الرسالةالموجهة إلى العرب لن تصل
بقلم : هشام ملحم
أعلن وزير الخارجية الاميركي كولن باول
استقالة مساعدته لشؤون الدبلوماسية العامة شارلوت بيرز <<لاسباب
صحية>> أمس، غير ان مصادر مطلعة اشارت الى ان بيرز استقالت لانها شعرت
بإحباط كامل لان افكارها وطروحاتها <<لكسب عقول العرب والمسلمين
وقلوبهم>>، وهو الهدف الرئيسي الذي وضعته لنفسها خصوصا بعد هجمات 11 ايلول،
لم تلق التجاوب الذي كانت تتوقعه من الاجهزة الحكومية الاخرى، وذلك في اشارة الى
المقاومة التي واجهتها مقترحاتها من المكاتب المماثلة في البيت الابيض ووزارة الدفاع
(البنتاغون).
وقرأ المتحدث باسم وزارة الخارجية ريتشارد
باوتشر بيانا باسم باول، اثنى فيه على اداء بيرز والطاقة الجديدة التي جلبتها
لمنصبها والافكار التي طرحتها لتحسين التواصل مع الرأي العام الاميركي والعالمي،
وخصوصا <<مع الناس العاديين في الدول الاسلامية>> وتحديدا مع جيل
الشباب في العالم الاسلامي خلال فترة حساسة جدا واجهتها البلاد. واعلن باوتشر ان
مساعدة باول لشؤون التعليم والثقافة، باتريشيا هاريسون، ستخلف تشارلوت بيرز مؤقتا.
وكانت بيرز قد برزت في عالم الاعلان خلال
عملها الطويل في عدد من الشركات في نيويورك، وتميزت بذكائها في
<<تسويق>> المنتجات والبضائع للمستهلك الاميركي، ما اثار انتباه باول
الذي عينها في هذا المنصب الذي اكتسب اهمية فائقة في اعقاب ادراك الحكومة
الاميركية عمق الهوة المفاهيمية والسياسية والثقافية بين الولايات المتحدة ودول
العالمين العربي والاسلامي، والتي اذهلت صناع القرار الاميركيين بعد هجمات 11
ايلول.
وكان باول قد اثنى خلال احدى جلسات الاستماع
على قدرة بيرز في تسويق البضائع، وقال ضاحكا انها اقنعته بشراء الارز من نوع معين،
وذلك في اشارة الى حملة اعلانية قامت بها بيرز لترويج تلك الماركة من الارز للمستهلكين
الاميركيين.
ولكن بدا واضحا منذ البداية ان بيرز، التي
تتمتع بخبرة كبيرة
في قطاع الشركات، تفتقر الى الخبرة السياسية،
كما انها تجهل العالمين العربي والاسلامي.
وسارعت بيرز الى محاولة دحض الافكار المسبقة
او الصور النمطية السائدة في عدد من الدول الاسلامية حول وضع الجالية الاسلامية في
الولايات المتحدة، فقامت بانتاج الافلام الوثائقية حول اوضاع الجالية، كما انتجت
سلسلة من الاشرطة التلفزيونية القصيرة حول الحياة اليومية لبعض افراد الجالية
الاسلامية في الولايات المتحدة لبثها على شبكات التلفزيون في الدول العربية
والاسلامية، وذلك في اعقاب تعرض بعض افراد الجالية لاعتداءات، بعد هجمات 11 ايلول.
لكن انتاج هذه الاشرطة تأخر، ولم تبث الا
خلال شهر رمضان الماضي في عدد من الدول الاسلامية، فيما رفض البعض الآخر مثل لبنان
بثها واعتبرها اعمالا دعائية ممولة من الحكومة الاميركية.
واعتبرت المصادر المطلعة ان بيرز استقالت
لانها لم تشعر بارتياح في منصبها، ربما لانها لم تدرك منذ البداية ابعاد التحديات
البيروقراطية والسياسية التي ستواجهها، وافترضت ان العمل في الشركات الكبيرة
سيؤهلها للمواجهات والمناوشات التي تحفل بها السجالات البيروقراطية في الحكومة
الاميركية. وشعرت بيرز ان البيت الابيض ووزارة الدفاع يحاولان تقويض اقتراحاتها
وطروحاتها، وكانت تشكو من تشكيل مكتب <<الاتصالات الاستراتيجية>> في
<<البنتاغون>>، و<<مكتب الاتصالات الدولية>> المماثل في البيت
الابيض، واحست بانها كانت <<محاصرة وبعيدة عن النقاش الداخلي، حول كيفية
صياغة الدبلوماسية العامة، او تحديد الرسالة الاميركية للعالمين العربي والاسلامي.
اضافت المصادر ان تشارلوت بيرز ارادت ان
تشارك فعليا في صياغة <<الرسالة>> الاميركية في هذه المرحلة الحساسة
قبيل مواجهة مرتقبة مع العراق، ومحاولة كسب عقول وقلوب العراقيين وغيرهم من العرب.
وتابعت ان المسألة لم تكن في اخفاق افكار
بيرز او انها لم تكن صالحة، بل ان هذه الافكار لم تحظ بأي فرصة حقيقية لتجربتها،
وان عددا من هذه الافكار لم تشكل جزءا من النقاش في وزارة الدفاع او، خصوصا، في
البيت الابيض. وشددت المصادر على انعدام الخلاف بين بيرز وباول، الذي كان يدعمها،
ويتعاطف مع احباطها، وانه لم يُفاجأ بقرارها، وان كان قد اعرب عن اسفه لهذه
الخطوة.
ويعترف المسؤولون الاميركيون بان استقالة
بيرز تأتي في الوقت الذي تحتاج فيه واشنطن لصياغة موقف واضح وشن حملة دبلوماسية
تتماشى مع الحملة العسكرية المرتقبة ضد العراق، ويتوقعون ان تسهم الاستقالة في
اثارة الكثير من الاسئلة في الكونغرس وفي وسائل الاعلام، حول جدوى المحاولات
الاميركية لانشاء شبكة تلفزيونية جديدة موجهة للعالمين العربي والاسلامي، وغيرها
من البرامج والمبادرات الاعلامية <<لكسب عقول العرب والمسلمين
وقلوبهم>>.