بقلم
:د. عبدالوهاب الافندي
خلال
الايام القليلة الماضية ادي اثنان من الزعماء المؤيدين للحرب، هما رئيس الوزراء
البريطاني توني بلير، والاسباني خوزيه ماريا اثنار، سنة الحج الي الفاتيكان للقاء
قداسة البابا وريث القديس بطرس وأبرز زعيم مسيحي ديني في العالم. وقد كان من الواضح
ان الغرض من هذه الزيارة ليس التبرك والاعتراف واعلان التوبة من الآثام. ذلك ان
بلير ليس كاثوليكيا علي كل حال، وأهل دينه يكفرون بابا الفاتيكان وجميع أهل ملته.
وقبل بضع سنوات ثار غلاة البروتستانت من نواب البرلماني البريطاني حين زار اسقف
كانتريري الفاتيكان لعقد اول لقاء من نوعه بين قادة الكنيستين منذ ان ا نفصلت
الكنيسة الانكليكانية عن روما في عهد الملك هنري الثامن قبل اكثر من اربعة قرون.
البركة
والتبرك ليسا اذن ما كان يطلبه بلير من زيارة الفاتيكان. وهناك ايضا شك في ان
التبرك كان بغية اثنار الكاثوليكي. فكلا الزعيمين يواجه ازمة في بلاده نتيجة
المعارضة الشعبية الشرسة لمسعاهما المتحمس لدعم حرب بوش علي العراق. وبالنسبة
لبلير فان المشكلة تعقدت اكثر بسبب رفض الكنيسة الانكليكانية وكبير اساقفتها
الجديد روي ويليامز للحرب. وقد زاد الامر سوءا حين اصدر كبير الاساقفة الاسبوع
الماضي بيانا مشتركا نادرا مع كبير الاساقفة الكاثوليكي في بريطانيا يرفض الحرب.
هذا الوضع
سحب من بلير الشرعية الدينية بعد ان كشفت عنه مظاهرات السبت الغطاء الشعبي، وزعزعت
بعد ذلك مداولات البرلمان هذا الاسبوع الشرعية البرلمانية والحزبية، وقد كان
ادراكه لهذا الوضع وراء حجه الي كرسي القديس بطرس لعل البابا يطمئنه بكلمة. ولكن
مصادر الفاتيكان اكدت ان البابا لم يطمئن بلير ولا اثنار، وان الفاتيكان ما زال
علي موقفه الرافض للحرب.
وهذا يجعل
من هذه الحملة اول حرب صليبية لا تفتقد فقط الي دعم الكنيسة بل تواجه معارضتها المكشوفة.
الرئيس جورج بوش هو بالطبع من وصف هذه الحملة بأنها حملة صليبية فيما وصف فيما بعد
بانه زلة لسان واعتذر لها نيابة عنه مساعدوه (ولم يفعل هو). وفي حقيقة الامر ان
الامر حمل حينها اكثر مما يحتمل، لان التعبير الانكليزي فقد معناه الاصلي منذ دهر
واصبح يحمل معني مجازيا معمما لعل افضل ترجمة عربية له هي الجهاد .
هذا لا
ينفي بالطبع ان للتعبير دلالات عميقة مترسبة في الوعي الجمعي الاوروبي، لانه من
المعروف ان الجهاد المسيحي الذي دعا له البابا بيبوس في مطلع الالفية السابقة هو
الذي خلق اوروبا ككيان وشكل هويتها، وهي هوية قامت علي التميز عن، والعداء للعالم
الاسلامي، او الاتراك البرابرة . وعلي مدي العشرة قرون الماضية تشبع العقل الباطن
الجمعي الاوروبي بملامح هذه الهوية التي انتقلت من التراتيل والصلوات الي اشعار
دانتي وميلتون وكبلنغ، ومسرحيات شكسبير وكتابات المستشرقين ثم الي افلام هوليوود
وصحف التابلويد.
ولكن
المدهش في الامر هو ان الكنائس برئت علي ما يبدو من هذا الداء العضال الذي تحدثت
عنه شخصية مصطفي سعيد في رواية الطيب صالح موسم الهجرة الي الشمال واصفة اياه بانه
جرثومة ومرض فتاك اصابهم منذ اكثر من الف عام وناسبة عشقها الاعمي الي مصدره: نعم
يا سادتي، انني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين
التاريخ .
الكنائس
الاوروبية باركت في السابق حملات الجهاد الاوروبي من الهند وأمريكا الشمالية الي
افريقيا والجزائر وفلسطين وفيتنام. في أحيان كثيرة كان رجال الكنيسة يسبقون الجيوش
والتجار الي الاراضي البعيدة ويمهدون الطريق لكليهما. ولكن يبدو ان الامر تغير
الان. الكنيسة الكاثوليكية في امريكا اللاتينية مثلا اتخذت مواقف بطولية ضد
الامبريالية والرأسمالية المتوحشة لصالح الفقراء والمستضعفين. وفي الاونة الاخيرة
نجد الكنائس نشطت في مجالات الاغاثة وحقوق الانسان.
المفارقة
هي ان هذا التحول واكب ايضا انحسار الدين في المجتمعات الغربية، ومعه انحسار نفوذ
الكنيسة. ولكن اذا كان النفوذ الديني للكنيسة قد تراجع، فان نفوذها الاخلاقي ما
يزال قويا. وهذا يعني ان الحملة الصليبية التي تولي تحضيرها بوش وبلير واثنار
ستكون حملة صليبية من دون صليب، مثلما هي جهاد لتأمين شعوب تخاف من هذه الحماية
اكثر من خوفها من الخطر المراد الجهاد ضده، وهبة لنجدة جيران العراق حماية لهم من
تهديد كانوا اول من صرح بعدم وجوده.