بقلم : اسامة الشريف
انها حرب لا يريدها احد باستثناء طغمة حاقدة
تحكم قبضتها على البيت الابيض. حزب رئيس الوزراء البريطاني »توني بلير« انقسم على
نفسه وبات يهدد استقرار الحكومة، وكذلك الامر في تركيا التي رفض برلمانها رشوة
ضخمة مقابل السماح لستين الفا من الجنود الامريكيين دخول اراضيها لفتح جبهة شمالية
ضد العراق. والمعارضة الشعبية في اسبانيا وايطاليا وغيرها وصلت ارقاما غير مسبوقة
ولو كان هناك تصويت عالمي على الحرب لمنيت امريكا وحلفاؤها بهزيمة نكراء. والقادة
العرب رغم انقساماتهم وخلافاتهم المريرة اصدروا بيانا برفض الحرب. وكذلك فإن قداسة
البابا واقطاب الكنيسة الانجليكانية في بريطانيا دعوا الى السلم وتجنيب العالم
كارثة محدقة.
لكن كل ذلك لن يثني الادارة الامريكية عن شن
الحرب حتى بعد ان وهنت كافة الذرائع. المعضلة الكبرى بالنسبة للرئيس بوش ان الحرب
وضعت مستقبل الرئاسة على المحك. فهو ان تراجع الآن يكون قد انتحر سياسيا، واذا ما
ابقى الوضع كما هو فإن الاقتصاد الامريكي سينهار تحت وطأة التوتر والخوف والديون
المتراكمة. فالحرب اضحت طريق الخلاص ليس لبوش فحسب وانما للاقتصاد الامريكي
المعتل.
الادهى من ذلك كله ان الرئيس بوش اثبت انه
مقامر فاشل! فهو يراهن بكل ما يملك دون ان يحدد شكل النصر المنشود. فعلى الطاولة
الآن مصير حلف الاطلسي والامم المتحدة وحلفاء امريكا من الاوروبيين ومستقبل
الاقتصاد الامريكي واحترام القانون الدولي واستقرار منطقة الشرق الاوسط التي هي
مصدر الطاقة الاول في العالم. وماذا يفيد الرئيس بوش ان هو فاز ببغداد وخسر باريس
وبرلين وموسكو وبكين وجملة من عواصم اخرى في انحاء العالم؟
فهو وان ضمن نصرا عسكريا سريعا وحاسما فإنه
لن يقدر على جلب الامن والسلام في هذه المنطقة. فكيف له ان يحكم العراق بتناقضاتها
الاثنية والطائفية ويمنع تدخلات جيرانها من ايران وتركيا في شؤونها الداخلية لضمان
مصالحهما بعد زوال صدام؟ وكيف له ان يبقي على وحدة العراق وهو لم يستطع الحفاظ على
تماسك اقطاب المعارضة التي بدأت تتصارع فيما بينها استعدادا لمرحلة ما بعد صدام؟
ثم من قال ان امريكا ستلتزم بوعودها للمعارضة
بعد ان تجتاح العراق؟ ولم لا تتكرر تجربة افغانستان التي يتوصل رئيسها حامد قرضاي
ادارة بوش بأن لا تدير ظهرها لبلاده حيث استأنف امراء الحرب صراعاتهم وازدهرت
تجارة الافيون مرة اخرى بينما غالبية الافغانيين فريسة المرض والجوع؟
يقول المثل الانجليزي ان اللّه اذا ما اراد
ان يعاقب احدا فإنه يستجيب لدعائه. وقد يستجيب القدر لنوايا بوش ورامسفيلد باحتلال
العراق ليجد الامريكيون انفسهم بعد ذلك في خضم صراع جيوسياسي خطير يعزز حركات
التطرف ويدفع بآلاف من الشباب الغاضب للانسياق وراء امثال اسامة بن لادن لضرب
الامريكيين اينما كانوا. هل فكر بوش وغيره بتداعيات الحرب في العراق على حملتهم
المستمرة ضد الارهاب؟
ثم ان ربط الرئيس بوش بين ازاحة صدام وقيام
الدولة الفلسطينية لا يدع مجالا للشك في ان اهداف الحرب الحقيقية تنحصر في السيطرة
على منابع النفط وتصفية القضية الفلسطينية. فهو ربط حل القضية الفلسطينية بالاطاحة
بنظام صدام حسين وهذا تطور مثير للاهتمام لانه يعيد الى الاذهان منطق العراقيين،
الذي رفضته امريكا في حينه، بربط انسحابها من الكويت بعد اجتياحه في عام 1990
بانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة. من الواضح ان ضرب العراق سيخلق واقعا
جديدا في المنطقة يمهد لتصفية القضية الفلسطينية من اساسها ويفرض على الفلسطينيين
شروطا مذلة تنتهي بولادة كيان هزيل يرضى عنه شارون.
اما الحديث عن الديمقراطية وتحرير شعب العراق
فالجواب عليه يكمن في استعراض دور امريكا التاريخي في المنطقة منذ نهاية
الاربعينات من القرن الماضي. كان بامكان الرئيس بوش ان يكسب اعجاب ودعم الملايين
من العرب والمسلمين لو انه بدأ بالدعوة الى حل عادل للقضية الفلسطينية وطالب
بتحرير الفلسطينيين والى التزام اسرائيل بالقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة.
لو انه فعل ذلك لوجد تأييدا دوليا لا نظير له ولتوجت امريكا بحق قائدة للعالم
ومنارة للحرية والعدل.
ان مقامرة الرئيس بوش ستفضي به في نهاية
المطاف الى خسارة فادحة له ولامريكا بغض النظر عن النصر العسكري الذي قد يحققه.
واذا كانت الفرصة قد اتيحت لبوش لان يقود حلفا بعينه فقد كان الاجدر ان يكون حلفا
للسلام والديمقراطية. تخيلوا لو ان جزءا يسيرا من ميزانية الحرب الهائلة انفق لدعم
مؤسسات المجتمع المدني وخلق فرص عمل والحد من الفقر والبطالة واعمار ما دمرته آلة
الحرب في فلسطين. تخيلوا لو ان بعضا من الضغط السياسي المروع الذي تعرضت له حكومات
الخليج وغيرها كان باتجاه فتح النوافذ بهدف تعميق الحوار الجاد واحترام حقوق
الانسان واجراء الانتخابات لا فتح القواعد العسكرية على مصراعيها لمئات الالوف من
الجنود. يا ترى كيف كان يمكن ان يكون تأثير ذلك على مستقبل الديمقراطية في العالم
العربي؟