مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية
يوسف والى
الحلقة 18
..
و تذكرت جزءا من حوارى مع الرئيس حسنى مبارك !
الخميس
27/4/2000 :
الساعة
الحادية عشر مساء :
بدأت
رحلة النفس فى السجن تتجه الى مزيد من التوازن .. و الشهر الأول يكون عادة مليئا
بالأمواج و العواصف النفسية .. و بمرور قرابة شهر تكون النفس قد أخذت سكينتها و
بدأت تتكيف مع آليات السجن .. و بالتالى لا توجد أحداث تذكر لتسجيلها .. صحوت
الساعة الحادية عشر بعد نوم عميق و أحلام لا أتذكرها .. إلا انها فيما يبدو كانت
أحلاما محايدة فلا هى سعيدة ولا هى تعيسة .. و فى الأغلب الأعم فأننى لا أتذكر
أحلامى .. و وجدت على مكتبى (أو طاولتى بمعنى أصح ) الأهرام ويكلى فتعجبت أشد
العجب فأنا لا لم أطلب الاشتراك فيه ( و علمت فيما بعد انه جاء السجن بالخطأ و
رأوا اننى السجين الذى يمكنه أن يقرأ الانجليزية ) .. و الصحف التى أشترك فيها :
الأهرام و الشعب تأتى و أنا نائم لذلك توضع داخل الزنزانة برفق حتى عندما أصحو
أجدها .. و كأنى فى منزلى .. إلا ان زوجتى ليست هنا لتعد لى الشاى .. و لبذل جهود
مضنية لايقاظى .. لذلك أقوم بكفاح شديد للتغلب على آثار النوم و اكتساب النشاط ..
و أعد الشاى بنفسى (وهذه من أهم مهاراتى المنزلية ) .. و الفطار قراقيش .. لم أجد
فى الأهرام ما يلفت الانتباه إلا مقال سلامة .. و قد كان قويا ضد اصدار الوزارات
لصحف خاصة .. و الاعتماد على الاعلانات مدفوعة الأجر .. بدلا من ارسال الردود
للصحف و الالتفات لعملهم التنفيذى ! و كان المقال نقدا مباشرا لوزير الثقافة و
مجلة صلاح عيسى ، و نقد غير مباشر لوالى أشهر وزير فى الاعلانات المدفوعة الأجر .
أما الأهرام ويكلى فقد ظننت أن أخى هانى شكر الله قد قام بأى واجب .. و لكنى لم
أجد .. و لعل الأهرام ويكلى كتبت شيئا عن قضيتنا فى أعداد سابقة . و حملت الزبالة
الى عربة الزبالة التى تدخل السجن كل يوم لجمع القمامة .. و هى تشعرك بأجواء
"الملكية" رغم رائحتها الكريهة النفاذة .. و لم أشأ النداء على
"النبطشى" و ما العيب فى ان ألقى قمامتى بيدى فى عربة الزبالة .. و وجدت
التعيين يوزع فحصلت على نصيبى من الحلاوة و بيضتين من بيض وزارة الداخلية .. و
برتقالتين من تعيين وزارة الداخلية .. و قد أكرمنى موظف التعيين فأعطانى أحسن
برتقالتين على حد قوله .. بعد ذلك توجهت للادارة حيث أبلغت بأن هناك اعلانا قضائيا
.. و كنت فى طريقى أتمتم: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم .. ان الملاحقات
القضائية تتواصل فى السجن و هى رسالة لى ان شقائى لن ينتهى إلا اذا انتهيت مما انا
سائر فيه من قتال على جبهات شتى .. و أطلعتنى الموظفة على الاعلان فلم أفهم منه
شيئا .. لان أرقام القضايا المرفوعة علىّ أكثر من أن تحصى ولا أتعب نفسى بحفظ
أرقام القضايا .. و لكننى أطمأننت عندما علمت انها قضية مدنية أى مسألة تعويض ..
ولا حبس فيها إلا اذا لم أدفع .. و هى لم يحكم فيها بعد و هى أمام محكمة قصر النيل
الجزئية .. قلت : عظيم لم يبق الا محكمة قصر النيل ، هذه لم أحاكم بعد أمامها !! و
المهم اننى تأكدت اننى غير مطلوب منى حضور الجلسة و قد كان موعدها أمس 26 أبريل .
و كل ما سأفعله بعد ان وقعت بالعلم اننى سأعطى السادة المحامين صورة من الاعلان ..
و الباقى على الله ..
و
عدت أدراجى لمواصلة الروتين اليومى .. أما الجديد فقد علمت بالأمس ان المأمور أصدر
أمرا شفويا بمنع المساجين الجنائيين من الدخول الى زنزانتى !! و رغم اننى تلقيت
هذا النبأ ببرود .. فالعزلة هى خيارى الرئيسى .. و الاعتكاف مطمعى .. و لكن الأمر
صار مضحكا .. فنحن ممنوعون من الاتصال بالاخوان المسلمين و التائبين المصريين و
أبطال ثورة مصر و المجاهدين العرب .. فاذا أضيف الجنائيون أيضا .. فالمقصود اذن ان
نتحدث مع أنفسنا (و نألف أغانى) على حد تعبير أحد أصدقائى فى السجن ، و لكننى علمت
فيما بعد ان المحظور هو زيارتى داخل الزنزانة .. و لكن يمكن للجنائيين ان يتحدثوا
معى فى الفسحة .. و هذا كرم كبير !
و
لكن استولى على شعور بالاستهانة بدلا من الرفض و التحدى ..
كذلك
دخلت اليوم الثانى فى النشاط الرياضى بلعب تنس الطاولة .. و هزمت اثنين حتى الآن
.. أما بطل العنبر فقد هزمنى اليوم دون أن يبذل مجهودا يُذكر .. منه لله .. فأنا
لا أحب الهزيمة حتى فى الرياضة !
أما
ضغط الدم فهو يسير ببطئ نحو التحسن التدريجى 140/95 و أشعر بنفسى فى حالة من
التحسن المستمر و عندما يصل الى 130/80 كما كان فى الحبسة الماضية سأتأكد من اننى
استسلمت فعلا لقدرى .
واصلت
دراساتى القرآنية .. و أواصل من جديد رحلتى مع نجيب محفوظ حتى أجهز على ما تبقى من
قصصه .. و قد وجدت فى السجن مكتبة رائعة لم تكن موجودة من قبل و هى تكفينى لعدة
شهور قادمة حتى اذا لم يأت إلىّ أى كتاب من الخارج ، و هى من علامات التحسن فى
السجن .. و بها كتب منوعة بعضها على مستوى راق فى مجالات مختلفة . و فى مجال الأدب
وجدت عدة روايات لماركيز و نجيب محفوظ.. و بدأت بقصة ماركيزعن قصة البحار الذى عاش
عشرة أيام دون أكل و ماء .. و على متن قارب نجاة.. و هى قصة مفيدة فى الجلد و
الصبر لمن هو فى مثل حالى .. و لكنها قصة عاشها (البحار) و كتبها (ماركيز) ممن لا
يؤمنون بالله .. الأمر الذى جعل تأملاتها فقيرة .. و كانت القصة كئيبة لسجين
انفرادى و لكنى ثابرت عليها لانها قصة حقيقية لا تخلو من مغزى .. فالمعروف ان
الانسان يموت بعد 3 أيام من غير شرب الماء .. و هى قصة فى الطاقة الانسانية و
غريزة و تحدى البقاء .
و
يفسر من الناحية المادية استمراره فى الحياة انه كان يغترف من البحر المالح بعض
المياه من حين و آخر .. و انه أكل طائر نورس بدمه .. و أكل جزءا من سمكة و امتص
أحد الأغصان العالقة بالماء ! الا انه تعذر عليه أن يأكل حذاءه أو حزامه!!
أما
نجيب محفوظ فقد انتهيت من قراءة السكرية .. و يبدو اننى أخطأت ففى الحبسة الماضية
قرأت (بين القصرين) .. و كان علىّ أن ألتزم بالترتيب الزمنى و أقرأ (قصر الشوق)
أولا و هى موجودة بالمكتبة .. و لكننى تأثرت بأننى قرأتها هى بالذات فى مرحلة
الشباب و أننى على أى حال لن أقوم بدراسة عن أدب نجيب محفوظ انما هى مجرد خواطر قارئ
.
و
رغم مراحل من الملل فى قراءة السكرية .. إلا انها رائعة بشكل عام .. و تظهر فيها
خفة الدم عالية فى الحوارات .. بالاضافة للعمق الفكرى و الفلسفى .. و هى تؤكد
استيلاء الشك فى الله .. و فى الحياة على شخصية نجيب محفوظ كما ذكرت من قبل من
1957 حتى الحرافيش (لا أذكر تاريخها الآن) .. و قد أصبحت أضج من قراءة هذه الأشياء
.. باعتبارها هواجس جيل انتهى و تخطاه الزمن .. و بهذا المعنى فان ثلاثية محفوظ و
قصصه التالية فى مجال الشك الإيمانى .. يمكن ان تفيد فى التأريخ لهذا الجيل ..
الذى سلم لنا بلدا مهزوما و تابعا فى قعر الأمم ، و لكن كفاءة نجيب محفوظ فى بنائه
القصصى و روعة وصفه للنفس البشرية .. حتى انه يكون أمينا فى تحليل الشخصيات
المتدينة فى قصصه (كعبد المنعم فى السكرية) ، ان الله حباه بمواهب فذة و قد سهر
على تطوير هذه المواهب .. و لكنك لا تهدى من أحببت .. هو يقول فى أحاديثه الأخيرة
: انه آمن بالله .. و هذه مسألة بينه و بين ربه .. إلا ان مرحلة التدين هذه لم
تظهر فى أدبه .. و لعله تدين بعد أن كف عن الانتاج .. و هذا مما يؤسف له .. كذلك
موقفه من اسرائيل لعنة أخرى تطارده لا يستطيع ان يتخلص منها ..
و
بالمناسبة فان الذى قام بالمحاولة الآثمة لاغتياله موجود معنا فى هذا السجن و هو
من التائبين .. و لكننى لا تتح لى فرصة للحديث معه و لا مع غيره !
*****
·
من طرائف اليوم .. اننى استمعت من الاذاعة منذ
قليل . ان الرئيس مبارك أرسل كلمة الى مؤتمر مجالس الصحافة المنعقد حاليا فى
القاهرة أكد فيها تمسك مصر بحرية الصحافة .. مع الالتزام بالقانون (فى إشارة خفية
لفضيحة حبسنا ) .. أما صفوت الشريف فقد كان أكثر جرأة .. حين أكد أن مصر لا يقصف
فيها قلم و لا تغلق صحيفة .. يا أخى اتقى الله .. و اذا كنت لا تستح من الله فاستح
من الناس.. و اذا لم تكن تستح من الناس .. فلا تزدرى بالعقول .. و أبحث عن عبارات
مّدارية شوية ..
و
المهم ان قدر السلطة ان يجتمع خلال حبسنا الاجتماع الدورى لاتحاد الصحفيين
العرب الذى أعرب عن التضامن معنا
بصورة قوية ..
و
يأتى انعقاد مؤتمر مجالس الصحافة .. احراجا آخر للحكومة السنية ، و أنا عضو فى
المجلس الأعلى للصحافة الذى يستضيف هذا المؤتمر .. و لا أدرى كيف ستثار قضيتنا
خلال هذا المؤتمر .. أرجو أن ينتبه زملاؤنا خارج السجن من هذه الفرصة .
و
الحقيقة ان السلطة لا تستطيع ان تدافع عن موقفها متمسحة فى القضاء الذى اخترقته و
تربعت على عرشه .. فالذى يحبس الصحفيين هم كبار المسئولين و الوزراء الذين يحركون
القضايا .. و لم يحبس صحفى لانه اعتدى بالقول على مواطن!!
و
قد نشرت الصحف منذ يومين ان الرئيس مبارك طالب المسئولين بارسال ردود الى الصحف ..
و ليس فى هذا جديد ..
و
أذكر اننى تحدثت طويلا مع الرئيس مبارك خلال رحلته الى الرياض منذ عامين تقريبا و
خلال احتدام قضية الألفى حينما أثار بعض الزملاء مسألة المصالحة بين الشعب و وزير
الداخلية السابق ، فقلت ان القضية ليست فى المصالحة، و لكن فى ضرورة تعامل
المسئولين مع الصحافة بروح التفاعل .. و ليس بروح القمع .. فهم بدلا من ارسال
الردود يحركون القضايا تلو القضايا دون استخدام حق الرد فى ضعف المساحة و بنفس
البنط و فى نفس المكان .
و
قد بدا الرئيس مبارك انه اقتنع بوجهة نظرى فاستدعى وزير الاعلام من الكابينة
المجاورة و كلفه بتصفية القضايا بين الصحفيين و المسئولين على أساس حق الرد . و قد
نشرت ذلك فى حينه فى جريدة الشعب ..
و
أذكر ان الوزير صفوت الشريف طلب منى عمل هذا الحصر و ارساله له .. و عندما ألتقيت
به فى رحلة تالية (الى توشكى أو شرق العوينات لا أذكر ) سلمته بنفسى هذا الحصر
الذى حصلت عليه من النقابة .. فماذا كانت النتيجة؟ لا شئ .
و
لم ألتق مع الرئيس مبارك بعد هذه الرحلات الثلاثة (الرياض – توشكى – العوينات) ..
لاننى أمضيت حياتى بعد ذلك متنقلا بين السجون .. دون ان أرسل استرحامات أو
اعتذارات كانت مطلوبة منى ..
*******
و
أخيرا فكما وضعت فى حبسة وزير الداخلية السابق شعارا فوق سريرى من القرآن الكريم
(أنى مظلوم فانتصر) .. و استجاب الله لدعوتى .. فقد وضعت اليوم شعار(ربى انصرنى
بما كذبون) واثقا من نصرته لى سبحانه و تعالى فهو المطلع على السرائر .. و يعلم
خائنة الأيمن و ما تخفى الصدور .. و دائما القضية العادلة تنتصر .. و هى ليس لها
من بد الا ان تنتصر .. لان الزيف لابد ان يسقط .. فقضية الصراع بين الحق و الباطل
لا تحسمها القوة المادية للباطل فى لحظة محددة .. فسيظل دائما: الحق أبلج و الباطل
لجلج .
و
لكن موقف الشعب و نخبه السياسية و المثقفة هو الذى يستحق بعض التأمل و المناقشة ..
و ربما أجد لذلك متسعا فى الأيام القادمة
(البقية العدد القادم ان شاء الله )
الحلقة الحادية
عشرة من المذكرات
الحلقة الثانية
عشرة من المذكرات
الحلقة الثالثة
عشرة من المذكرات
الحلقة الرابعة
عشرة من المذكرات
الحلقة الخامسة
عشرة من المذكرات
الحلقة السادسة
عشرة من المذكرات
الحلقة السابعة
عشرة من المذكرات