمته الشهيرة والشجاعة أمام الكونغرس بعنوان (صلاة لأمريكا) منتقدا
فيها بعنف سياسات الإدارة الحالية واصفا أميركا بأنها بلد برئيس غير منتخب!
وعودا علي بدء...
... وبعد تلاشي تيار رالف نادر وفرص تشكيله
حزبا ثالثا، عادت الحياة السياسية الأميركية الي تقليديتها المتحورة حول الحزبين
التقليديين :الجمهوري والديمقراطي، وصفق معظم العرب طويلا لفوز (أو تفويز)
الجمهوريين بقرار قضائي، ودون التمعن كثيرا فيما إذا كان الحزب الجمهوري الحاكم هو
ذاته الحزب الجمهوري التقليدي، ودون معرفة حقيقة جديدة مفادها ببساطة أن الحزب
ذاته قد تلاشي وتغير في جوهره، ليتشكل الحزب الثالث فعليا ولأول مرة في تاريخ
أميركا.
.. وتوضيحا فالقصة بدأت بالتبلور عام 1988،
وتحديدا في حمي الحملة الانتخابية الرئاسية آنذاك للرئيس جورج بوش الأب، وحين بدأ
التيار الديني المحافظ (البروتستانتي) بالتحول من حالة رد الفعل ضد الانحراف
الخلقي ـ كما وصفوه ـ الي تنظيم سياسي مؤثر يحمل أيدولوجيته المتكاملة في داخله.
وفي هذه الحمي الانتخابية، لمع نجم (بات روبرتسون)، الواعظ والمبشر التلفزيوني
الشهير، ذو القاعدة الشعبية الواسعة علي مستوي الولايات المتحدة، وهو أيضا من
الجمهوريين الذين نافسوا بوش داخل الحزب للحصول علي ترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية،
وقد استثمر روبرتسون قاعدته الشعبية داخل الحزب الجمهوري وخارجه لينقل التيار
البروتستانتي المحافظ الي حالة منظمة بعد الانتخابات ليخلق منهم تنظيما سياسيا
جديدا واسع الانتشار داخل الحزب الجمهوري، وتحت اسم واضح وصريح، (التحالف
المسيحي)!!
وفي منتصف التسعينات نجح هذا التنظيم
الميثولوجي بالسيطرة علي قواعد الحزب الجمهوري في سبعة عشر ولاية مع زيادة تأثيرة
في الولايات الإثنين والأربعين الأخري.
وهكذا بدأ الحزب الثالث بالظهور الفعلي، وقد
تميز بميزات تستحق القراءة:
ـ أن التيار مدعم بأجندة أيدولوجية ميثولوجية
(لاهوتية) يعمل علي تنفيذها من خلال سياساته، مع العلم أن خطابه الميثولوجي مرفوض
من معظم الكنائس المسيحية وعلي رأسها الكنيسة الكاثوليكية (الخصم التاريخي
للبروتستانت).
ـ ... تتلخص ميثولوجيته العصبوية بإيمان مطلق
وثابت بأن نبوءات العهد القديم - التوراة - مقدر وقوعها في العالم الحديث الذي
نعيشه الآن، لتقودنا هذه النبوءات المزعومة الي يوم الحساب العظيم والمعركة
الحتمية والأخيرة بين الخير المطلق والشر المطلق!!
ـ وحسب هذا الاعتقاد، فإن تجمع يهود العالم
في إسرائيل ، منذ عام 1948 هو جزء من خطة الرب للوصول الي المعركة الأخيرة بين قوي
الخير (وهي هنا الولايات المتحدة وحلفائها) والتي ستهزم جيوش الشر (الاتحاد
السوفييتي وحلفاءه من العرب والمسلمين)!!
ـ والملفت أن هذا الحزب أو التيار الحاكم
بقوة قرار قضائي لأقوي دولة في العالم، لا يري الأشياء إلا بمنظار حدي بين الأبيض
والأسود!! ومن هنا يمكن استيعاب جورج بوش حين يخير العالم بعد أحداث سبتمبر الي
(من هم معنا ومن ليسوا معنا) في حربه ضد الإرهاب العالمي المتمثل في قوي الشر أو
محاور الشر كما يصفها هو نفسه.!!
ـ ومن ذلك، تبرز فكرة التصعيد في الأزمات،
وهي سياسة أمريكية باتت واضحة ومفضوحة الآن، لأن قوي الشر ـ حسب الاعتقاد
الميثولوجي ـ لا يمكن التفاوض معها ولا بد من تصعيد الأزمات في بؤر النوتر في
العالم للوصول الي المواجهة الحتمية!
لقد استطاع هذا الحزب ـ التيار الجديد أن
يقتحم البيت الأبيض من خلال قرار محكمة عليا! ونجح في تنصيب جورج دبليو بوش وإثنين
من قادته المتعصبين وأقصد نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع (قائد جيوش الخير!)
رامسفيلد علي رأس القوة الأولي في العالم.
واستطاع هذا الحزب الجديد، ضرب المقاومة
الكاثوليكية له، بمهزلة الرهبان الشاذين المشكوك في صحتها، ليمهد الطريق أمام جيش
التوراة الشاروني لضرب كنيسة المهد، دون أدني احتجاج مسيحي في العالم. واستطاع هذا
الحزب تجييش العالم الي قوي خير (بمفهومه) وقوي شر(بانتقاءاته) لضرب ما زعم أنه
الإرهاب.
إن فكرة أمريكا كمخلص للعالم، فكرة عميقة في
التاريخ الأمريكي، وهي فكرة تروق للبسطاء في أميركا، دافعي الضرائب، وتعزف علي وتر
الوطنية المتحفزة لديهم بعد أحداث سبتمبر، واستطاع الحزب الثالث الجديد أن يعزفها
بذكاء وعمق وبمساندة إعلامية ضخمة ومتصهينة، لتجتاح كل بيت أمريكي، وكل من لا
يقتنع ببساطة فهو إرهابي حتي لو كان أمريكيا!!
إن مواجهة هذه المهزلة التاريخية الجديدة لا
يكون إلا بنفس الأسلحة الإعلامية، وعبر تحالف واسع ومضاد بين عالم العقل المتزن
(بكل أديانه وميثولوجياته التاريخية)، للوقوف في وجه الميثولوجيا العمياء التي
تحكم العالم الآن، والوقوف بالضرورة أمام كل ميثولوجيا عمياء أخري تساهم في تغذية
المبررات للحزب الثالث الواشنطوني.. الحزب الحاكم للعالم كله.