أردوغان والحرب.. الأخلاق
والسياسة !!
ياسر الزعاترة
لم يصمد رجب طيب أردوغان
طويلاً أمام إغراءات السياسة ومتطلبات البقاء في السلطة بأي ثمن، فجاء سقوطه
مبكراً من خلال الملف العراقي، وها قد بدا أكثر قابلية للتراجع من الكثير من نواب
الحزب في البرلمان، ومن بينهم رئيس وزرائه عبدالله جول.
رقصة أردوغان
باتجاه الحضن الأمريكي الدافئ بدأت حينما أعلن مطلع الشهر الماضي أن «صدام مسؤول عن اندلاع الحرب»، كما أوضح لناخبيه والشارع التركي
المسافة بين الأخلاق والسياسة حين قال «أولوياتنا
الأخلاقية هي التوصل إلى حل سلمي في العراق، ولكن أولويتنا السياسية هي الحفاظ على
مصالح تركيا».
هنا
بدا واضحاً لواشنطن أن السؤال لم يعد متصلاً بما إذا كان التعاون التركي معها
ممكناً أم لا، بل بقيمة الصفقة التي يمكن لتركيا أن تحصل عليها مقابل ذلك. ومنذ
ذلك الحين وأردوغان وأصحابه يساومون على السعر الأفضل
وطريقة الدفع وطبيعة الضمانات، أكانت شفوية أم مكتوبة، بيد أن التاجر الأمريكي كان
أشطر، حيث ظل ممسكاً بزمام السعر الذي طرحه، ولم يضف إليه إلا وعداً بحصة محدودة
من نفط العراق.
وزير الخارجية التركي، وفي سياق لعبة
المساومة، أقر بأن 90% من الشعب التركي يعارض الحرب على العراق، ولم يلتفت، لا هو
ولا الأوصياء على الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها في واشنطن، إلى تناقض
توجهات أردوغان، ومن ورائه العسكر مع رغبة شعب بأكمله،
أو غالبيته في اقل تقدير، فالمسألة من أصلها لا صلة لها بهذه الشكليات، ومن أجل
النفط والمصالح تداس كل القيم!!
لا
بد من الإشارة هنا إلى أن صوت العسكر لم يظهر على خشبة المسرح خلال الأسابيع
الأخيرة، إذ ما الحاجة إليه، وسادة الحزب الحاكم يفعلون ذلك على نحو معقول؟! بل إن
التدخل الوحيد الذي ظهر من خارج دوائر الحكومة قد جاء من الرئيس التركي، وكان
مزايداً على الحكومة في رفضه، حين اعتبر أن تركيا لن تتعاون مع معركة واشنطن إلا
بصدور قرار من مجلس الأمن، مذكراً مع ذلك، بأن القرار بيد البرلمان. وبالطبع فقد
غاب الشرط المذكور في زحمة المساومات على السعر المطلوب.
حضور العسكر في المساومة لم يكن ضرورياً،
ذلك أن حرق أصابع أردوغان وحزبه في هذه اللعبة يظل أفضل
بكثير، لا سيما وهي لعبة خاسرة شعبياً، حتى لو انطوت
على مكاسب مادية من نوع ما، مع أن واشنطن لن تعبّر أحداً حين يعلن انتصارها، وتمسك
بزمام الموقف. وإذا ما انجلى المشهد عن خسارة ما أو مجرد مكاسب محدودة فإن خسارة
حزب العدالة ستكون مزدوجة، لتبدأ الجهود على جبهات أخرى لإفشال أردوغان وتكرار تجربة معلمه التي ادعى أنه جاء ليتجنب عثراتها!!
يوم السبت الماضي لم ينجح مشروع الحكومة
أمام البرلمان، والمفارقة أن ذلك حصل بفضل تصويت نواب حزب الشعب الجمهوري ضد
المشروع في التفاتة ذكية لتوجهات الجماهير الذين كان 150
ألفاً منهم يتظاهرون على مقربة من البرلمان، فيما لم يجد ثلة من الصادقين من نواب
العدالة والتنمية بداً من التصويت ضد المشروع أو الامتناع عن التصويت ولتكون
النتيجة فشل المشروع بأربعة أصوات فقط.
قد يكون هناك تصويت آخر لإنجاح المشروع،
بيد أن من مصلحة (أردوغان) أن لا يفعل، أقله حتى صدور
قرار من مجلس الأمن.
منذ البداية قال أردوغان إنه لم يعد اسلامياً بالفعل وليس في الظاهر فقط، وأن على الجميع ان يصدقوه، ويبدو انه كان علينا ان نصدقه بالفعل.