اليقظة الكاملة مطلوبة لأن الاحتمالات واسعة
بقلم :الياس سحاب
لنحاول النظر إلى الهجمة الاميركية
الامبراطورية القادمة على منطقتنا، في حلقة ثانية من المسلسل الامبراطوري الاميركي
(بعد حلقة افغانستان). لنحاول النظر اليها من زاوية اخرى أكثر برودة وموضوعية،
ولنستعن على ذلك، ببعض ما تفعله مراكز الأبحاث الاستراتيجية في اوروبا الغربية في
هذا الشأن.
أحد المراكز البريطانية خرج مؤخراً بأبحاثه
من كل ما يطفو على سطح الأزمة من صيغ دعائية نفسية، او صيغ سياسية دبلوماسية، وقرر
الغوص في الحقائق البسيطة التي تحرّك القوة الاميركية، في أعماق بحر السياسة
الداخلية الاميركية، سياسة الصراع على السلطة بين الجمهوريين والديمقراطيين في
دورات تتكرر مرة كل اربع سنوات. وهي حقائق قد تتقاطع في احيان معينة مع الحقائق
الامبراطورية الاميركية التي انتصبت في الساحة الدولية منذ انهيار الاتحاد
السوفياتي، وخاصة بعد احداث 11 ايلول/ سبتمبر الاخيرة، ولكنها قد تتصادم احيانا
اخرى مع تلك الحقائق الامبراطورية.
من المفيد قبل ذلك، ان نتوقف لحظة لتأمّل
مسرح الهجمة الامبراطورية الاميركية الاولى بعد احداث 11 ايلول، افغانستان،
وجوارها الباكستاني. باختصار شديد، هذا المسرح تسوده حقيقتان أساسيتان:
? خيبة أمل كاملة يعيشها السكان المحليون، في
مجال الأحلام الوردية للجنة الاميركية الموعودة، فكل الارقام والاحصاءات تؤكد بؤس
الحياة اليومية في افغانستان، حتى ان بعض هذه الارقام (في مجال الزراعة على سبيل
المثال) يشير الى ان الوضع في <<العهد الاميركي>> أسوأ من مثيله في عهد
طالبان.
? عدم قدرة واشنطن حتى الآن، برغم الفارق
الشاسع في الميزان العسكري بينها من جهة، وبين طالبان والقاعدة من جهة ثانية،
الادعاء بأنها نجحت في اجتثاث جذور طالبان والقاعدة، او نجحت حتى الآن في فرض واحة
أمنية مستقرة.
لنعد الآن الى المركز البريطاني للأبحاث
الاستراتيجية، الذي بادر الى استعراض موضوعي بارد لكل السيناريوهات المحتملة، لما
بعد الغزو العسكري الاميركي للعراق.
قد يفاجأ بعضنا بأن أقوى هذه السيناريوهات
المحتملة، في حسابات خبراء الاستراتيجية البريطانيين، هو سيناريو فقدان الادارة
الاميركية الحاكمة رغبتها في البقاء المباشر في العراق، بعد إطاحة النظام فيه،
وإقامة علاقات نفطية مريحة. وذلك ليس زهدا في هذه السيطرة المباشرة، بل خوفا من
تبعاتها الاقتصادية والسياسية، خاصة كلفة تحقيق الوعود الاميركية لشعب العراق
بتحويل البلد الى جنة من جنات الديمقراطية والتنمية الحديثة، وهي كلفة قد تتحول
الى عبء تغرق فيه الادارة الاميركية في مشكلات طويلة المدى، ربما لا تزاحم في سلم
أولوياتها، ضرورات المعركة الرئاسية الانتخابية القريبة، وهي الضرورات التي قد
تكون لها الكلمة الحاسمة في نهاية الأمر، مع ان الموضوع من صميم الاستراتيجية
الامبراطورية الاميركية.
قد يكون الاستراتيجيون البريطانيون، يجذّفون
في تيارات غير تلك التي ستحدد مجرى الاحداث القادمة في العراق، غير ان مقارنة بين
تصوراتهم، وبين حقيقة الصورة الاميركية الباهتة في ارض الغزوة الامبراطورية الاولى
(افغانستان) جديرة بأن تدفعنا الى التوقف (رسميا وشعبيا) عن حالة الهلع، والى
الخروج لمساحات اكثر هدوءا وعقلانية، خاصة عندما يكون مصيرنا هو المستهدف، مما لا
يجيز لنا أبداً الاكتفاء بموقف المتفرج.
إن أفظع وأسوأ موقف عربي يمكن ان يروّج في
هذه الايام، هو الموقف الذي يحكم على الامور بمعيار واحد هو ميزان القوى العسكرية
بيننا وبين اميركا. وهو موقف يقول اصحابه: ما دام ليس بوسع اي قوة عربية ان تمنع
الهجوم الاميركي، فليس لنا نحن العرب سوى الفرجة والانتظار.
سرعان ما سيكتشف اصحاب هذا المنطق، ان صعوبة
التطورات أمام الزحف الاميركي، قد تكون اكبر حجماً من الآلة العسكرية الاميركية
الامبراطورية، بل إن هذه الآلة ستدخل في تعقيدات محلية ودولية، تفتح مجالات لا
حدود لها لقوى اخرى متوسطة وصغيرة حتى، بالتدخل في اكثر مجال من المجالات العديدة
التي سيفتحها تطور الامور فيما بعد الجولة الاولى للحملة الاميركية العسكرية.
إن الإنجاز الاميركي المحدود في افغانستان،
لا يتناسب أبداً مع الحجم الساحق للآلة العسكرية الامبراطورية، وتعقيدات افغانستان
قد تبدو بسيطة جدا امام تعقيدات العراق، الجناح الشمالي والشرقي للمنطقة العربية
بأسرها، وجار إيران من جهة، وتركيا من جهة ثانية.
إنها ليست مرحلة للاستسلام والاسترخاء،
والركون الى موقف الفرجة والانتظار بحجة ضعف القدرات العسكرية العربية مقابل
القدرات العسكرية الاميركية. فالتطورات القادمة ستفتح مجالات لأسلحة عديدة صالحة
للاستعمال، غير العتاد العسكري، سواء طبّقت واشنطن سيناريو الانسحاب بعد إطاحة
صدام او سيناريو البقاء، لاستكمال تغيير اوضاع المنطقة العربية.
وجدير بنا ونحن نفتح عيون اليقظة الكاملة على
الأحداث القادمة، ان لا نغفل اي زاوية هامة من زوايا الرؤيا، ومنها مراقبة تحركات
اسرائيل، ومنها عدم الاستخفاف بما يعنيه الحراك السياسي الهائل في تركيا بين
البرلمان والحكومة والجيش، على سبيل المثال لا الحصر.